كيف حوّلنا "تيك توك" إلى كباريه افتراضي
"المُنقِّط الوهمي".
هذه هي التسمية التي اخترتها له، إذ أجهل – مع احترامي له – مسمّاه الوظيفي الفعلي. إنه الشخص الذي يبادر بالنهوض في الكباريه، وبالتواطؤ مع الراقصة لكونهما في الواقع يعملان معاً، فينثر فوقها الأوراق النقدية الغزيرة، أو "النقوط"، بطريقة استعراضية مبالغ فيها. إنه مشهد مُهندس بدقة ومُتفق عليه.
فحين تنهمر الأوراق النقدية فوق رأس الراقصة، تنتعش بها بهجة وسروراً، ويتضح ذلك على ملامحها وصوتها، واتجاه تمايل جسدها وشعرها. وغالباً ما يبدو للجمهور أن "المنقِّط الوهمي" تمكّن، ولو لبضع لحظات، من احتكار اهتمامها وامتنانها، وأن الثروة التي ألقاها فوق رأسها قد قرّبته منها زلفى.
مفعول السحر
وهنا تُستثار رغبة بقيّة "المُنقّطين المحتملين" في المشاركة، ويتشجعون على التجربة، على الأقلّ عملاً بالمقولة العربية "حشر مع الناس عيد". إن "المنقِّط الوهمي" يحيي شيئاً ما في دواخلهم. فسوف تصغر في أعين البعض مغبّة العبث بأرصدتهم البنكية الهزيلة، لأنهم لن يبذلوا بقدر "المنقِّط الوهمي"، وبالتالي لن يشعروا بالسوء تجاه تهوّرهم. والبعض سوف يتنافسون معه، ويجودون بأكثر مما فعل، أملاً في نيل حصة أثقل من حظوة الراقصة، فهم لا يعلمون بأنه سوف ينحني معها بنهاية السهرة لالتقاط الأموال وعدّها.
وفي تطبيق "تيك توك" اليوم مؤدّون لا يختلفون من حيث المبدأ عن راقصات الكباريهات، و"منقطّ وهمي" ترتكز مهمته – بنفس الطريقة – على "تمييع" حرصكم على أموالكم، و"تطبيع" فكرة الإنفاق خلال البث المباشر لديكم، وجعلكم تستسهلون الضغط على شاشاتكم للإهداء.
من هو؟
"المُنقِّط الوهمي" في "تيك توك" هو وكالات متخصصة تتعاقد مع صنّاع المحتوى لتدير أعمالهم وترفع مداخيلهم.
يدخل "المُنقِّط الوهمي"/الوكيل أثناء البث المباشر، ويغدق بالعطاء على النجم المتعاقد معه، بل وربما بعث له بـ"الأسد"، وهي الهدية الافتراضية الأغلى بقيمة 400 دولار. ومثل راقصة الكباريه المحترفة، يرد مشهور "تيك توك" جميله بالتفاعل، فيصفّق ويقفز ويهتز وينشد الأشعار.
ورويداً رويداً، تتهدّم جدران نفسية حصينة من حول أفراد الجمهور، الذين من المرجّح أن أغلبهم كانوا سيكتفون بالفرجة المجانية.
فمن كان سيمتنع عن العطاء، وسيستسخف إهدار أمواله، قد يبعث بـ"وردة"، وهي الهدية الافتراضية الأرخص بـ0.01 دولار، سائلاً نفسه "لم لا؟". وقبل أن يتفطن لنفسه، تتحوّل الوردة إلى "بوكيهات" كاملة. ومن كان سيختلس من محفظته هدية متواضعة فحسب يتجاسر على تقديم هدية أبرز، لعل المشهور يلاحظ اسمه، ويضيف "أحبك" شكراً وعرفاناً. وهاتان العيّنتان تمثلان السواد الأعظم من الناس بعيداً عن المهووسين والسفهاء ممّن سمعت بأنهم يبيعون سياراتهم لدعم مشاهيرهم المفضلين في "تيك توك"!
يعود "المُنقِّط الوهمي" إلى مقعده الافتراضي، وتتكفلون أنتم بالباقي بعدما طبّع في وجدانكم البذل لأجل المشاهير الضحلين والفارغين والكسالى. وحين يُغلق ستار الكباريه الافتراضي، يستعيد "المُنقِّط الوهمي"/الوكيل قيمة الهدية التي "استثمرها" في المشهور، ثم يتقاسمان بقيّة الحصاد الحقيقي الذي انتزعتموه بإرادتكم من أفواهكم.