كيف تحوّلت أنشطة الأعمال في السّعودية خلال أول شهر لحرب إيران؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في الشهر الأول من الحرب على إيران، وبينما كانت ناقلات النفط تتعثّر عند مدخل الخليج، وأسواق الطاقة تعيش واحدة من أكبر صدماتها منذ سنوات، كانت بيانات الأعمال في المملكة العربية السعودية ترسم مساراً مغايراً تماماً: إيرادات عند أعلى مستوياتها المسجلة، وأجور في ارتفاع متواصل، وقطاع التعدين يسجّل قفزة شهرية غير مسبوقة منذ بدء الرصد في مطلع 2023.

 

هذا ما تكشفه البيانات الأولية لإحصاءات مؤشرات الأعمال القصيرة المدى الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء (غاستات) لشهر مارس/آذار 2026.

 

النفط يعيد رسم خريطة الرابحين

الرقم الأكثر دلالة في تقرير مارس/آذار ليس النمو الكلي البالغ 10.2%، على أهميته، بل ما جرى في قطاع التعدين واستغلال المحاجر، الذي يهيمن عليه النشاط النفطي ويشكّل 21.8% من وزن المؤشر الكلي. فقد قفزت إيراداته 38.6% في شهر واحد فقط، وسجّلت نمواً سنوياً بلغ 25.5%.

 

ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن السياق الأوسع. فقد تجاوزت أسعار خام برنت 100 دولار للبرميل خلال مارس/آذار، ضمن موجة ارتفاع تجاوزت 40% خلال الشهر نفسه، إثر اندلاع الحرب وتعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

 

والمفارقة أن القطاع ذاته كان يسجّل تراجعات متكررة طوال 2024 وجزء من 2025، وهبط مؤشره إلى ما دون 73 نقطة في مايو/أيار 2025، قبل أن تنقلب الصورة رأساً على عقب.

 

الموجة تتسع لتطال قطاعات أخرى

لم يتوقف أثر صدمة النفط عند قطاع التعدين. فالقطاعات المرتبطة بتدفق السيولة والحركة الاقتصادية المصاحبة لارتفاع أسعار الطاقة تحركت في الاتجاه ذاته؛ إذ نما قطاع الأنشطة المالية والتأمين 17.6% على أساس سنوي، وسجّل قطاع المعلومات والاتصالات نمواً بلغ 18.5%، فيما ارتفع قطاع النقل والتخزين 25.8%، وهي معدلات تفوق متوسطات الأشهر السابقة بفارق واضح.

 

كما واصلت قطاعات ذات وزن كبير في المؤشر، مثل تجارة الجملة والتجزئة (+4.6%)، والتشييد (+4.8%)، والصناعة التحويلية (+4.0%)، نموّها الإيجابي، وإن بوتيرة أكثر هدوءاً.

 

في المقابل، كان قطاع الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية (الذي يشمل الاستشارات الإدارية والأنشطة المشابهة) الوحيد في المنطقة السلبية، بتراجع سنوي طفيف بلغ 0.8%، ما يشير إلى أن الاستفادة من الصدمة النفطية لم تكن موزّعة بالتساوي على كل مكوّنات الاقتصاد.

 

سوق العمل يترجم الازدهار إلى أجور

لم يبقَ الأثر محصوراً في دفاتر الإيرادات؛ إذ يكشف الرقم القياسي لتعويضات المشتغلين عن مسار صاعد ثابت لم ينكسر منذ يناير/كانون الثاني 2023، مسجّلاً 126.7 نقطة في مارس/آذار 2026، بنمو سنوي بلغ 10.0%، وبارتفاع تراكمي قدره 30.8% خلال ثلاث سنوات.

 

وتتصدّر قطاعات الضيافة والسياحة والنقل والخدمات المالية هذا الارتفاع، بمعدلات تراوحت بين 14% و18% سنوياً، بما يعكس الطلب المتصاعد على العمالة في القطاعات الخدمية.

 

رخص البناء: صورة مختلفة

ثمة جانب من المشهد يسير في الاتجاه المعاكس. فبعدما بلغت رخص البناء الصادرة ذروتها عند 9,452 رخصة في ديسمبر/كانون الأول 2025، دخلت في مسار تصحيحي متواصل، ليبلغ عددها 5,162 رخصة في مارس/آذار 2026، بانخفاض شهري قدره 11.3%، وتراجع سنوي بلغ 0.7%، وفق بيانات وزارة البلديات والإسكان.

 

هذا التراجع لا يعكس تحفّظ المستثمرين العقاريين إزاء ضبابية المشهد الإقليمي في زمن الحرب ولكنه استمرار لحركة تصحيح بعد موجة نشاط استثنائية شهدها القطاع طوال 2025، حين ارتفع متوسط الرخص الشهري إلى 6,822 رخصة، مقارنةً بـ5,697 رخصة في 2024.

 

إعلانات الإفلاس: هدوء في عين العاصفة

وسط كل هذا التقلب، سجّل عدد إعلانات الإفلاس 15 إعلاناً فقط في مارس/آذار 2026، وهو المستوى ذاته المسجل في مارس/آذار 2025، كما انخفض بنسبة 57.1% مقارنةً بفبراير/شباط 2026، وفق بيانات لجنة الإفلاس (إيسار).

 

هذا الرقم المنخفض يدعم، حتى الآن، فرضية أن قطاع الأعمال السعودي استوعب الصدمة دون موجة تعثّر واسعة، وإن كان الحكم على مدى صمود المنشآت يتطلب رصد الأشهر التالية، حين تبدأ تداعيات ارتفاع التكاليف في التراكم.

 

ما الذي لا تقوله هذه الأرقام؟

رغم إيجابية هذه البيانات، فإنها تنطوي على ثلاثة حدود ينبغي أخذها في الاعتبار.

 

أولاً، إنها بيانات أولية قابلة للمراجعة. ثانياً، قفزة إيرادات التعدين في الغالب تعود إلى ارتفاع ناجم عن أسعار النفط وليس ناتجاً من زيادة الإنتاج الفعلي حيث لم يكن بوسع دول الخليج التصدير من هرمز خلال الفترة، وانخفض إنتاج السعودية من النفط بحسب بيانات أوبك وانخفضت صادراتها نتيجة لتصدير السعودية النفط من ميناء واحد فقط خلال الحرب وهو ينبع فيما كانت في السابق تصدر من أكثر من ميناء في الشرق (رأس تنورة والجعيمة) وهو تمييز جوهري لفهم طبيعة النمو واستدامته. ثالثاً، بيانات شهر واحد، مهما بدت قوية، لا تكفي لتكوين اتجاه مستقر؛ فالصورة الحقيقية لأثر حرب إيران على الاقتصاد السعودي لن تكتمل إلا مع تراكم بيانات الأشهر المقبلة.

 

الحقائق الخمس الجوهرية

1. مارس/آذار 2026 هو أول شهر من الحرب على إيران، وهو الشهر نفسه الذي سجّل فيه مؤشر الإيرادات التشغيلية السعودي أعلى قيمة تاريخية له عند 118.6 نقطة.

2. إيرادات التعدين والمحاجر قفزت 38.6% شهرياً، في سياق تجاوزت فيه أسعار خام برنت 100 دولار للبرميل.

3. تعويضات العاملين ارتفعت 30.8% تراكمياً منذ مطلع 2023، في مسار لم يشهد أي تراجع.

4. رخص البناء تراجعت 45% عن ذروة ديسمبر/كانون الأول 2025، البالغة 9,452 رخصة.

5. سُجّل 15 إعلان إفلاس فقط، في مستوى مستقر سنوياً وسط بيئة اقتصادية متقلبة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية