كيف جعل فيلمٌ واحد مارجان ساترابي أيقونةً للحرية؟
يتّخذ "بيرسيبوليس" من طهران مسرحاً لأحداثه الأولى، فاتحاً أمام المُشاهد رحلة في الذاكرة والتاريخ تعود إلى عام 1978، عشية التحوّلات الكبرى التي شهدتها إيران. من خلال هذا العمل، استعادت مخرجة الفيلم مارجان ساترابي، التي رحلت أمس عن 57 عاماً، سيرتها في وطنها قبل أن تقودها الأقدار إلى المنافي.
كانت ساترابي في الثامنة، إبّان اندلاع الثورة الإسلامية، غير أن حداثة سنّها لم تحل دون انشغالها بأسئلة المصير والمستقبل. نراها تحلم بأن تصبح نبيّةً تخلّص العالم من آلامه وأوجاعه وخطاياه، فيما يحوطها والدان مثقّفان ومنفتحان بفيض من الرعاية والحنان، وقد ربطتها بجدّتها علاقة حميمة تركت أثراً في تكوينها.
خلال تلك السنوات التي وصفتها ساترابي بأنها أعوام الخراب والجمر والاضطراب، نتابع تفاصيل الأحداث التي مهّدت لاندلاع الثورة وأفضت إلى سقوط نظام الشاه. ومع قيام الجمهورية الإسلامية، فرضت السلطة الجديدة رقابة صارمة على الحياة اليومية للإيرانيين، متدخلةً في سلوكهم ومظهرهم وأدقّ تفاصيل وجودهم. وكان الحجاب من بين التحوّلات التي وجدت مارجان نفسها مضطرةً إلى الامتثال لها.

منذ ذلك الحين، بدأت تتنامى في داخلها نزعة عارمة إلى التمرّد على القواعد السائدة، وهي لا تزال في مقتبل المراهقة. ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتضاعف المآسي وتثقل الحياة اليومية بأعباء إضافية. فحُرم الناس من أفراحهم البسيطة، كما فقدت عائلات لا تُحصَى أبناءها وأقاربها في أتون الصراع. في موازاة ذلك، أخذت قبضة القمع تشتد داخل البلاد، فيما راحت الأوضاع الاجتماعية تتدهور عاماً بعد عام.
أمام هذا الواقع الخانق، باتت مواقف ماريان الجريئة وتصرفاتها المتمرّدة تشكّل خطراً حقيقياً على مستقبلها، فقرّر والداها إرسالها إلى النمسا أملاً في تأمين بيئة أكثر أماناً وحرية لها. هناك، في فيينا، وجدت الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً نفسها وحيدة في مدينة غريبة لا تعرف فيها أحداً. لكنها سرعان ما خاضت ثورتها الثانية: ثورة من نوع آخر، ضد ارتباكات المراهقة وأسئلة الحرية والحبّ، وضد قسوة المنفى والوحدة واللامبالاة والإقصاء.
أراد القدر لساترابي أن تنجو من المصير الذي لاقته كثيرات من بنات جيلها. وقد كان للإرث العائلي أثر بالغ في تكوين شخصيتها ومسار حياتها. نشأت في كنف أسرة تؤمن بالأفكار التقدّمية وتتبنّى قيماً نبيلة، فيما دفع عدد من أفراد عائلتها وأصدقائها أثماناً باهظة نتيجة انخراطهم في النضال، فقضوا سنوات طويلة خلف القضبان.

ضمن هذا المناخ، تشكّلت ملامح وعيها المبكر. فبدلاً من أن يقدّم لها والدها الحكايات الأسطورية المألوفة، كان يضع بين يديها القصص المصوّرة ذات المضامين السياسية والاجتماعية.
حطّت ساترابي رحالها في فيينا، حيث تابعت دراسات في الفنون التطبيقية، مدفوعةً بشغفها بالرسم ورغبتها في أن تصبح فنّانة تشكيلية. بعد ذلك انتقلت إلى باريس، المدينة التي ستحتضن تجربتها الفنية وتمنحها فرصة للتعبير عن ذاتها. غير أن المنفى لم يضع حداً لمعاناتها. فبعدما هربت من الخطابات المتشدّدة التي كان يطلقها رجال الدين في إيران، وجدت نفسها في مواجهة صور نمطية أخرى، تجلّت في نظرة كثر من الأوروبيين حيالها.
من هذا التمزّق بين عالمين، ولدت أعمالها، محوّلةً تجربة الاقتلاع والاغتراب إلى مادة سردية، أثمرت سلسلة من الروايات المصوّرة التي لفتت إلى موهبتها. لم يكن "بيرسيبوليس"، الذي استند إلى سيرتها الذاتية، سوى تتويج لأربعة أجزاء من تلك القصّة المصوّرة.
في أيار 2007، قدّمت ساترابي "بيرسيبوليس"، الذي شاركت في إخراجه مع فانسان بارونو، ضمن مسابقة مهرجان كانّ السينمائي. وفي ختام المهرجان، تُوِّج العمل بجائزة لجنة التحكيم مناصفةً مع "نور هادئ" للمكسيكي كارلوس ريغاداس، في إنجاز لافت لمخرجة تخوض تجربتها الأولى خلف الكاميرا، أو بالأحرى خلف طاولة الرسم، إذ ظلّ الفيلم وفياً للروح البصرية للرواية المصوّرة التي استُلهم منها، من دون أن ينجرف نحو تجسيد شخصياته بأجساد حقيقية من لحم ودم.
لم يتوقف نجاح "بيرسيبوليس" عند حدود كانّ، إذ رُشّح لاحقاً لجائزة الـ"أوسكار"، قبل أن يواصل رحلته بين المهرجانات العالمية، محقّقاً حضوراً نقدياً وجماهيرياً استثنائياً، ومكرّساً اسم ساترابي باعتبارها من أبرز الأصوات الفنية القادمة من إيران والمنفى معاً. بفيلم واحد، تحوّلت إلى رمز من رموز الحرية وأيقونة النسوية.
روت مراراً أن العودة إلى الماضي لم تكن مهمة يسيرة. فثمة محطات وأحداث استعصت على الاستعادة البصرية، لا لأن أهميتها تضاءلت، وإنما لأن الذاكرة نفسها بدأت تتأكل تحت وطأة الزمن. وقد أقرت بأن عملية الرسم كانت في ذاتها مواجهة شاقة مع ستّة عشر عاماً من حياتها، سنوات حافلة بالتجارب والخيبات والجراح التي حاولت طويلاً طمسها أو دفنها في أعماق الذاكرة، فتحوّلت إلى جمرة حرقت قلبها وهي لا تزال في ذروة عطائها. والأسوأ أنها رحلت في أكثر لحظة رأت فيها أملاً لبلادها.
لم يكن وارداً تحويل "بيرسيبوليس" إلى فيلم روائي تقليدي يؤدّي أدواره ممثّلون حقيقيون. فمثل هذا الخيار، في رأيها، كان سيقزّم الحكاية ويحصرها في إطار جغرافي وثقافي ضيق، بدلاً من أن يفتحها على أفق إنساني أرحب. في أفضل الأحوال، كان سيتحوّل إلى قصّة غرائبية أو إلى عمل يُصنَّف ضمن ما يُعرف بسينما العالم الثالث. أما الرسوم، فقد منحت الجمهور إمكان التماهي مع الشخصيات بعيداً من أي انتماء قومي أو ديني أو ثقافي. الرسوم المبسّطة، المنفّذة بالأسود والأبيض، لم تفرض ملامح محدّدة على المتلقّي، لكنها أتاحت له أن يرى نفسه داخل الحكاية. ولهذا السبب وجد المشاهدون، على اختلاف أوطانهم وخلفياتهم، ما يربطهم بعالم "بيرسيبوليس"، سواء كانوا من الصين أو تشيلي أو كوريا. فالعمل، في عمقه، لا يروي قصّة إيران، بقدر ما يستحضر تجربة إنسانية تتجاوز المكان.
إلى جانب ذلك، كانت ساترابي حريصة على الحفاظ على البعد الحلمي والوجداني الذي يطبع سيرتها. فالحكاية لا تقوم على الوقائع التاريخية والسياسية فحسب، بل تتكئ أيضاً على ذاكرة شخصية مثقلة بالأحلام والهواجس والانفعالات الداخلية، وهي عناصر وجدت في فن التحريك وسيلة مثالية للتجسّد والبقاء.
سعى الثنائي ساترابي - بارونو إلى الإتيان بقدر وافر من الواقعية على المعالجة البصرية للفيلم، من دون التفريط بطابعه الرمزي. ولهذه الغاية، اعتمدا ما يُعرف بـ"الواقعية المؤسلبة"، مقاربة جمالية توازن بين التبسيط التشكيلي وصدق التجربة الإنسانية. كما استلهما عناصر من تيارات سينمائية متعدّدة، أبرزها الواقعية الإيطالية الجديدة والتعبيرية الألمانية، في محاولة لابتكار لغة بصرية قادرة على احتضان الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي في آن واحد. تأثّرها واضح أيضاً بـ"الرفاق الطيبون" لمارتن سكورسيزي، ولا سيما في ما يتعلّق بإيقاع الحوارات وحيوية المونتاج وديناميكية السرد.
منذ عرضه الأول في مهرجان كانّ، وجد "بيرسيبوليس" نفسه في قلب سجال سياسي وثقافي لم يهدأ. ومع اتساع دائرة انتشاره الدولي، تكاثرت الضغوط التي تعرضت لها ساترابي، إلى حدّ اعتبارها شخصية غير مرغوب فيها في بلدها الأم، حيث شُوهد الفيلم في نسخ مبتورة خضعت للحذف والتشويه، فيما شنّت جهات محافظة حملات واسعة ضد صاحبته، متهمةً إياها بالإساءة إلى الإسلام والطعن في القيم التي قامت عليها الجمهورية. غير أن ساترابي رفضت اختزال عملها في قراءة إيديولوجية ضيقة. فبالنسبة إليها، يتمثّل جوهر فيلمها، في محاولته استعادة سيرة شخصية صالحة لأن تتحوّل إلى تجربة كونية يتشاركها البشر على اختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم.