كيف تفكّر تركيا داخل الناتو؟
سمير صالحة *
تنتظر أنقرة نتائج قمة الناتو التي تستضيفها بعد أيام، لكنها تنتظر أكثر لمعرفة شكل العلاقة بين جناحي الحلف الأميركي والأوروبي. لم تعد قمم حلف شمال الأطلسي بالنسبة إلى تركيا مجرد فرصة أو وسيلة لرصد ومتابعة القرارات والتوصيات التي تتضمنها البيانات الختامية، بل هي اليوم محطة لقراءة اتجاهات التحول داخل المنظومة نفسها والدروس الواجب استخلاصها تركياً وسط هذا الكم من الأزمات والملفات الساخنة إقليمياً ودولياً.
ما يشغل صانع القرار التركي وهو يستعد لاستضافة دول الحلف، لا يقتصر على ما سيقرره التكتل بشأن الإنفاق العسكري أو ملفات الحرب في أوكرانيا، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف سيكون شكل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا؟ وهل لا يزال الطرفان يتقاسمان الرؤية نفسها تجاه توازنات النظام الدولي، أم أن التباعد بينهما مرشح للتحول إلى قطيعة استراتيجية تحتم على تركيا التعامل مع مفاجأة من هذا النوع داخل البيت الغربي؟
وإذا كانت مرحلة الحرب الباردة قد منحت أنقرة وظيفة واضحة داخل منظومة الردع الغربية، فإن المرحلة الراهنة تفرض عليها إدارة شبكة أكثر تعقيداً من التوازنات، لم يعد فيها مركز القرار الأميركي - الأوروبي بالوضوح الذي عرفته سنوات الخمسينيات. من هنا، تراقب تركيا شكل الحوار الأميركي - الأوروبي إدراكاً بأن طبيعة التفاهم بين ضفتي الأطلسي ستنعكس مباشرة على هامش حركتها داخل الناتو، وقدرتها في الحفاظ على موقعها كدولة تجمع بين عضوية أطلسية فاعلة وسياسة إقليمية أكثر استقلالاً.
تركيا والناتو... هل الحاجة إلى الآخر متبادلة؟
لا تقتصر أهمية تركيا على موقعها الجغرافي، بل تمتد إلى أدوارها في أمن البحر الأسود والشرق الأوسط والطاقة والهجرة والصناعات الدفاعية، وقدرتها على التواصل مع دوائر إقليمية يصعب على كثير من الحلفاء الوصول إليها بالفاعلية نفسها. ولهذا، لم تعد العلاقة تُقرأ بمنطق احتياج تركيا إلى المظلة الأطلسية وحدها، بل أيضاً من زاوية حاجة الحلف إلى دولة تشكل إحدى ركائز حضوره في محيط جيوسياسي شديد التعقيد.
قامت السياسة التركية خلال السنوات الأخيرة على توسيع هامش الحركة لا على الانحياز لمحور ضد آخر، وهو ما منحها قدرة أكبر على المناورة، لكنه فرض عليها في الوقت نفسه إدارة توازن دقيق بين مصالح قد لا تبقى متطابقة دائماً.
من هنا، لا يبدو السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى أنقرة مرتبطاً بما إذا كان الخلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية سيتعمق، بل بكيفية بناء سياستها إذا أصبح هذا التباعد سمة مستقرة في بنية الحلف.
قراءات إقليمية متباينة للدور التركي
وفي موازاة هذا التموضع، تختلف قراءات الحلفاء والأطراف الإقليمية للسياسة التركية باختلاف مصالحهم. فقد لا تنظر بعض العواصم الأوروبية إلى هذا المسار بالارتياح نفسه، وقد تتشدد إسرائيل أكثر حيال السياسات التركية في المناطق الرمادية، غير أن واشنطن تبدو أكثر براغماتية في التعاطي معه، خصوصاً عندما يلتقي مع مصالحها الإقليمية الأوسع.
لا يتعلق التحول داخل حلف شمال الأطلسي بمجرد إعادة توزيع للأدوار بين أعضائه، بل بتغيّر أعمق في طبيعة البنية التي يقوم عليها الحلف، إذ تتراجع المقاربات الصلبة لصالح إدارة أكثر مرونة للتباينات داخل الغرب. وفي هذا السياق، تبدو تركيا أحد أبرز مؤشرات هذا التحول، إذ تعكس طريقة تموضعها داخل الناتو حجم التغيّر في مفهوم العضوية وحدودها السياسية والأمنية.
وهكذا، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بموقع تركيا داخل الحلف، بل بقدرة الناتو نفسه على التكيف مع مرحلة تتجه فيها العلاقات الدولية نحو تعدد مراكز القوة وإعادة تعريف مفاهيم الأمن والتحالفات، وفي عالم لم تعد فيه موازين القوى على ما كانت عليه في السابق.
بقدر ما تبدو تركيا معنية بالحفاظ على وحدة الناتو واستمرار تماسك الغرب، فإن الحلف بدوره يواجه معادلة لا تقل تعقيداً، تتعلق بقدرته على الحفاظ على موقع دولة باتت تشكل عنصر توازن أساسياً في بيئته الجيوسياسية. وهكذا تبدو العلاقة بين الجانبين أقرب إلى توازن مصالح ومتطلبات إستراتيجية، لا اصطفافاً ثابتاً داخل منظومة واحدة، في عالم يتجه نحو إعادة تعريف التحالفات نفسها.
* أستاذ القانون والعلاقات الدولية - تركيا