لبنان... العنصرة التي يحتاجها العالم
مفيد خطّار
وفي علِّيَّة لبنان اجتمعوا. وكأنّه العشاءُ الأخير لوطنٍ يقف على حافة الجحيم، ينتظر قيامةً جديدة. تهاوى التباعد، وامتلأت كأسُ القرار، لأنّ الأوطان لا تنهض بالخوف، بل بشجاعة أبنائها. وما من قيامةٍ بلا عبورٍ في الألم، ولا من عنصرةٍ بلا شعبٍ يؤمن بأنّ المستقبل يُصنع بالإرادة لا بالاستسلام.
تفرّق الإخوة... فجمعهم لبنان. وانقسموا على بعضهم... فوحّدهم لبنان. وتقاتلوا... فصالحهم لبنان.
تبلبلت الألسنة، فصار كلُّ فريقٍ لا يسمع إلّا صدى صوته، ولا يرى في الآخر إلّا خصماً، ولا يثق إلّا بمن يعده بالغلبة، حتى بدا الوطن غريباً بين أبنائه.
لكن في عنصرة لبنان، لم تتوحّد الألسنة لأنّ الجميع نطقوا الكلمات نفسها، بل لأنّ الجميع أدركوا الحقيقة نفسها: أنّ الاختلاف ليس لعنة، بل دعوة إلى الشركة؛ وأنّ لبنان أكبر من الطوائف، وأبقى من الأحلاف، وأسمى من كلِّ انتصارٍ على شريكٍ في الوطن. فالرُّوح لا يمحو التنوّع، بل يحوّله إلى وحدة؛ ولا يُسقط التعدّد، بل يجعله غنىً ورسالة.
عندئذٍ تغدو لغةُ الدولة أفصحَ من لغة السلاح، ولغةُ المواطنة أقوى من لغة العصبيّة، ولغةُ السلام أصدق من جميع خطابات الكراهية.
فالعالم لا يحتاج إلى وطنٍ ينتصر بعضُه على بعض، بل إلى وطنٍ ينتصر على انقسامه. ولا يحتاج إلى قوّةٍ تفرض إرادتها، بل إلى دولةٍ تفرض عدالتها. ورسالةُ لبنان ليست أن يُلغي اختلافاته، بل أن يحوّلها إلى شركة؛ وليست أن يُسكت الأصوات، بل أن يجعلها تتناغم في لحنٍ واحدٍ اسمه الوطن.
هكذا تبدأ عنصرةُ لبنان: حين يحلُّ روحُ الشراكة محلَّ روحِ الغلبة، وروحُ الدولة محلَّ منطق الدويلة، وروحُ الرسالة محلَّ إغراء المصالح. عندها لا يعود لبنان وطناً نجا من أزماته فحسب، بل يصبح رسالةً متجدّدةً في عالمٍ أنهكته الانقسامات، وشهادةً حيّةً بأنّ المحبّة أقوى من الكراهية، والشراكة أقوى من الانقسام، والدولة أقوى من السلاح، والإنسان أقوى من العصبيّة.
فالْعنصرة ليست معجزةَ توحيدِ الألسنة فحسب، بل معجزةُ توحيدِ القلوب حول الحقيقة والحرية والعدالة. وكذلك لا يكون خلاصُ لبنان بإلغاء اختلافاته، بل بتحويلها إلى قوّةٍ في خدمة الإنسان والوطن، تحت سيادة الدولة وسلطان القانون.
وعندئذٍ، لا تصبح العنصرةُ حدثاً يُستعاد، بل وطناً يُبنى، ولا تغدو القيامةُ ذكرى، بل مشروعاً وطنياً وأخلاقياً يتجدّد كلَّ يوم. فإذا نجح لبنان في أن ينتصر على انقسامه لا على بعضه، غدا برهاناً حيّاً للعالم بأنّ السلام ليس هدنةً بين غالبٍ ومغلوب، بل ثمرةُ العدالة، وأنّ الشراكة ليست تسويةً عابرة، بل ثقافةُ وطن، وأنّ قوّة الدولة لا تُقاس بما تملكه من سلاح، بل بما تمنحه من كرامةٍ لجميع أبنائها.
عندئذٍ، لا تكون عنصرةُ لبنان خلاصاً لوطنٍ صغيرٍ على شاطئ المتوسّط فحسب، بل مساهمةً متواضعةً في خلاص عالمٍ أنهكته الحروب، ورسالةً حيّةً تقول إنّ الشعوب لا تُقاس بما تربحه في معاركها، بل بما تمنحه للإنسانية من رجاء.
وحينئذٍ يستطيع لبنان أن يرفع رأسه بين الأمم، ويقول لأبنائه، وللعالم كلّه، بثقةٍ ورجاء:
"لا يغلب أحدُكم الآخر... بل معاً تغلبون العالم".