كيف إِرنست همنغواي غيَّرَ الأَدب الأَميركي (2 من 3)

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في الذكرى 65 لوفاته، نستذكر إرنست همنغواي في هذه الثلاثية صوتًا ضالعًا بِقُوَّةٍ في فضاء الأَدب العالمي.
بين ولادته (21 تموز/يوليو 1899 في مدينة أُوك بارك Oak Park  - ولاية إِيلينُوُيْ) وانتحاره (2 تموز/يوليو 1961 في مدينة كيتْشُوم ولاية آيداهو) حياة صاخبةٌ ملأَها تَنَقُّلًا وكتاباتٍ وكتُبًا وصحافةً وأَسفارًا ورحلاتٍ ومغامراتٍ وزواجاتٍ وقصصًا. وهو بنى شهرته على قاعدة عَمِلَ لها وأَرساها: "نظرية جبَل الجليد"، قائمة على إِيجاز الأُسلوب إِلى آخر الحدِّ الأَدنى من اختصار التعابير والعبارات، ما كان له تأْثير بالغ على الأَدب الأَميركي خصوصًا، وعمومًا على أَدب القرن العشرين.
في الحلقة الأُولى من هذه الثُلاثية سردتُ ملامح من نشأَته ومطالعه الأَدبية. في هذه الحلقة ملامح أُخرى من تطوُّر أَدبه. 

تجربة باريس

كانت باريس نقطةَ تَحوُّلٍ أَساسيةً في سيرته ومسيرته، منذ انتقل إِليها سنة 1921. وفيها انضمَّ، بعد فترة، إِلى حلقة ناشطة من أُدباء وشعراء وفنانين، بينهم الروائي الأَميركي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد (1896-1940، انتقلَ من نيويورك إِلى باريس سنة 1924)، والروائية الأَميركية جرترود شتاين (1874-1946، انتقلَت من كاليفورنيا إِلى باريس سنة 1903)، والشاعر الأَميركي إِزرا باوند (1885-1972، انتقل من لندن إِلى باريس سنة 1921)، وشكَّلوا معًا ما سُمِّيَ "الجيل الضائع"، رمز جيل كامل من أُدباء شباب بعثَرَتْهم الحرب العالمية الأُولى.

 

“الموت بعد الظهر“ (1932)

 

غير أَنَّ باريس لم تكن مجرَّد مكانٍ يلتقي فيه الكتَّاب. فهي كانت لهمنغواي مختبرًا إِبداعيًّا. راح فيها يكتب ويكتب ويكتب في مقاهيها، ويتلاقَح مع فنانيها، وينضجُ فيها أُسلوبه الكتابي الذي سيَصبغ مسيرته كلَّها. إِلى هذا الحد طبَعَتْهُ باريس، وكتبَ انطباعاته عنها لاحقًا في كتاب "العيد المتنقِّل" (صدر سنة 1964، بعد وفاته، وكان غادر باريس سنة 1928). 

كتابة ما تظنُّه لا أَهمية له

رأْسُ ما جعل همنغواي متميِّزًا بإِسهامه في تقدُّم أَدب بلاده: الفكرة. من هنا نجاحُ نظريته "جبل الجليد"، ولها اسم آخر: "الإِغفال"، وهو التخَلِّي عن تفاصيلَ غيرِ مهمَّةٍ في النص، والإِشارة إِليها بالتلميح لا التصريح. لذا شرح همنغواي مرارًا في تصاريحه الصحافية أَنَّ المعنى العميق في النص يجب أَلَّا يطفو على وجه الماء بل أَن يظلَّ تحت، في العُمق، فيَستَشفُّه القارئ، يُحسُّه، يَحدُس به، يَشعُر به، من دون كلمات الكاتب الصريحة.     

 

“الشمس أَيضًا تُشرق“ (1926)

 

وها هو، في كتابه "الموت بعد الظهر" (1932) يشرح: "إِذا كان الناثر يدركُ تمامًا ما هو إِليه، وواعيًا ما يكتبه وكيف، يمكنه إِضمارُ كلماتٍ وعباراتٍ كثيرةٍ، شَرحُها والتبسُّطُ بها يؤْذيان جمالَ النص وانسيابَه. هكذا القارئ، إِن كان الكاتب يُلمح بذكاءٍ كافٍ، يَشعُر بالمضمَر كأَنه ظاهرٌ في النص. فكرامة جبل الجليد أَنْ ليس يَظهر منه فوق الغمر إِلَّا ثُمْن حجمه فقط". 
تأْثيرُهُ على كُتَّاب عصره

هذا المبدأُ، في نظرية "جبل الجليد"، يرقى لدى همنغواي إِلى سنوات اشتغاله في الصحافة مراسلًا ومحرِّرًا، حين الإِيجاز كان ضرورةً قصوى، لذا خدَمَه أُسلوبُ هذا الإِيجاز في أَن يكون رائدًا طبَع كتابة النثر في الأَدب الأَميركي إِبان القرن العشرين.

 

“وداعًا للسلاح“ (1929)

 

تبدو عبارة همنغواي بسيطة وسهلة في ظاهرها، إِنما عميقة في جوهرها ومضمونها ومدلولها. واعتَرَفَ أَكثرُ من كاتب بتأْثيره عليهم، أَبرزُهم كاتب القصص القصيرة ريمون كارڤر (1938-1988)، والكاتب المسرحي والروائي كورماك ماكآرثي (1933-2023) وسواهما، ما يجعل نظرية همنغواي في كتابة النثر (القصة، الرواية، المسرح) بالغةً عميقة التأْثير على جيل كامل من الأُدباء الأَميركيين.

الاختراق الأَدبي

بقيَت نظرية همنغواي "جبل الجليد" تتنامى لديه، وينتشر تأْثيرها في أُدباء عصره. شعَّت ساطعة في روايته الأُولى "الشمس أَيضًا تُشرق" (1926)، وفيها عالج الضياع والوهم والقلق لدى جيل ما بعد الحرب العالمية الأُولى. وسرعان ما بَوَّأَتْهُ رائدًا في جيل الأُدباء الشباب الواعدين بمستقبل أَدبي ساطع.

 

“لِمن يُقرَع الجرَس حُزنًا؟“ (1940)

 

وفي روايته "وداعًا للسلاح" (1929) سردَ تجربته في أَيام الحرب، وباتت الروايةُ أَشهر ما صدر في عصرها على الإِطلاق. ثم جاءت "لِمن تُقرعُ الأَجراس؟" (1940) عن تجربته مراسلًا حربيًّا إِبَّان الحرب الأَهلية الإِسبانية لتُكرِّسَه كاتبًا عالَميًا كبيرًا، ولتكون من أَشهر روايات القرن العشرين في جميع اللغات، لأَنه جمَع فيها خبرته بين الإِيجاز الصحافي والبراعة السردية الروائية.

الحلقة المقبلة (الثالثة والأَخيرة): جائزة نوبل، وتأْثيرُهُ الأَدبي حتى اليوم

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية