كيف يقرأ "حزب الله " تحوّلات ما بعد التفاهم الإيراني - الأميركي؟
بات "حزب الله" يقيم على قراءة جوهرها أن ما بعد توقيع إيران والولايات المتحدة مذكرة التفاهم وصمودها أمام التحديات، فتح الباب أمام مرحلة مختلفة.
بناء عليه، صار الحزب يرى أن هذا التطور ترك انعكاساته على الساحة اللبنانية حاضرا ومستقبلا، وتحديدا على وضعه ومكانته فيها، لذا لم يفاجأ بما صار يعرف بـ"المرونة الأميركية" حيال ما تعدّه طهران مصالح حيوية لها ولحلفائها في هذه الساحة.
الأمر عند الحزب، وفق معنيين في دوائره، لم يستقر على صورة نهائية، إذ لا يزال مجرد "عروض واختبارات وتجارب" تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد لكي تصير ناجزة يبنى عليها. لذا فإنه، وفق هؤلاء، لا يكتم أنه ما زال في حال ترقب وانتظار، ليبني على الشىء مقتضاه.
وهو بهذا المعنى، يقدّر أن الأداء الانفتاحي من الجانب الأميركي لم يأت بفعل صحوة ضمير، بل نتيجة "صمود" إيران في وجه الهجوم الأميركي - الإسرائيلي، مقرونا بنتائج "صمود" مقاتليه في ميدان الجنوب اللبناني، وهي كلها شكلت عناصر صلبة دفعت الإدارة الأميركية في نهاية المطاف إلى الانطلاق في مسار مقاربة مختلفة مع طهران، واستتباعا مع الحزب وساحته اللبنانية.
"المسار التنازلي" الأميركي
يدرك الحزب أن معارضيه في لبنان قد أطلقوا العنان بعد التحولات الأخيرة، لهواجسهم ومخاوفهم أمام هذا "المسار التنازلي" الأميركي، وهي المخاوف والهواجس التي دفعت هذه الفئة إلى اتهام واشنطن بـ"التنازل المفرط" في الساحة اللبنانية، وهذا ما عبّر عنه إطلاق "مركز الاتصال الرباعي" الذي كشف عنه المفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف، ومهمته العمل على ضبط الأوضاع العسكرية في الجنوب اللبناني من جهة، وتوفير ظروف للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب من جهة أخرى.
لا ينكر الحزب أن هذا التطور وما سبقه مباشرة من تطورات دراماتيكية، انطوت على عنصر مفاجأة بثت مشاعر ارتياح عنده، بددت إلى حد بعيد مخاوف ساورته، وجعلت الأمان يعاوده.
لكن ذلك لا يعني عنده أن الأمور صارت "بردا وسلاما" على نحو يطمئن إيران ويطرد كل مخاوفها وشكوكها.
واقع جديد
يعي الحزب، بناء على معطيات ووقائع يتبلغها يوميا، أن واشنطن ترسم أسسا لواقع جديد، قوامه أن تقدم لإيران "إغراءات وتسهيلات" في مقابل أن تتنكب مهمة عنوانها العريض المعلن "ضبط الحزب" وتقييد سلاحه في مرحلة أولى، توطئة لمرحلة يقتنع فيها بأن السلاح لم يعد ذا جدوى وفائدة، واستطرادا لم يعد ممكنا إشهاره مرة أخرى، خصوصا بعدما تغيرت معادلة الداخل اللبناني التي كانت في السابق تضمن حدا مقبولا من الحماية والشرعية للسلاح.
وفي الحزب من لفته موقف أطلقه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، قال فيه إن على إيران ضبط تفلته في الجنوب لكي يستقيم أمر المفاوضات، ويراه إقرارا أميركيا نادرا بأن في إمكان طهران أداء هذه المهمة التي عجزت عنها محاولات متكررة سابقة، إن هي أعطيت الرخصة والاعتراف.
وفي هذا السياق أيضا، يقرأ الحزب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرر أن في استطاعة الرئيس السوري أحمد الشرع أداء دور بالنسبة إلى سلاح "حزب الله" في قابل الأيام، على أنه بمثابة رسالة إلى أربعة أطراف معنية، هي إيران والحزب وإسرائيل والداخل اللبناني. فالبنسبة إلى الطرفين الأولين، تعني الرسالة تلويحا بخيار "تضمين" لبنان مجددا لدمشق. وهي أيضا تلويح لتل أبيب بأنها قد أخفقت في هذه المهمة وعليها ترك الأمور للنظام السوري. أما الرسالة إلى الداخل اللبناني المنقسم والذي يبدي بعضه "عصيانا" على التوجهات الأميركية، فإن مضى بهذه السلبية فعليه أن ينتظر "الأقسى والأشد ".
وفي كل الأحوال، لا يبدو أن "حزب الله" قد حسم خياراته واتخذ قراره النهائي أمام كل هذه العروض، وهو ما زال يملك وقتا إضافيا ليقلّب الأمور على جوانبها ويقرر.