لا تتركوا “نواب الكذب” يتسلّقون على ظهوركم!

في عهدة 2012، نزلت قناة خاصة إلى بهو البرلمان لتستفسر السادة النواب، بسؤال بسيط، عن مصطلحي “الميزان التجاري” و”الميزانية العامة للدولة”، ومع أن الجواب في غاية البداهة لدى كل عارف بأبجديات الإدارة أو يقرأ الصحف ويستمع إلى البرامج الإذاعية والتلفزية، فضلا عن أعضاء المجلس الشعبي الوطني، فإنّ السؤال فضح جهل أفراد العينة المستجوبة بمهام النائب البرلماني، والتي مارسوها طيلة سنوات واغترفوا بعنوانها أجورا وامتيازات هائلة من الخزينة العمومية.
وفي مرة ثانية، كان استجواب أعضاء البرلمان حول آخر كتاب قرأوه، لكن المفاجأة الصادمة أنّ جميع المستجوبين لا يقرؤون، بل عجزوا عن استحضار أي عنوان، ولو قديم، مرّ على ذاكرتهم، حتى أن أحدهم أجاب بكل حماقة بأنه قرأ مشروع قانون المالية!
طبعا، لا يمكن في الحالتين تعميم الموقف على كافة البرلمانيين، إذ توجد بينهم نخب عالية المستوى، علميا وسياسيا، لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها أن تلك العيّنات تعبّر، للأسف، عن حال الغالبية الساحقة والرديئة.
ومع نهاية الحملة الانتخابية الجارية لاستحقاق 2026، نتذكر تلك النماذج “الأميّة”، أو التي قذف بها التصحر السياسي إلى تمثيل الشعب رغما عنه، حيث حادت اليوم خطابات الكثير من المترشحين عن جوهر الوظيفة التشريعية والرقابية والتمثيلية للبرلمان، وخلت في عمومها من عرض تصوّرات واقعية لاستكمال إصلاح السياسات الحكومية في مختلف القطاعات الحيوية، ولما لا تغييرها إن كانت لا تحقق النتائج المرجوة، وتلبية حاجيات المواطنين بأفكار منهجية قابلة للقياس، مقابل إطلاق وعود خيالية، هي أصلا من اختصاص السلطات التنفيذية، ما ينبئ بأنّ الانتخابات لا تزال في ثقافة الكثيرين موسما للكذب الموصوف أو استغباء المواطنين لأجل الترقية الاجتماعية الخاصة، بعيدا عن سلوك المصارحة والمكاشفة بحقيقة الواقع.
ما كشفت عنه الخطابات والتجمعات حتى الآن، هو أن كتلة كبيرة من المتهافتين على البرلمان لا تملك أدنى تصور عن شؤون الدولة القطاعية، فضلا على أن تعرض أفكارا إصلاحية عملية، ولا يزيد كلامهم عن وعود جوفاء، تمنّي المواطن بالفردوس الأعلى في بلد يتلمس طريقه نحو الانتقال الاقتصادي والتحرر من ثقافة الريع الاجتماعي.
وظهر أن بضاعتهم المزجّاة لا تعدو محاولات التسلق على جماجم الآخرين والهجوم على سابقيهم، كأنهم مرسلون بالعناية الإلهية ومعهم خاتم سيدنا سليمان.
لقد تركزت حملة الطامعين في النيابة الشعبية على سرد نقائص التنمية محليا، فراحوا يجردون الممتلكات العامة والمشاريع الغائبة عن مناطقهم منذ الاستقلال، حتى ظهر أنهم يتسابقون على المجالس البلدية والولائية وليس مؤسسة البرلمان، باستثناء رؤساء أحزاب جادّة انبروا، على قلتهم، إلى تشخيص الوضعية العامة للبلاد في مختلف جوانبها السياسية والمؤسساتية والاقتصادية، وعمدوا إلى شرح مقترحاتهم البديلة.
ليكن واضحا لدى المواطن الناخب أن وظائف عضو البرلمان محددة قانونيا ولا مجال للتحايل على البسطاء بوعدهم بتوفير كل شيء، وهي تنحصر أساسا في التشريع، وممارسة الرقابة على عمل الحكومة ومدى تنفيذ برنامجها من خلال الإجراءات المحددة في الدستور.
كما يضطلع النائب بتمثيل الشعب والتعبير عن انشغالاته برفعها إلى الجهات المعنية والتحسيس بها والدفاع عنها، من دون حيازته أي سلطة قرار بشأنها، فهو مجرد وسيط مع السلطة التنفيذية في مختلف المستويات، ويمكنه، بناء على آراء المواطنين، تقديم اقتراحات في المسائل المطروحة.
وبذلك، يتضح أن الغالبية من “النواب المفترضين” تجهل طبيعة مهامها، وبعضهم الآخر يتجاهلها لاستدراج ناخب لن يقابلوه بعد 02 جويلية، ليتفرغوا، في حال صعودهم البرلماني، لقضاء مآربهم الخاصة، والتمتع بالأجرة المغرية، واستغلال النفوذ في تحقيق المصالح الضيقة، إلى غاية موعد انتخابي آخر.
مرة أخرى، وحتى لا نتّهم بتشويه الممارسة السياسية والتشكيك في جدوى الانتخاب، نؤكد أنّ تلك المساوئ، على انتشارها اللافت، لا تنسحب على كل الراغبين في تزكية الشعب، إذ يوجد بينهم وقبلهم من يمثّل المواطنين بصدق وأمانة، محافظا على عفّة يده ونظافة عرضه، أمّا من بدأ مشواره الدعائي بالتدليس، فهو من إخوان إبليس، ويستحيل أن يكون مراده خدمة الصالح العام، فلا تنخدعوا بحذاقة ألسنة اللصوص وزخرف الكلام المعسول.
على الجزائريين أن يتخيّروا لأصواتهم فهي أمانة، ويتحرّوا في منح الثقة باعتبارها شهادة، ويبحثوا عن الأكفأ للوظيفة البرلمانية قدر المستطاع، والأسلم لهم في واقع التشتت القائم اليوم بآلاف المترشحين، أن ينحازوا إلى فرسان المؤسسات الحزبية الحقيقية ذات البرامج والتنظيم والانتشار في الميدان، ما يسمح لها بمرافقة نوابها وفق رؤية وطنية موحدة تجاه سياسات الحكومة، فيكون في وسعها التعديل والإثراء والاقتراح، وإن فضّلوا الأحرار، فوجب أن يكونوا من ذوي الكفاءات العليا، الجديرة بتمثيل الشعب وطنيا بمؤهّلاتهم العلمية والثقافية والسياسية، لأن البرلمان ليس مثل “لجان الأحياء الشعبية”.
أما ركون الناخبين في اختيار ممثليهم بالبرلمان، إلى الاعتبارات القبلية والعلاقات الاجتماعية والوعود عالية السقف، فإنها ستكون مصيدة لهم، لن ينالوا بها الحقوق ولن تتحقق بها المنفعة العامة، بل سيكون الجميع فيها خاسرا، الأفراد والمجتمع، باستثناء نواب الكذب الباحثين عن قضاء مصالحهم الخاصة.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post لا تتركوا “نواب الكذب” يتسلّقون على ظهوركم! appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk