كم سنة يحتاجها محدود الدخل لشراء مقبرة في مصر؟.. تصل إلى 187 عاماً

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تكشف عينة من العروض الإعلانية لشركات بيع المقابر المصرية مثل الرحمن الرحيم، والروضة، والمصرية للمقابر والمدافن، أن سعر المقبرة الواحدة قد يبتلع عشرات السنوات من ادّخار العامل منخفض الدخل، وربما يتجاوز عمره الوظيفي بالكامل.

 

وباحتساب دخل شهريّ قدره 8 آلاف جنيه (نحو 161 دولاراً)، وهو الحدّ الأدنى المقرر للعاملين في إدارات الدولة، اعتباراً من تموز (يوليو) 2026، فإن ادخار 10% من الراتب، أي 800 جنيه (نحو 16 دولاراً) شهرياً، يعني أن أرخص مدفن في العينة، بسعر 240 ألف جنيه (نحو 4,840 دولاراً)، يحتاج إلى 25 عاماً، بينما يتطلب المدفن ذو السعر المتوسط، البالغ 575 ألف جنيه (نحو 11,600 دولار)، نحو 60 عاماً، أما مدفن بقيمة 1.8 مليون جنيه (نحو 36,300 دولار) فيحتاج نظرياً إلى أكثر من 187 عاماً.

 

هذه الحسابات لا تشمل ارتفاع الأسعار أو تكاليف التشطيب والنقل والتوثيق، ولا تفترض تعرض المدخر لأيّ طوارئ صحيّة أو أسرية خلال فترة الادخار.

 

سوق يبدأ نحو 4,840 دولاراً

 

استند التحليل إلى 16 سعراً رقمياً معلناً في قوائم أسعار الشركات المذكورة، بعد استبعاد البنود التي لم تحدد قيمة المقبرة وتركتها لحين التفاوض بين العميل والشركة.

 

وتراوحت أسعار المساحات الصغيرة، البالغة بين 20 و25 متراً مربعاً، من 240 ألف جنيه (نحو 4,840 دولاراً) في منطقة جينفه إلى 600 ألف جنيه (نحو 12,100 دولار) قرب طريق السخنة والتجمع الخامس؛ وسجّل السعر المتوسط لهذه الفئة نحو 450 ألف جنيه (نحو 9,080 دولاراً).

 

أما المدافن البالغة مساحتها 40 متراً فتراوحت ما بين 350 ألف جنيه (نحو 7,060 دولاراً) في الروبيكي، و800 ألف جنيه (نحو 16,100 دولار) في مناطق طريق الواحات والعاشر من رمضان وطريق الفيوم، بمتوسط بلغ نحو 681 ألف جنيه (نحو 13,730 دولاراً) وسعر وسيط قدره 750 ألف جنيه (نحو 15,120 دولاراً). 

 

مقابر في منطقة السيدة عائشة بمصر (أ ف ب)

بالنسبة إلى العيّنة كاملة، بلغ متوسط السعر نحو 637 ألف جنيه (نحو 12,840 دولاراً)، بينما بلغ السعر المتوسط 575 ألف جنيه (نحو 11,600 دولار)، وتراوح سعر المتر المربع بين 8750 جنيهاً (نحو 176 دولاراً) و30 ألف جنيه (نحو 605 دولارات)، بمتوسط يقارب 20 ألف جنيه (نحو 403 دولارات).

 

لا تعني هذه المقارنات أن العروض متماثلة؛ فالسعر يتأثر بالموقع، ومستوى التشطيب، وعدد العيون، وطبيعة التخصيص، وما إذا كان المدفن مستقلاً أو مشتركاً، فضلاً عن الجهة صاحبة الولاية على الأرض.

 

واعتمد التقرير على معادلة الادّخار، وهي عدد سنوات الادخار = سعر المدفن ÷ (الدخل الشهري × نسبة الادخار × 12).

 

ولأن فئة محدودي الدخل لا تمتلك معدل ادّخار رسمياً موحداً، جرى إعداد ثلاثة سيناريوهات: ادخار 10% و15% و20% من راتب شهريّ قدره 8 آلاف جنيه (نحو 161 دولاراً).

 

توضح الأرقام بأن مضاعفة الادّخار من 10% إلى 20% تخفّض المدّة إلى النصف، لكنها لا تجعل الشراء سهلاً، إذ سيظل العامل بحاجة إلى نحو 30 عاماً لتجميع السعر المتوسط، وأكثر من 41 عاماً لشراء مدفن سعره 800 ألف جنيه (نحو 16,100 دولار).

 

 

ست سنوات من الراتب.. قبل أيّ مصروفات

يمثل المدفن المتوسّط البالغ سعره 575 ألف جنيه (نحو 11,600 دولار) ما يعادل تقريباً ست سنوات كاملة من إجمالي راتب العامل الذي يحصل على 8 آلاف جنيه (نحو 161 دولاراً) شهرياً، بافتراض احتفاظه بكلّ دخله وعدم إنفاق جنيه واحد على الطعام أو السكن أو المواصلات.

 

وعند ادخار 10% فقط من الدخل الشهري، تقفز المدة إلى 60 عاماً؛ وإذا كان الدخل الشهري 7 آلاف جنيه (نحو 141 دولاراً)، فالمدة سترتفع إلى نحو 68.5 عاماً.

 

التضخم يجعل الهدف متحركاً

 

تفترض المعادلة السابقة ثبات سعر المدفن طوال فترة الادخار، وهو افتراض يصعب تحققه في اقتصاد لا تزال فيه الأسعار ترتفع بوتيرة سريعة.

 

وبلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية 14.3% خلال حزيران (يونيو) 2026، مقابل 14.6% في أيار (مايو)، وفق رويترز.

 

ويقول ياسر غريب، الخبير الاقتصادي المصري، لـ"النهار" إن ذلك لا يعني أن أسعار المقابر سترتفع بالنسبة نفسها. ويشير إلى استمرار الضغوط على ميزانيات الأسر وتراجع قدرتها على تخصيص جزء ثابت من الدخل للادخار.

 

وإذا ارتفعت أسعار المدافن بوتيرة أسرع من نمو الراتب أو عائد المدخرات، فقد يظل السعر بعيداً حتى مع الانتظام في الادخار، ما يحول عملية الشراء إلى سباق بين زيادة الدخل وصعود قيمة الأصل.

 

 

حق انتفاع لا ملكية عقارية بالضرورة

 

ويضيف غريب أنه لا ينبغي التعامل مع إعلان «مقبرة للبيع» كما لو كان إعلاناً عن شقة أو قطعة أرض سكنية، فالقانون رقم 5 لسنة 1966 بشأن الجبانات ينصّ على اعتبار أراضي الجبانات العامة من الأموال العامة، وتتولى المجالس المحلية إنشاءها وتنظيم الانتفاع بها وتحديد الرسوم والقواعد المنظمة لذلك.

 

ويكمل الخبير الاقتصادي أنه في هذه الحالات يكون التعامل على حق الانتفاع أو التنازل عنه وفق موافقة الجهة المختصة، وليس بالضرورة تملك الأرض ملكية عقارية حرة.

 

لذلك، يتعين قبل دفع أيّ مقدّم التحقق من الترخيص، وجهة الولاية، وطبيعة المستند المعروض، وإمكان نقل حق الانتفاع رسمياً، وتسجيل اسم المنتفع الجديد لدى المحافظة أو جهاز المدينة، إلى جانب التأكّد من أن السعر يشمل البناء والتشطيب والمرافق والرسوم الإدارية.

 

تكلفة «المثوى الأخير» تتجاوز العمر الوظيفي

 

يرى غريب أن العامل الذي يتقاضى الحدّ الأدنى الحكومي ويدخّر 10% من دخله، يحتاج - وفق الأسعار محل الدراسة - إلى فترة تتراوح ما بين 25 و188 عاماً لشراء مدفن نقداً.

 

ويقترب السيناريو الأكثر تمثيلاً للعينة من 60 عاماً للمدفن ذي السعر المتوسط، بينما يحتاج مدفن بمساحة 40 متراً وسعر متوسط، قدره 750 ألف جنيه (نحو 15,120 دولاراً)، إلى أكثر من 78 عاماً.

 

ويكمل غريب قائلاً: "هكذا لا تعكس أسعار المقابر تكلفة الأرض والبناء فقط، بل تكشف فجوة أوسع بين أسعار الأصول ودخول الأسر المصرية؛ فجوة تجعل حتى تأمين مكان للدفن قراراً مالياً طويل الأجل، لا يقلّ صعوبة بالنسبة إلى محدود الدخل عن تدبير مقدم مسكن".


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية