كنوز على أربع عجلات... سوري يعيد إحياء السيارات الكلاسيكية في دمشق
بينما ينظر البعض إلى السيارات الكلاسيكية بوصفها مجرد مقتنيات قديمة، يراها مهندس الديكور السوري وسيم حفّار حكايات حيّة تمشي على أربع عجلات، وذاكرة زمن جميل يستحق أن يعود إلى الطرق من جديد. بالنسبة له، ليست هذه السيارات مجرد هياكل أو مقتنيات لهواة الجمع، بل شغف قديم رافقه منذ سنوات طوال، وحلم ظلّ مؤجَّلاً بفعل ظروف العمل وضغوط الحياة اليومية ومتطلبات المهنة التي كانت تستهلك الكثير من وقته وجهده.
لكن وسيم حفّار لا يتوقف عند حدود كونه مهندس ديكور وعاشقاً للسيارات الكلاسيكية فحسب، بل يمتد حضوره الإبداعي إلى مجالات فنية أخرى. فهو أيضاً فنان تشكيلي ومن هواة الرسم، إضافة إلى اهتمامه بالنحت وصناعة المنحوتات التي تحمل طابعاً كلاسيكياً خاصاً، وكأنه يواصل عبرها الروح نفسها التي يبحث عنها في السيارات القديمة: روح التفاصيل والذاكرة والزمن الجميل.
يقول حفّار إن اهتمامه بهذا العالم بدأ منذ وقت مبكر، لكن انشغاله بمجال الديكور وما يرافقه من التزامات مهنية لم يكن يسمح له بالتفرغ الكامل لهذه الهواية. ومع مرور السنوات، بقي هذا الشغف حاضراً في داخله، إلى أن جاءت فترة الحرب وما رافقها من تغيّرات في وتيرة العمل والحياة، لتمنحه مساحة أكبر للعودة إلى ما يحب، والبدء بخطوات جدية في جمع السيارات الكلاسيكية وإعادة إحيائها، والتفرغ تدريجاً لهذا العالم الذي كان يرافقه كحلم مؤجل.
ويؤكد أن لكل سيارة يمتلكها قصة خاصة، ولكل تفصيل فيها روح مختلفة لا يمكن أن تتكرر في السيارات الحديثة، مهما بلغت من تطور. فإعادة ترميم هذه السيارات بالنسبة له ليست مجرد عمل تقني، بل عملية إحياء لذاكرة كاملة، تبدأ من الشكل الخارجي ولا تنتهي عند صوت المحرك، مروراً بكل قطعة يتم إصلاحها بعناية واهتمام شديدين.
View this post on Instagram
تجربة قيادة تعيد روح الماضي إلى شوارع دمشق
ويصف قيادة سيارة كلاسيكية في شوارع دمشق القديمة بأنها تجربة استثنائية، تتجاوز فكرة القيادة التقليدية، لتصبح حالة من الانسجام بين الإنسان والمكان. ويزداد هذا الشعور عمقاً عندما تترافق الرحلة مع موسيقى قديمة وأجواء هادئة، ليشعر كأن الزمن يعود إلى الوراء للحظات قصيرة لكنها مليئة بالإحساس.

هواية تتحول إلى أسلوب حياة عائلية
ويشير إلى أن أبناءه باتوا يشاركونه هذا الشغف، بحيث يرافقونه في جولات بسياراته الكلاسيكية، خصوصاً في أيام العطل، حين تخف الحركة في الشوارع، فتتحول الرحلة إلى مساحة عائلية مليئة بالحنين والمتعة، وذكريات تُصنع من جديد داخل كل جولة.
لكن الحفاظ على هذه السيارات لا يخلو من التحديات، إذ يواجه صعوبة في إيجاد اليد العاملة الحرفية القادرة على التعامل مع تفاصيلها الدقيقة، في ظل تراجع الخبرات المتخصصة بهذا المجال، وابتعاد الأجيال الجديدة عن هذا النوع من السيارات، وما يتطلبه من صبر ودقة وحب للتفاصيل.

حين تتحول السيارات إلى كنوز لا تُباع
ورغم ذلك، تبقى أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة له هي نظرات الناس في الشارع، حين تستوقفهم هذه السيارات النادرة، ويتساءل بعضهم عن إمكان شرائها. لكنه يؤكد أن البيع غير وارد إطلاقاً، لأنها ليست مجرد سيارات، بل جزء من ذاكرة لا تُقدّر بثمن، وكنوز تحمل في داخلها روح الماضي.
ورغم التسارع الكبير الذي يشهده عالم السيارات، وتزاحم الطرازات الحديثة بما تحمله من تقنيات ورفاهية، تبقى السيارات الكلاسيكية أكثر من مجرد وسيلة نقل. فهي كنوز من الماضي، تحفظ في تفاصيلها قصصاً وذكريات وحكايات أجيال كاملة، وتذكّرنا بأن قيمة بعض الأشياء لا تكمن في حداثتها، بل في التاريخ الذي تحمله والروح التي لا يستطيع الزمن أن ينتزعها منها.