لبنان المفاوض و"المناطق النموذجية" تعويلٌ وتحدّيات
يتلاءم لبنان وإسرائيل على طاولة المفاوضات المباشرة في الولايات المتحدة الأميركية حول طرح "المناطق النموذجية" أو "المناطق التجريبية" الذي يمكن أن يربو بالتفاوض نحو مرتبة التطوّر الجذريّ إذا اتّفقت الدولتان على أن يشمل الطرح تضاريس جغرافية واسعة جنوب لبنان ثم حصول التنفيذ. ويُعدّ نمط "المناطق النموذجية" من الطروحات المتعارف عليها لإنهاء الحروب، وقد اعتُمد سابقاً في كمبوديا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبيّ لتسجيل الأسلحة وتخزينها بعد حرب أهلية طويلة الأمد. وبوشر التنفيذ التجريبيّ لإنهاء حال السلاح غير الشرعيّ في كمبوديا في عام 2001، وسجّل 13500 من الأسلحة حينذاك وسط نظام مركزيّ وحصل تخزينها بأمان.
لكنّ التحدّيات التي يقاسيها لبنان منذ أشهر إثر انخراط "حزب الله" في حرب إسناد إيران في آذار 2026، مختلفة عن تلك التي أنتجت توافقاً في كمبوديا على حصر السلاح مع الدولة، ذلك أنّ "حزب الله" يرفض تسليم سلاحه ويهزأ بطرح "المناطق التجريبية" ويتجاهل المنطقة المصنّفة عازلة رغم السيطرة الإسرائيلية عليها. ويشكّل "حزب الله" حالة خارجة عن الدولة اللبنانية في وطنٍ لا يعاني حرباً أهلية، بل حالة عسكرية تأخذ قرارات استراتيجية عن الدولة في إسناد حروب إقليمية.
والتقاتل الناشب فوق التراب اللبنانيّ في جزء منه إقليميّ الاعتبارات، ما يجعل هنالك معضلة خارجة عن قرار الدولة اللبنانية وخاصّة إذا بقيت إيران متشبّثة بسلاح "حزب الله". توازياً، تحاول الدولة اللبنانية الانسجام مع طرح "المناطق النموذجية" أو "التجريبية"، لكن لا ضمانات تقدّمها على طاولة المفاوضات لحصر السلاح أو التعامل مع أيّ "مناطق تجريبية واسعة" من منطق القوة. مع ذلك، يبقى تعويل الدولة اللبنانية على ما يمكن تنفيذه على نحو معقول من حصر للسلاح مع أي طرح لـ"المناطق النموذجية".
يرى المستشار العسكريّ الأسبق لوزارة الخارجية الأميركية عباس الداهوك، ردّا على أسئلة "النهار"، أنّ "الرئيس اللبنانيّ جوزف عون أيّد إطار طرح المناطق النموذجية ودعمته القيادة المركزية الأميركية. وهو مثل نهج وزارة الدفاع الأميركية "بقعة الحبر" لبناء قدرات الشركاء: البدء بمناطق صغيرة آمنة تحت سيطرة الدولة، ثم التوسع تدريجاً، تماماً كما ينتشر الحبر على الورق. إلا أنّ التنفيذ في لبنان يواجه عقبات كبيرة. فقد رفض "حزب الله" المفهوم، بينما تزيد الغارات الإسرائيلية المستمرة والوجود العسكري الإسرائيلي الدائم في أجزاء من الجنوب اللبنانيّ من تعقيد فرص النجاح".
وفق الداهوك، إنّ "الولايات المتحدة تعتبر المناطق التجريبية آلية بناء ثقة بدلاً من المطالبة بنزع السلاح الفوري على مستوى البلاد. والهدف اختبار ما إن بإمكان الجيش اللبناني، أو وحدات مختارة ومدققة داخله، فرض سيطرة الدولة الحصرية ومنع "حزب الله" من إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية، ما يخلق نموذجاً يمكن توسيعه ليشمل ترتيباً أمنيّاً أوسع".
ولا يغفل الداهوك أنّ "المناطق التجريبية ستجسّد أول اختبار عملي لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرة حصرية وخالية من الأسلحة على المناطق المتنازع عليها سابقاً. ويمكن أن يُسهم النجاح في بناء الثقة وتضييق الفجوات، بما يُعزّز التوجّه نحو ترتيب أمني أوسع. أما الفشل فيكمن في عرقلة "حزب الله" انتشار الجيش اللبناني، ما يُعزز المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وقد يُطيل أمد الوجود العسكري الإسرائيلي، ويزيد من احتمال شنّ ضربات استباقية أو وقائية تتجاوز نطاق الدفاع عن النفس المباشر".
ويستنتج أنّ "الولايات المتحدة تبدو مستعدّة للتسامح مع وجود إسرائيلي موقت ريثما تنفّذ ترتيبات أمنية مرحلية في لبنان. وقد ربطت إسرائيل أيّ انسحاب إضافي بضمانات أمنية ملموسة، بما يجعل المناطق التجريبية عنصراً أساسيّاً في الديبلوماسية. يبقى الوضع متقلباً، وسيعتمد كثيراً على التزام "حزب الله" بوقف النار، والإجراءات الإسرائيلية، ونتائج المفاوضات المستقبلية. في حال عدم التزام "حزب الله"، يمكن إبقاء إسرائيل على وجودها وعلى شن ضربات".