كولومبيا والصحراء المغربية .. "ثرثرة إيديولوجية" دون الاعترافات الدولية
أعاد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إثارة الجدل باستحضار قضية الصحراء المغربية خلال مشاركته في قمة دولية ببرشلونة، مستغلا الحدث الذي جمع قادة من 21 دولة، من بينهم سيريل رامافوزا ولويز إيناسيو لولا دا سيلفا، للترويج لأطروحة جبهة “البوليساريو” وإبراز دعمه لها؛ في خطوة بدت موجهة لإحراج الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيث.
وقال الرئيس الكولومبي في كلمته إنه “يدافع عن جبهة البوليساريو” بعد اعترافه بها عبر “سفارتها في كولومبيا”، معتبرا أن “عناصرها العرب هم الوحيدون الذين يتحدثون الإسبانية لأسباب تاريخية”؛ وهو تصريح أثار تفاعلات واسعة، خاصة في ظل توظيفه لاعتبارات لغوية وثقافية لتبرير موقف سياسي متجاوز.
ويعيد هذا الموقف إلى الواجهة مسار العلاقات المتقلبة بين كولومبيا والمملكة المغربية، إذ سبق لبوغوتا أن اعترفت بـ”الجمهورية الوهمية” سنة 1985، قبل أن تجمد الاعتراف سنة 2001 في عهد الرئيس أندريس باسترانا، ليعود بيترو ويجدده في غشت 2022، في تحول يعكس تباين المقاربات داخل النخبة السياسية الكولومبية تجاه هذا النزاع.
موازين إيديولوجية
قال سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، إن القراءة الأولية لمواقف كولومبيا من النزاع حول الصحراء المغربية ظلت خاضعة لموازين الإيديولوجيا، مبرزا أن الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” سنة 1985 جاء في سياق التقارب الإيديولوجي وشعارات الحرب الباردة، قبل أن يتم تجميده سنة 2001 بفضل الدينامية التي قادها الوزير الأول المغربي الراحل عبد الرحمن اليوسفي، في إطار النضال الديمقراطي ذي المرجعية الاشتراكية.
ونبه بوشاكوك، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “عودة كولومبيا إلى تجديد الاعتراف سنة 2022 تعكس إحياء خطاب تقليدي قائم على أطروحة ‘نصرة الشعوب في تقرير مصيرها’، بدعم مباشر من النظام العسكري الجزائري، دون أي تأثير فعلي على مسار الملف”، مشددا على أن هذا التوجه يصطدم بالدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، خاصة بعد صدور القرار الأممي رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025.
وأوضح الباحث مهتم بقضايا التنمية والمجال أن إعادة اجترار هذه السردية خلال قمة دولية ببرشلونة “يندرج ضمن سلوك استفزازي يتنافى مع الأعراف الدبلوماسية”، معتبرا أن ذلك يعكس محدودية الأطروحة التي يتبناها الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، في مقابل توجهات المنتظم الدولي الرامية إلى بلورة حل واقعي قائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في ظل مسار المشاورات والتفاوض برعاية أممية وإشراف أمريكي.
وعن تداعيات هذا الطرح، أكد بوشاكوك أن إقحام نزاع الصحراء في هذا السياق الدولي “يمثل ردة فعل فاشلة تحمل في طياتها رهانات وهمية تصطدم بواقع التحولات الجيوسياسية”، مبرزا أن المغرب تمكن، في المقابل، من تحقيق اختراقات نوعية داخل أمريكا اللاتينية بفضل دينامية دبلوماسية متواصلة، رسمية وموازية، أسهمت في بناء توازن إقليمي يحد من تأثير المواقف الكولومبية المتطرفة والشعبوية.
مواقف رمزية
قال نجيب التناني، رئيس المركز المتوسطي لحقوق الإنسان، إن الرئيس الكولومبي يمثل امتدادا لتيار يساري راديكالي ارتبط تاريخيا بمحور دول أمريكا الجنوبية ذات التوجهات الاشتراكية، مشيرا إلى أن مواقف كولومبيا من نزاع الصحراء اتسمت بالتقلب بين الاعتراف والسحب والتجميد؛ ما يعكس طابعها الظرفي وارتباطها باعتبارات سياسية وشخصية، خاصة في علاقتها بالجزائر.
وأضاف التناني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن إثارة هذا الملف في المحافل الدولية “لم تعد تحمل الزخم نفسه”، لافتا إلى أن الجزائر تحرص على استغلال أي مناسبة دولية لإعادة طرح القضية، رغم تضييق هامش هذا الطرح وتراجع فرص تأثيره؛ وهو مسار سبق أن خبره المغرب في تعاطيه مع عدد من دول أمريكا اللاتينية.
وأكد الخبير في نزاع الصحراء المغربية أن توقيت إعادة إثارة موضوع الصحراء يتزامن مع تحولات لافتة؛ من بينها تزايد الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، لا سيما بعد القرار الأممي رقم 2797، مبرزا أن ما يجري في قمة برشلونة لا يعدو أن يكون “محاولة لتسجيل الحضور والتذكير بالقضية” أكثر من كونه تحولا نوعيا في مواقف الفاعلين الدوليين.
واستحضر المحلل السياسي ذاته أن الدينامية الدولية الراهنة، إلى جانب مسار المشاورات الجارية برعاية أممية، تعكس توجّها نحو إعادة ترتيب الملف وفق مقاربة واقعية، مشددا على أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة، بما فيها زيارات واتصالات متعددة الأطراف، تندرج ضمن بلورة تصور نهائي لمسار التسوية.
وخلص التناني إلى أن مثل هذه الخرجات “لم تعد ذات تأثير فعلي في مسار القضية”، بالنظر إلى التحولات الجيوسياسية الجارية وتنامي القناعة الدولية بجدوى الحل السياسي الواقعي؛ ما يجعلها أقرب إلى مواقف رمزية منها إلى أدوات ضغط مؤثرة.
The post كولومبيا والصحراء المغربية .. "ثرثرة إيديولوجية" دون الاعترافات الدولية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.