كيف تحوّلت وفاة الملوك في بريطانيا إلى بروتوكول عالمي دقيق؟ (صور وفيديو)

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حين أعلنت محطة إذاعية بريطانية، عن طريق الخطأ، وفاة الملك تشارلز الثالث، لم يتعامل كثيرون مع الحادثة كزلّة مهنية عابرة. بدا الأمر بالنسبة إلى الجمهور كأنه نافذة فُتحت بالخطأ على أكثر الملفات سرية داخل الدولة البريطانية: خطط موت الملوك.

 

 

العائلة الملكية البريطانية (إنستغرام)

 

 

في بريطانيا، لا تُدار وفاة الملك كخبر عاجل فحسب، بل كعملية دولة كاملة تحمل أسماء رمزية وخططاً لوجستية وسياسية وإعلامية دقيقة أُعدّت مسبقاً منذ عقود. لكل ملك أو شخصية محورية في العائلة المالكة "عملية" خاصة به، غالباً ما تحمل اسم جسر بريطاني، في تقليد بدأ منذ سنوات طوال داخل القصر الملكي وأجهزة الدولة.

 

اليوم، تُعرف الخطة الخاصة بوفاة تشارلز باسم  "عملية جسر ميناي" (Operation Menai Bridge)، نسبة إلى جسر "ميناي" الشهير في ويلز. لكن هذه العملية ليست سوى حلقة في تاريخ طويل من البروتوكولات السرية التي تكشف كيف تحوّلت الملكية البريطانية إلى مؤسسة تُخطّط حتى للحظة الحداد بالدقيقة والثانية.

 

 

بيان اعتذار بعد الاعلان الكاذب عن وفاة الملك تشارلز الثالث


البداية الحديثة لهذه الثقافة تعود عملياً إلى القرن العشرين، حين أدرك القصر أن موت الملك لم يعد شأناً عائلياً فحسب، بل بات حدثاً سياسياً وإعلامياً عالمياً. ومع تطور التلفزيون ثم الإنترنت، أصبحت الحاجة إلى خطط محكمة أكثر إلحاحاً.

 

عندما توفي الملك جورج السادس عام 1952، لم تكن بريطانيا تملك بعد البروتوكولات الإعلامية المعقدة التي نعرفها اليوم، لكن تلك اللحظة شكّلت نقطة تحوّل. فقد وجدت الدولة نفسها أمام انتقال سريع للسلطة نحو الملكة إليزابيث الثانية التي كانت حينها في كينيا. ومنذ ذلك الوقت، بدأت فكرة "التخطيط المسبق" تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً داخل المؤسسة الملكية.

 

 

الملك جورج السادس عام 1952 (سوشيل ميديا)

 

 

الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (إنستغرام)

 

لاحقاً، ظهرت أسماء رمزية لعمليات مرتبطة بوفاة أفراد العائلة المالكة الكبار. فخطة وفاة الملكة الأم حملت اسم "عملية جسر تاي" (Operation Tay Bridge)، بينما عُرفت ترتيبات جنازة الأمير فيليب، دوق إدنبرة، باسم "عملية جسر فورث" (Operation Forth Bridge).

 

 

الملكة الراحلة إليزابيث الثانية وزوجها الأمير فيليب (إنستغرام)

 

 

جناوة الامير فيليب (الانترنت)

 

لكن الخطة التي دخلت الوعي العالمي فعلاً كانت "عملية جسر لندن" (Operation London Bridge)، الخاصة بوفاة الملكة إليزابيث الثانية. لسنوات طوال، بقيت تفاصيلها شبه سرية، إلى أن بدأت الصحافة البريطانية تكشف أجزاء منها تدريجاً. وعندما رحلت الملكة في أيلول/سبتمبر 2022، شاهد العالم الخطة تُنفّذ حرفياً أمام الكاميرات.

 

 

View this post on Instagram

A post shared by The Royal Family (@theroyalfamily)

 

 

 

تبدأ "London Bridge" بلحظة شديدة الرمزية: يقوم السكرتير الخاص للملكة بإبلاغ رئيس الوزراء البريطاني عبر عبارة مشفّرة هي: "سقط جسر لندن" (London Bridge is down)، أي بدء بروتوكول وفاة الملكة. بعدها تبدأ سلسلة متزامنة من الإجراءات التي تشبه تشغيل آلة عملاقة تم إعدادها مسبقاً.

 

 

صورة أرشيفية للملكة إليزابيث الثانية وزوجها الامير فيليب (إنستغرام)

 

خلال دقائق، تتحوّل بريطانيا بالكامل إلى وضع الحداد الوطني. تُنكس الأعلام فوق المباني الحكومية، تتغير واجهات المواقع الرسمية إلى اللون الأسود، تُعلّق البرامج الترفيهية على القنوات البريطانية، ويرتدي المذيعون الملابس السوداء. حتى الموسيقى في بعض الإذاعات تكون محددة سلفاً ضمن قوائم خاصة تُستخدم فقط في لحظات الحداد الملكي.

 

 

الحساب الرسمي للعائلة الملكية البريطانية يعلن وفاة الملكة إليزابيث الثانية

 

 

في وداع الملكة إليزابيث الثانية (إنستغرام)

 

أما هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فتمتلك منذ عقود أنظمةً داخلية خاصة للتعامل مع وفاة الملك أو الملكة. ويقال إن المذيعين يتلقّون تدريبات دورية على كيفية إعلان الخبر، فيما تُحفظ بدلات وربطات عنق سوداء داخل الاستوديوهات تحسباً لأي إعلان مفاجئ.

 

وتتضمن "London Bridge" أيضاً تفاصيل الأيام التالية: نقل الجثمان، مسار المواكب الرسمية، استقبال قادة العالم، تنظيم الحشود، وإعلان اعتلاء الملك الجديد العرش. حتى توقيت الخطابات الملكية، وتحركات أفراد العائلة، وعدد أيام الحداد، كلها عناصر محددة مسبقاً.

 

 

 

 

لكن رغم هذه الدقة الهائلة، لم تنجُ العملية من التسريبات. فقبل الإعلان الرسمي عن وفاة الملكة إليزابيث، بدأت مؤشرات غير اعتيادية تثير الشكوك على الإنترنت: مذيعون بملابس سوداء، صحافيون يتحدثون عن "وضع استثنائي"، وحركة غير مألوفة داخل القصر. خلال دقائق، كانت مواقع التواصل تعجّ بتكهنات عن تفعيل "Operation London Bridge"، قبل البيان الرسمي نفسه.

 

ولم تكن الملكة الراحلة بعيدة عن الشائعات قبل وفاتها أيضاً. ففي سنواتها الأخيرة، تحوّلت حالتها الصحية إلى مادة دائمة للتكهنات، خصوصاً مع تراجع ظهورها العلني وإلغائها عدداً من المناسبات الرسمية. ومع كل صورة جديدة، كانت الصحافة ومواقع التواصل تحاول قراءة "الإشارات" القادمة من القصر.

وعندما أعلن قصر باكنغهام في أيلول/سبتمبر 2022 أن الأطباء "قلقون" على صحتها، فهم الإعلام البريطاني فوراً أن "Operation London Bridge" دخلت حيّز التنفيذ. وخلال دقائق، ارتدى المذيعون الأسود، وبدأت التسريبات والتكهنات تنتشر على الإنترنت حتى قبل الإعلان الرسمي عن الوفاة.

 

 

الملكة إليزابيث الثانية (إنستغرام)

 

ومن هنا تحديداً، وُلد الهوس الشعبي بهذه البروتوكولات السرية. لم يعد الجمهور يرى في أسماء مثل "London Bridge" أو "Menai Bridge" مجرد رموز داخلية، بل مفاتيح لفهم ما يحدث خلف جدران القصر.

 

وبعد وفاة الملكة، انتقل الاهتمام مباشرة إلى الخطة الخاصة بالملك تشارلز الثالث وبدأت الصحافة البريطانية تتحدث أكثر عن "Operation Menai Bridge"، التي يُفترض أن تنظم اللحظات الأولى بعد رحيله مستقبلاً.

 

وبحسب التسريبات الصحافية، تتشابه الخطتان في الهيكل العام، لكن عملية جسر ميناي "Menai Bridge" تأخذ في الاعتبار طبيعة عهد تشارلز المختلف، سواء من ناحية التغطية الرقمية الهائلة أو حساسية وضع الملكية البريطانية اليوم.

 

 

جسر ميناي

 

فالعالم الذي سيرحل فيه تشارلز لن يكون شبيهاً بالعالم الذي ودّع إليزابيث. "السوشال ميديا" اليوم قادرة على تحويل أي إشاعة إلى خبر عالمي خلال ثوان، وأي خطأ تقني قد يبدو كأنه تسريب رسمي.

 

لهذا بدا الإعلان الإذاعي الخاطئ عن وفاة تشارلز مرعباً للبعض. لأن الجمهور يعرف مسبقاً أن هناك بالفعل نصوص نعي جاهزة، وخطط بث معدّة، وإجراءات تنتظر التنفيذ في أي لحظة.


هذا التداخل بين السرية والتسريب ليس جديداً على العائلة المالكة. فقبل عقود، عاشت المؤسسة الملكية واحدة من أعنف أزماتها الإعلامية مع وفاة الاميرة ديانا عام 1997.

 

 

حادث وفاة الاميرة ديانا (سوشيل ميديا)

 

يومها، لم تكن هناك بروتوكولات إعلامية محكمة بالقدر الحالي، لكن الحادث كشف حجم الفوضى التي قد تنشأ عندما يفقد القصر السيطرة على الرواية. فالتسريبات كانت تتدفق من كل مكان، والصور انتشرت عالمياً، والصحافة دخلت في سباق هستيري لمعرفة التفاصيل.

 

 

كيف تعاطت الصحافة البريطانية بشكل قاس مع خبر وفاة الاميرة ديانا

 

ومنذ تلك اللحظة، تغيّرت العلاقة بين العائلة المالكة والإعلام إلى الأبد. أصبح القصر أكثر هوساً بالسيطرة على المعلومات، فيما أصبح الإعلام أكثر شراسة في مطاردة أي تفصيل يتعلق بصحة أفراد العائلة أو حياتهم الخاصة.

 

حتى الجيل الجديد لم يسلم من ذلك. ففي الأشهر الأخيرة، تحوّل غياب أميرة ويلز كيت ميدلتون عن المناسبات العامة إلى عاصفة من الشائعات والتكهنات، خصوصاً بعد نشر الصورة المعدلة الشهيرة التي أثارت جدلاً عالمياً. وبينما حاول القصر احتواء الأزمة، كانت نظريات المؤامرة تنتشر أسرع من البيانات الرسمية.

 

 

الصورة الجدل للاميرة كيت ميدلتون (إنستغرام)

 

أما الأمير ويليام، فيعيش عملياً تحت ضغط دائم باعتباره الملك المنتظر، في وقت أصبح فيه الجمهور يفسر كل ظهور أو غياب على أنه "إشارة" إلى ما يحدث داخل القصر.

 

 

الملك تشارلز الثالث والامير ويليام (إنستغرام)

 

ربما لم يعد السؤال متى تُفعّل "Operation Menai Bridge"، بل كيف يمكن العائلة المالكة أن تحافظ على أسرارها في عصر بات فيه العالم كله يراقبها لحظة بلحظة. ففي زمن الإشعارات الفورية (Push Notification)، لم يعد موت الملك حدثاً يُعلن فحسب، بل سيناريو جاهز يعيش في وعي الجمهور كل يوم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية