كييف تُفشل الضغوط الروسية الجديدة...
د. خالد العزي*
تحاول روسيا تصوير المأساة الأوكرانية الحالية على أنها نتيجة حتمية لفشل كييف في إدارة الحرب، في وقت تمر فيه العاصمة الأوكرانية بمرحلةٍ حساسة منذ اندلاع الصراع.
فالتصعيد العسكري الروسي المستمر، والتهديدات المباشرة للبنية التحتية والمراكز الحيوية، لا تهدف الى تحقيق مكاسب ميدانية وحسب، بل أيضاً الى إرسال رسالة بأن موسكو قادرة على ضرب عمق الدولة الأوكرانية وإرباك مؤسساتها.
غير أن روسيا تبدو مدركة أنها لم تحقق إنجازاً حاسماً لا على المستوى العسكري ولا السياسي. وعندما عجزت عن فرض رؤيتها عبر القوة العسكرية، لجأت إلى قنوات التواصل مع الولايات المتحدة. إلا أن قمة ألاسكا بين بوتين وترامب لم تُنتج أي تحولٍ ملموس على الأرض، سواء في الضغط على كييف لقبول شروط موسكو أو دفعها إلى المفاوضات وفق رؤيتها.
أوكرانيا تواجه صراعاً داخلياً حاداً داخل السلطة، عقب الهجمات الممنهجة والتدميرية التي نفذتها روسيا في العاصمة، مما يعيد إلى الأذهان الدمار الذي شهدته غزة ولبنان جراء الهجمات الإسرائيلية، وكذلك الضربات التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة وإسرائيل. وتسعى القيادة الأوكرانية إلى إعادة ترتيب توازناتها السياسية والعسكرية، بهدف استعادة زمام المبادرة داخلياً، وبناء جبهة مواجهة متماسكة تمنع موسكو من تحقيق أهدافها التدميرية وفرض شروطها.
زيلينسكي وزمام المبادرة
يدرك زيلينسكي أن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط على الجبهات العسكرية، بل أيضاً داخل النظام السياسي. ولهذا بدأت التسريبات حول تغييرات محتملة في هرم السلطة تشمل الجيش والحكومة. وتشير المعلومات المتداولة إلى احتمال تعيين قيادة عسكرية جديدة، مع الحديث عن صعود رئيس الاستخبارات كيريل بودانوف إلى موقع أكثر نفوذاً على حساب القائد الحالي أولكسندر سيرسكي.
إذا حدثت هذه التغييرات، فلن تكون مجرد تعديلات إدارية، بل محاولة من زيلينسكي لإعادة ضبط موازين القوة. فبودانوف، رغم قربه من الرئاسة، يُنظر إليه كشخصيةٍ طموحة يصعب احتواؤها، واستفاد خلال السنوات الأخيرة من حضوره الإعلامي وصورته كرجل أمن قادر على تنفيذ عملياتٍ نوعية ضد روسيا. كما أن العلاقة بينه وبين زيلينسكي تقوم على شراكة سياسية وأمنية معقدة، بحيث يرتبط بقاء كل منهما بالآخر في ظل ظروف الحرب.
بودانوف: رجل الظل في أوكرانيا
الشعبية المتزايدة لبودانوف داخل الجيش والشارع الأوكراني أثارت تساؤلات حول مستقبله السياسي، ومع تصاعد التنافس داخل النخبة الحاكمة، يتحول تدريجاً من رجل استخبارات إلى لاعب سياسي طامح. وبقاء بودانوف يمنح زيلينسكي هامشاً للحفاظ على توازن القوى داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، في حين أن خروجه قد يفتح الباب لصراعات داخل الدولة، خصوصاً أنه يمتلك معلومات حساسة وقادرة على تهديد خصومه السياسيين.
في ظل محاولات "تنظيف البيت الداخلي" ومواجهة ملفات الفساد المتراكمة، يُمنع بروز اسم أندريه يرماك كأحد أبرز اللاعبين في المشهد السياسي الأوكراني، رغم اعتباره "العقل السياسي" القادر على إعادة بناء شبكة تحالفات داخل مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.
التصعيد الروسي الممنهج
جاءت الرسائل الروسية الأخيرة لتزيد المشهد تعقيداً، فإعلان موسكو عن ضربات متواصلة ضد "مراكز صنع القرار" في كييف لا يحمل أبعاداً عسكرية فحسب، بل أيضاً سياسية ونفسية، تهدف إلى خلق ارتباك داخل القيادة الأوكرانية وممارسة ضغط على الغرب وأوروبا والرأي العام لقبول شروطٍ روسية لم تتمكن موسكو من فرضها طوال سنوات الحرب.
ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الغربية للبحث عن تسوية، تواجه كييف معركةً مزدوجة: مواجهة روسيا ميدانياً والحفاظ على توازن الردع من جهة، والسيطرة على التوازنات الداخلية ومنع انفجار الصراع داخل مؤسسات الحكم من جهة أخرى.
تحاول أوكرانيا إقناع الغرب بأن الحرب لم تعد صراعاً حدودياً فقط، بل معركة طويلة ومعقدة ستحدد شكل التوازنات الأوروبية المقبلة. ولهذا تواصل المطالبة بالدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، انطلاقاً من قناعة بأن مستقبل الأمن الأوروبي قد يُرسم في كييف نفسها، حيث تختلط حسابات الحرب بطموحات السلطة، وتتحول معركة البقاء إلى صراع على رسم خريطة أوروبا الجديدة.
*كاتب متخصص بالشأن الروسي