كليمو: الوعي الفني المغربي تشكّل من خشبة الصديقي إلى "ناس الغيوان"
في سياقٍ تتقاطع فيه الذاكرة مع أسئلة الحاضر، ويستعيد فيه المشهد الثقافي المغربي بعضًا من توتره الخلّاق، يأتي هذا الحوار مع المؤرخ والباحث المستعرب جون-فرانسوا كليمو، ليقدّم قراءة مركّزة لمسار طويل من التحولات التي لم تكن مجرد انتقالات شكلية، وإنما مست بنية الوعي الثقافي في عمقه، حيث لا ينشغل الحوار بسرد التاريخ الفنون بقدر ما يتوقف عند لحظات تحولها، وهي تعيد صياغة موقعها بين إرث متجذر وحداثة لم تستقر بعد.
وعلى صفحات هسبريس، يشتغل كليمو من موقع معرفي يقوم على مسافة تحليلية واعية، تتيح تفكيك البنى الرمزية للثقافة المغربية وربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية، وهي مسافة لا تعني الانفصال عن الموضوع، وإنما تمنح أدوات للفهم تتجاوز الأحكام السريعة، وتتيح قراءة أكثر تركيبًا لظواهر تتقاطع فيها مستويات متعددة، من التعبير الفني إلى التحولات الاجتماعية العميقة.
ويحضر في هذا الحوار اسم الطيب الصديقي باعتباره علامة فارقة في تاريخ المسرح المغربي، حيث لم يكتف بإخراج العروض، بل أعاد تشكيل معنى الخشبة، وحرّك العلاقة بين الجمهور والنص، وبين التراث والحداثة، كما تتقاطع تجربته مع تحولات موسيقية بارزة، خاصة مع مجموعة “ناس الغيوان”، التي نقلت الفن من فضاء الترفيه إلى مجال التعبير عن نبض المجتمع، حيث يغدو الأداء الجماعي شكلاً من أشكال التفكير المشترك.
ويمتد النقاش إلى تحولات أحدث، حيث تتجاور أشكال فنية متعددة، من المسرح إلى موسيقى الراب، في سياق يعكس تغيرات أعمق داخل المجتمع المغربي، إذ لم يعد الفن معزولًا عن محيطه، وإنما صار مدخلًا لفهم توترات الهوية، في ظل تفاعل مستمر بين المحلي والعالمي، وبين التقاليد والوسائط الجديدة، وهو ما يكشف عن مشهد ثقافي متعدد، يعيد تشكيل نفسه باستمرار دون أن يفقد صلته بجذوره.
ويضع هذا الحوار القارئ أمام أسئلة مفتوحة تتصل بقدرة الثقافة المغربية على التجدد دون القطيعة مع ذاكرتها، وبكيفية تحقيق توازن بين البعد الجمالي والالتزام، وبين الفردي والجماعي، في سياق ثقافي يتغير بوتيرة متسارعة.
نص الحوار
انطلاقاً من الذكرى العاشرة لرحيل الطيب الصديقي، كيف يمكن قراءة تحوّل المسرح المغربي بعد الاستقلال من مجرد ممارسة فنية إلى مشروع ثقافي يحمل وعياً جماعياً، خاصة مع بروز فرق مثل “دابا المسرحية”، وما الذي مثّله الصديقي في هذا التحول؟
كان الطيب الصديقي شخصية ثقافية بارزة في تاريخ المغرب، كما ذكّرنا ابنه بكر مؤخرًا في بن جرير، وكان أحد مؤسسي المسرح كشكل ثقافي أساسي للحداثة، وذلك في سياق تغيرات سياسية مرتبطة بالقومية، إذ ورث المغرب الجديد دولة مركزية ظهرت في مطلع القرن العشرين، ما يعني غياب سلطان الزعيم الاسمي وظهور سلطات أخرى في الأقاليم والمدن، إدارات يهيمن عليها الباشا وهو رجل يعينه السلطان ولا ينتخبه الشعب، ونتج هذا التغيير أيضًا عن تغيرات اقتصادية أتاح العمل المأجور من خلالها فرصًا جديدة وحرر النساء اللواتي شاركن في الإنتاج ضمن المؤسسات الرأسمالية، وغالبًا ما يُلاحظ هذان النوعان من التغيير فقط السياسي والاقتصادي بينما تُتجاهل التغيرات الثقافية رغم أهميتها البالغة، ومن هذه التغيرات ظهور الرسم على القماش أولًا في طنجة عام 1903 بعد محاولة فاشلة في القرن السادس عشر، وشهدت الساحة الفنية تطورًا في الموسيقى النغمية ذات السلالم الموسيقية السباعية، والموسيقى والرواية في ثلاثينيات القرن العشرين، وموسيقى السينما في مراكش عامي 1900 و1901، وأخيرًا موسيقى المسرح السياسي باللغة العربية في مطلع عشرينيات القرن العشرين لا سيما في سلا مع الفرق المصرية والفلسطينية، وكل هذا بالإضافة إلى أساليب التعابير القديمة السائدة والتي تمثلت في الشعر وأحيانًا أدب الرحلات.
وكان مسرح الطيب الصديقي جزءًا لا يتجزأ من النشاط الثقافي الذي أعقب الاستقلال، وعلى مدى سنوات عديدة سنحت فرص عديدة لأنشطة جديدة، إلا أن الحياة الثقافية تعثرت لاحقًا بسبب حالة الطوارئ التي فُرضت بعد عام 1965 ومحاولتي الانقلاب عامي 1971 و1972، وقد أدى ذلك إلى تطوير عروض ترفيهية أكثر داخل المسرح وهو ما لم يُنقذ مسرح الدار البيضاء في نهاية المطاف فأغلق أبوابه عام 1984، وبعد عشرين عامًا واكبت فرقة مسرح “دابا تياتر” موجة جديدة من النشاط السياسي والثقافي المكثف الذي ظهر عام 2004 مع حركة “النايدا” المغربية وهو مصطلح صِيغ لوصف عدة حركات ثقافية نشأت في مطلع الألفية الجديدة، وظهر هذا الشكل المسرحي الجديد بعد فترة من التراجع النسبي على الرغم من جهود العديد من خريجي معهد ISADAC في الرباط، تلتها محاولات من قبل عبد الواحد عوزري عام 1997 وأحمد مسايا عام 2013، ولم يلعب الصديقي سوى دور ثانوي في هذه التجربة المسرحية الجديدة، بل كان جواد السوناني وإدريس كسيكس هما المبدعان الحقيقيان لهذا الشكل المسرحي الجديد.
كيف تفسرون، بصفتكم مورخاً وباحثاً فرنسياً، التداخل بين التراث الشعبي المغربي (الحلقة، الحكواتي، الفرجات) وبين الأشكال المسرحية الحديثة التي اشتغل عليها الطيب الصديقي، وهل يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال “الحداثة المحلية” ؟
ما يربط رواة القصص بممثلي المسرح هو نقل السرد عبر تسلسلات منظمة، ولهذا السبب أشار الطيب الصديقي في مسرحيته “العشاء الاحتفالي” إلى رواة القصص كمرشدين له، مع ذلك ثمة اختلافات ثقافية جوهرية بين “البساطة” أو البنية الدائرية لحلقات سرد القصص والفضاء المستطيل للمسرح، ففي المسرح يوجد العديد من الممثلين وليس ممثلاً واحداً فقط يجسد أحياناً شخصيات مختلفة أثناء العرض، علاوة على ذلك تُحدَّد خشبة المسرح بثلاثة جدران لا يستطيع الممثلون تجاوزها، أما الجدار الرابع فهو غير مرئي يفصل الجمهور عن المتفرجين، فهل يرمز هذا الجدار غير المرئي والمُحكم إلى الحداثة؟ إنه الجدار الذي يمنع المتفرجين من مخاطبة الممثلين، ويشهد هذا الجدار على أحد شروط الحداثة وهو أن الفرد محكوم عليه بأن يكون متلقياً صامتاً لسرد يمكنه تفسير معناه بحرية دون أن يتأثر بالممثلين أو المتفرجين الآخرين، كما يجب على المتفرج تأجيل التعبير العلني عن مشاعره حتى نهاية العرض وبالتالي يجب ضبطها، لذا يستحيل الحديث عن المسرح الشعبي المغربي لأنه ليس مسرحاً بالمعنى الدقيق إذ يفتقر إلى الجدار الرابع والجمهور المؤلف من أفراد منفصلين عن بعضهم، وهنا ثمة استمرارية وانقطاع في آنٍ واحد، فالحياة الثقافية لا تقتصر على التقاليد بل تشمل أيضاً تحولات قد تكون بالغة الأهمية أحياناً.
إذا انتقلنا إلى الموسيقى، كيف تقرأون التحول من الأغنية التقليدية إلى الأغنية الملتزمة مع أسماء مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة، وما علاقتها بالسياق السياسي والاجتماعي لما بعد الاستقلال؟
إن ظهور إحدى هذه الفرق الموسيقية الكبرى مرتبطٌ بالفعل بمسرح الطيب الصديقي مع تميزه في الوقت نفسه، فما انبثق في حي المحمدي بالدار البيضاء مع العربي بطمة وموسيقيين آخرين في أوائل سبعينيات القرن الماضي يكشف عن رغبة سكان المدينة المهمشين ثقافيًا في أن يصبحوا مشاركين فاعلين في الحياة الثقافية وبالتالي في الاندماج في المجتمع الحضري، وقد تزامن ذلك مع فترة شكّل فيها الشباب دون العشرين نصف إجمالي السكان، وتغذّى هؤلاء الشباب على إيقاعات التقاليد الموسيقية العيطية والكناوية وعلى الشعر الشعبي المعروف باسم “الملحون” وعلى النصوص الصوفية وهي حقيقةٌ غالبًا ما يتم تجاهلها، وقد عبّروا عن تطلعاتٍ جديدة من خلال استلهام الأشكال التقليدية.
وسرعان ما ضمّ الطيب الصديقي موسيقيين ومغنين من هذه الفرق إلى إنتاجاته لمعالجة الأزمة المسرحية التي بدأت تتفاقم بين عامي 1970 و1972، وكان جمهوره الذي تنوّع بفضل جولات فرقته الوطنية والدولية أكثر شغفًا بالترفيه من التثقيف المدني وكان أيضًا ذا نزعةٍ ثوريةٍ إلى حدٍ ما، فقد كسر العديد من المتفرجين الحاجز الرابع وهتفوا للممثلين، وبإدخاله أشكالاً شعبية من الأداء الموسيقي في مسرحه منذ البداية تمكن الطيب صديقي من إسكات هؤلاء المتفرجين المشاغبين مانحاً العرض بعداً سياسياً أقوى مع إضفاء لمسة شعرية عليه، كما سعى إلى استعادة انتباه الجمهور بنوع جديد من العروض التي قد تستمر لساعات.
إلى أي حد يمكن اعتبار تجربة ناس الغيوان امتداداً مسرحياً بقدر ما هي موسيقية، خاصة من حيث الأداء الجماعي والبعد الطقوسي الذي يربطها بالمسرح الشعبي؟
لم تكن هذه الفرق الموسيقية الكبيرة – وكان هناك غيرها مثل فرق مماثلة تتحدث لغة التشلحيت في أكادير على سبيل المثال – امتدادًا لمسرح الطيب الصديقي بل كيانات مستقلة، وقد ساهم هذا التعاون في تسريع انتشارها الإعلامي وشهرتها، يؤكد عمر السيد هذا في مذكراته وكذلك رضا بهسو الذي يشدد على أن فرقة رولينغ ستونز لم تكن بحاجة إلى مسرح لتصبح مشهورة، علاوة على ذلك حظيت فرقة جيل جلالة باعتراف كبير بفضل الإذاعة والتلفزيون المغربيين مما أتاح لهم ملء مسرح محمد الخامس في أكتوبر 1972.
كيف تنظرون إلى مسار الفنانين الذين عبروا بين المسرح والموسيقى، مثل بوجمعة أحكور، وهل يمكن الحديث عن “هوية فنية هجينة” طبعت التجربة المغربية في القرن العشرين؟
تُعدّ الهويات الفنية الهجينة شائعة جدًا في الفنون المغربية في جميع التخصصات دون أن تقتصر على تخصص واحد، فمن جهة يوجد تعليم رسمي في مدارس ومعاهد الموسيقى يتكون أساسًا من دورات نظرية، ولكن قبل الاحتراف كانت هناك أشكال مختلفة من التعلّم حيث كان الطلاب يراقبون أستاذًا ثم يمارسون العمل دون تدريب نظري رسمي، وينطبق هذا على الفنون البصرية والتطبيقية والموسيقى والحرف اليدوية عمومًا، لذا فإن بوجمعة أحكور ليس الفنان الهجين الوحيد، ففي استوديو الفنون الحية بالدار البيضاء يوجد عثمان مولين الذي يُغني موسيقى الشعبي ويُقدّم أيضًا عرضًا مسرحيًا يُعرّف بهذا النوع الموسيقي، وقد أخرج هذا العرض أمير رواني، ويمكننا أيضًا ذكر عثمان الخلوفي الفنان متعدد المواهب عازف الساكسفون والمخرج من بين تخصصات أخرى والذي قدّم عروضًا في إسباس ماج، وكذلك حسن الفد عازف الساكسفون والمهندس المعماري والممثل الموهوب، وعدنان موهيجة المغني والممثل، وحسين آيت جمحي المعروف باسم تاسكيوين موسيقي وممثل سينمائي ومسرحي، أما جاد المالح فهو مغنٍّ معروف لا سيما في كندا وممثل في العديد من الأفلام الكوميدية الرومانسية.
تُعدّ هذه الظاهرة المتمثلة في تعدد الخلفيات الفنية نادرة في أوروبا بين الفنانين من أصل مغربي، وهي آخذة في التراجع في المغرب في القرن الحادي والعشرين نتيجةً لانتشار مراكز التدريب والمدارس الفنية، مع ذلك كانت هذه الظاهرة شائعةً في القرن العشرين.
في قراءتكم لتاريخ المسرح المغربي، ما موقع الفرق المستقلة التي ظهرت بعد الاستقلال، وكيف ساهمت في خلق خطاب نقدي موازٍ للمؤسسات الرسمية؟
لا يجب أن ننسى فرق المسرح الهاوية التي ساهمت في نشر الأفكار القومية قبل الاستقلال، وبعد الاستقلال ظل التنوع المسرحي محدودًا رغم إنشاء مركز الفنون الأدائية الذي بدأ نشاطه في غابة المعمورة عام 1954، فقد تغير الوضع مع إنشاء وزارة الثقافة التي سمحت بتوزيع الدعم ولا سيما لمسرحية “أوفيليا لم تمت” التي كتبها وأداها نبيل لحلو وفرقته المسرحية الجامعية، فلولا دعم الدولة لما تمكنت الفرق الأولى بدءًا من هذه الفرقة المسرحية المغربية من البقاء، وحدها فرق المسرح الهاوية العديدة في الجديدة ومراكش وغيرها تمتعت بحرية كبيرة في اختيار برامجها مع توحيدها في هدف مشترك هو بناء تراث مسرحي باللغة المغربية يعرض أشكالًا مميزة من الشرق الأقصى وأوروبا، ومن هنا جاءت ترجمات واقتباسات أعمال كبار الكتاب المسرحيين العالميين، وهذه المسرحيات ذات الأصل الأجنبي في البداية وإن احتوت أحيانًا على إشارات إلى الواقع المغربي لم تعكسه بدقة، أما الأعمال الأصلية المكتوبة في المغرب للمغاربة فلم تظهر إلا لاحقًا، مع ذلك لم تُعبّر هذه المسرحيات عن خطاب نقدي حقيقي نظراً لتطور آليات الرقابة المتعددة داخل المسرح الاحترافي والاختفاء التدريجي للمسرح الهاوي، ونتيجةً لذلك تطور النقد الاجتماعي في إطار الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية وربما أيضاً من خلال الأغاني.
مع بداية الألفية الثالثة، شهدنا تحولات جديدة في الموسيقى المغربية مع صعود أنماط مثل الراب، كيف تقارنون بين خطاب ناس الغيوان وخطاب فناني الراب المعاصرين من حيث الاحتجاج والتعبير عن الهامش؟
يتميز الراب وهو فن حضري تحكمه قواعده الخاصة بانخفاض تكلفة بدايته نسبيًا، وعلى عكس فرق السبعينيات الشهيرة يستخدم مغنو الراب لغة مختلفة أكثر حدة بل وربما مبتذلة يمزجون فيها بين الإشارات الصريحة إلى صراعات الماضي – بدلًا من التصوف – والسرديات الشخصية، وهذه العناصر الثلاثة إلى جانب التأثير الأمريكي تظهر بشكل حديث نسبيًا، ويُضاف إلى ذلك تأثيرات موسيقية أخرى مثل أسلوب “كوبيه إيه ديكاليه” من أفريقيا جنوب الصحراء والذي يظهر جليًا في أعمال إتش-كين على سبيل المثال، وثمة اختلاف آخر يكمن في ميل الراب إلى أشكال مختلفة من الانحراف كما يتضح من غسيل الأموال الممارس حاليًا في مراكش والذي يظهر أيضًا في كلمات مافيا-سي، ويخدم هذا في المقام الأول التعبير عن هويات متميزة غائبة عن المطالب الجماعية لناس الغيوان وهي نقطة تُلاحظ أيضًا في كلمات إتش-كين، لكن هذا لا يؤدي إلى أي عمل سياسي ملموس بل هو مجرد متنفس، ونرى هذا مع دون بيغ، في الواقع سعت فرق مثل فناير بالدرجة الأولى إلى ابتكار أشكال موسيقية قادرة على استبدال الأغاني التي تراجعت شعبيتها في الفترات السابقة مع الاحتفاء بالهوية المغربية، علاوة على ذلك لا يحظى هؤلاء الموسيقيون الجدد بجمهور فرق مثل جيل جيلالة أو ناس الغيوان.
كيف أثرت العولمة والوسائط الرقمية على تمثلات الفنان المغربي لذاته، مقارنة بجيل ما بعد الاستقلال الذي كان يشتغل داخل حدود محلية أكثر وضوحاً؟
يُتيح الإنترنت فرصًا ولكنه يحمل أيضًا خوارزمياته التي قد تعزل المجتمعات الصغيرة مانعةً إياها من التواصل فيما بينها، وهكذا غيّرت وسائل الإعلام الرقمية نظرة الفنانين المغاربة لأنفسهم من منظور وطني ومحلي في المقام الأول إلى هوية أكثر هجينة، فلم يعد هناك صراع ضد إرث الاستعمار، علاوة على ذلك ينظر هؤلاء الفنانون إلى أنفسهم بشكل أقل كمتحدثين باسم مختلف المطالب الاجتماعية وأكثر كفاعلين فرديين يتنقلون بين التراث والشتات الذي يُشكّل جزءًا من سوقهم وشبكات التواصل الاجتماعي والمشاهد الفنية العالمية التي تُمثّل أعلى درجات التقدير، وحلّ التنافس في الأسواق الصغيرة محلّ غياب السوق في الماضي، ولا يمحو هذا الانفتاح البُعد المحلي بل يُعيد تشكيله بأشكال مختلفة من الرقابة الذاتية، لكن هذه القضايا تتجاوز بكثير مجال الموسيقى.
هل يمكن القول إن المسرح المغربي فقد بعضاً من وهجه أمام صعود الصورة الرقمية والسينما، أم أنه أعاد تشكيل نفسه بطرق جديدة تحافظ على روحه التي أسس لها الطيب الصديقي؟
لا، إن أزمة المسرح الاحترافي والهواة الذي يؤديه الممثلون المغاربة تعود إلى ما قبل ظهور الإعلام الرقمي، وينطبق الأمر نفسه على السينما، ولمواجهة ما لاحظه الطيب الصديقي في سلوك الجمهور قرر ابتكار عروض فنية متكاملة تمزج بين النص والموسيقى والغناء، وكان الهدف هو إثارة المشاعر بوسائل أخرى غير الكلمات وحدها والأهم من ذلك الحفاظ على انتباه الجمهور طوال مدة العرض.
في ضوء هذا المسار الممتد من الاستقلال إلى اليوم، كيف ترون مستقبل الوجوه الفنية المغربية، سواء في الموسيقى أو المسرح، وهل نحن أمام قطيعة مع الماضي أم إعادة تأويل مستمرة لذاكرة فنية غنية؟
لا شيء يُشير إلى انقطاع تام للفنانين المغاربة، فباستثناء اضطرابات سياسية كبرى غير متوقعة في الوقت الراهن من المرجح أن نشهد إعادة تفسير مستمرة لتراث غني ومتعدد الثقافات، فمنذ الاستقلال انخرط المشهد الفني المغربي باستمرار في حوار بين التقاليد الوطنية والإقليمية والتأثيرات الأجنبية، وبين التقاليد الأكاديمية العريقة والأشكال الحديثة مما أثرى الموسيقى والمسرح والفنون الأخرى حتى يومنا هذا.
ويُجسد مثال الموسيقى المغربية منطق التحول الداخلي هذا خير تجسيد، فالأنواع التقليدية تتطور وتتغلغل التناغمات في الأسلوب وتتحول الإيقاعات في المقطوعات الموسيقية، ويتزامن هذا مع اندماج الأشكال وظهور المشاهد الحضرية وإعادة تفسير الأعمال القديمة في العصر الحديث، بعبارة أخرى لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الماضي بل بالتحديث مدفوعًا غالبًا بلغات جديدة وأشكال تعبير جديدة وجماهير جديدة.
وفي المسرح أيضًا يُنظر إلى التطور على أنه تكيف لا انقطاع تام، فشهدت فترة ما بعد الاستقلال ظهور مسرح وطني متجذر في الواقع الاجتماعي واللغوي والسياسي للبلاد، وتلاه انفتاح على أشكال فنية تجريبية وحضرية وهجينة مما وسّع الآفاق الفنية.
من المرجح أن يكون فنانو المغرب في المستقبل هم أولئك الذين يواصلون التعبير عن الذاكرة والابتكار، وسيُترجم هذا بلا شك إلى انتشار الأشكال الهجينة واستخدام أكثر تواتراً للغة العربية العامية والأمازيغية والإنجليزية في العديد من السياقات الحضرية، ومن غير المرجح أن تتطور العديد من الأشكال الفنية الجديدة بالسرعة نفسها التي تطور بها فن الخط العربي الحديث الذي يسعى إلى الجمال فقط ويرفض نقل المعنى في الفنون البصرية، قد لا تتاح لنا في المستقبل سوى فرص قليلة لمشاهدة تطور أشكال فنية نشأت في المغرب وانتشرت عالمياً كما هو الحال حالياً مع موسيقى البوب الكورية في كوريا الجنوبية.
على أي حال يعتقد الكثيرون أن التحولات ستؤثر على الشكل أكثر من المضمون، ستتطور الجماليات وستتغير المشاهد وسيتحول الجمهور لكن المنطق الأساسي سيبقى قائماً وهو منطق ثقافة مغربية تجدد نفسها استناداً إلى خصوصياتها التاريخية، إن هذه القدرة على التحول في الحاضر تسمح لنا بتصور مستقبل فني يتسم بالحداثة والوفاء لتراث غني للغاية.
كلمة مفتوحة لك
إلى من يُرسل المرء رسالة كهذه دون تحديد مُرسَل إليه؟ يُمكن للمرء كما فعل أحد الأولياء في أزمور قبل نحو ثمانية قرون حين ألقى برسائله في البحر أن يكتبها للتعبير عن قلقه إزاء التناقص المستمر في عدد الأجانب الذين يمتلكون معرفة عميقة بالثقافة المغربية تمتد لعقود ورؤية شاملة لآلاف السنين، وهذه حوارات ستُستبدل بلا شك بآراء أخرى أسرع وأكثر محدودية كتلك الموجودة في أطروحات يكتبها زوار عابرون، قد يكون زيادة عدد حالات التجنيس بديلاً، وهذا أمر وارد إذا صحّ ما جاء في الحديث: “فإنّك لا تدري يا عبدالله ما اسمك غدًا”.
The post كليمو: الوعي الفني المغربي تشكّل من خشبة الصديقي إلى "ناس الغيوان" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.