كيف نصنع كبش فداء؟

تنطلق المجتمعات من رغبة بسيطة لكنها عميقة: أن تعيش في سلام، وأن تحافظ على تماسكها رغم ما يعتريها من توترات وظلم وتفاوتات. غير أنّ هذا السلام ليس حالة ثابتة، بل هو توازن هشّ، تُهدّده في كل لحظة مشاعر الغضب والإحباط والغيرة والشعور بالحيف. وعندما ترتفع منسوبات التوتر الجماعي ولا تجد المجتمعات طريقاً حقيقياً لمعالجتها، تلجأ – غالباً دون وعي – إلى آلية قديمة جدّاً: البحث عن شخص أو فئة تحمّلها مسؤولية كلّ شيء، فتتحوّل إلى “كبش فداء” تتجمّع حوله مشاعر العنف المكبوتة.

هذا ما يسلّط عليه الضوء المفكّر الفرنسي رينيه جيرار في كتابه “العنف والمقدّس”، حين يبيّن أنّ العنف لا يصدر فقط عن الدولة أو السلطة، بل ينبت أوّلاً في العلاقات اليومية بين الناس، في رغباتهم المتشابهة وفي مقارناتهم المستمرة فيما بينهم. فحين يرغب الأفراد في الأشياء نفسها، وحين يشعر كلّ واحد أنّ الآخر يهدّد مكانته أو كرامته أو فرصه، تتولّد خصومات صغيرة تتراكم إلى أن تصبح عنفاً جماعياً متبادلاً، قد يمسّ الأسرة، والحي، ومكان العمل، والفضاء الرقمي، وكلّ مجالات العيش المشترك.

في هذه اللحظات الحرجة، تصبح الجماعة مهدّدة بما يشبه “حرب الجميع ضد الجميع”. هنا تظهر وظيفة آلية كبش الفداء: يتحوّل الصراع من “الكلّ ضد الكلّ” إلى “الكلّ ضد واحد”. أي أنّ المجتمع، حتى يحافظ على ذاته، يجتمع على شخص أو جماعة يُنظر إليها على أنّها مصدر الشرّ كلّه. لا يهمّ كثيراً أن تكون هذه الجماعة مسؤولة فعلاً عما يحدث، المهم أن تؤدّي وظيفة نفسية واجتماعية: أن تستقبل على نفسها مشاعر الغضب، وأن توفّر للجماعة لحظة تماسك مؤقت.

هذه الآلية لا تحتاج إلى قرار رسمي أو تخطيط واعٍ، بل تنشأ من تفاعل الناس أنفسهم: من النكت المتداولة، من الصور النمطية، من الاتهامات الجاهزة، ومن التعليقات المتسرّعة على شبكات التواصل الاجتماعي. فكم مرّة نرى فئة تُتَّهم على نحو جماعي بأنّها سبب “تخلّف المجتمع” أو “فساد الأخلاق” أو “تضييع الفرص”، دون أن نتوقّف عند التعقيد الحقيقي للمشكلات؟ وكم من شخص في محيط صغير – أسرة، قسم دراسة، فريق عمل – يتحوّل إلى “المذنب الدائم” الذي تُعلّق عليه كلّ الأخطاء، لمجرّد أنّه مختلف أو أقلّ قدرة على الدفاع عن نفسه؟

يراجع جيرار الأساطير القديمة والطقوس الدينية ليقول إنّ هذه القصص تحمل في طيّاتها نفس السيناريو: جماعة في أزمة، توتر متصاعد، ثم ظهور شخصية تُتّهم بأنّها مصدر البلاء، يعقب ذلك قتل أو طرد أو إقصاء، ثم شعور بالارتياح وكأنّ النظام عاد إلى نصابه. مع الوقت، يتحوّل هذا الحدث العنيف إلى “قصة مقدّسة” تُروى للأجيال، ويُحاط بقداسة أو احترام أو رهبة، فيُنسى الجانب الوحشي ويُحفظ الجانب الذي يمنح معنى ووحدة للجماعة.

في الواقع المعاصر، قد لا نتحدّث بلغة الأسطورة، لكننا نعيد إنتاج نفس الآلية بأشكال جديدة. القصص التي تنتشر بسرعة على المنصات الرقمية، التعليقات الجماعية التي تنقلب فجأة ضد شخص ما، الحملات التي تستهدف فئة بعينها، كلّها يمكن أن تتحوّل في لحظة إلى نوع من “محاكمة شعبية” لا تُتيح للصوت المتَّهَم أن يشرح نفسه أو يضع الأمور في سياقها. يتخفّى العنف هنا وراء تعابير مثل “رأي عام”، “غضب شعبي”، “صوت الناس”، لكنّ النتيجة واحدة: شخص أو جماعة تُدفع إلى الهامش، أو تُحمّل ما لا تحتمل من تهم، ليشعر الآخرون أنّهم تخلّصوا من عبء ما.

الخطر في هذه العملية لا يكمن فقط في الظلم الذي يلحق بالضحية، بل في أثرها العميق على المجتمع نفسه. حين نختزل مشكلة مركّبة – مثل الفقر، أو ضعف الخدمات، أو تفكّك الروابط الاجتماعية، أو عنف الخطاب – في شخص أو فئة بعينها، فإنّنا نعفي أنفسنا من التفكير في الأسباب البنيوية: كيف يتكوّن هذا الظلم؟ كيف تُدار موارد المجتمع؟ كيف تُبنى العلاقات بين الناس؟ كيف نربّي أبناءنا على احترام الاختلاف؟ أي أنّنا نحصل على راحة سريعة، لكنّنا نفقد فرصة العلاج الحقيقي.

الجانب الإيجابي في قراءة جيرار أنّها تمنحنا القدرة على تسمية ما يحدث، وعلى الخروج من حالة العمى. فمجرّد أن ندرك أنّنا، كأفراد وجماعات، قد ننخرط في صناعة كبش فداء، يصبح من الممكن أن نتساءل: هل ردّ فعلنا متناسب؟ هل نحن بصدد البحث عن الفهم أم بصدد البحث عن شخص نعلّق عليه كلّ شيء؟ هل نسمح لأنفسنا بأن نرى تعدّد الأسباب، أم نفضّل اختزالها في سبب واحد مريح؟

حين نغيّر هذه الأسئلة، يتغيّر أيضاً شكل التضامن بيننا. بدلاً من أن يكون التضامن قائماً على الاتحاد ضدّ ضحية، يمكن أن يصبح تضامناً مبنيّاً على مواجهة مشتركة للمشكلات: أن نرى في التوتر دعوة إلى الحوار لا إلى الإقصاء، وفي الخطأ فرصة للتصحيح لا مناسبة للسحق، وفي الاختلاف مصدر ثراء لا سبباً للتخوين. عندئذٍ، يتحوّل المجتمع من جماعة تبحث عن مَنْ تُخرجه من دائرتها حتى تستريح، إلى جماعة تسأل نفسها كيف توسّع تلك الدائرة بحيث يجد كلّ فرد مكاناً آمناً ومسؤولاً في آنٍ واحد.

الانطلاق من المجتمع، لا من السلطة وحدها، يعني أن نعترف بقوّة الكلمات التي نتداولها، والقصص التي نكرّرها، والنظرات التي نوجّهها للآخرين. كلّ تعليق صغير، كلّ نكتة تحمل احتقاراً، كلّ تبرير لعنف رمزي أو مباشر، يساهم في بناء مناخ عام يجعل من السهل أن يتحوّل أحدنا في أيّ لحظة إلى كبش فداء جديد. في المقابل، يمكن لكلمة منصفة، ولموقف معتدل، ولرغبة صادقة في الفهم قبل الحكم، أن تُربك هذا المسار، وأن تفتح أمام المجتمع سبيلاً آخر غير سبيل التضحية المستمرة بالضعفاء والمختلفين.

ربّما يكون أهمّ درس إنساني نستخلصه من “العنف والمقدّس” هو أن نسأل أنفسنا، فرداً فرداً: ماذا نفعل بالعنف الذي يسكننا وبالتوتر الذي يحيط بنا؟ هل نوجّهه نحو ضحية سهلة لنستريح قليلاً، أم نجرؤ على مواجهته في داخله وعلى مستوى علاقاتنا، بحثاً عن طرق أهدأ وأعدل للعيش معاً؟ هذا السؤال، على بساطته، قد يكون بداية طريق نحو مجتمع أقلّ حاجة إلى أكباش فداء، وأكثر قدرة على الاعتراف بتوتّراته والعمل على تجاوزها دون أن يضحّي بإنسانية أيٍّ من أبنائه.

The post كيف نصنع كبش فداء؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress