كلود مونيه رائد الانطباعية... حين يصبح الضوء موضوعاً للرسم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ثمّة رسّامون يسعون إلى الإمساك بالعالم؛ أمّا كلود مونيه، فقد انشغل بتتبّع تحوّلاته. بعيداً عن يقينيات الأكاديمية والسرديات الجامدة، ابتكر مونيه طريقة في الرسم لا تدّعي تثبيت الواقع، بل مرافقته في أكثر تبدّلاته عابريّة. في لوحاته يحتلّ الضوء، المتحوّل باستمرار، موقع الموضوع الحقيقي.

وُلد عام 1840 في باريس ونشأ في لو هافر؛ لم يتّجه مونيه منذ البداية إلى ما يُسمّى "الرسم الجادّ". فقد تميّزت سنواته الأولى بالكاريكاتور، وهو تمرين علّمه الملاحظة السريعة وترجمة جوهر الملامح في بضعة خطوط. شكّلت لقاءاته مع أوجين بودان، الذي عرّفه إلى الرسم في الهواء الطلق، منعطفاً لا رجعة فيه. ومنذ ذلك الحين، تحوّل المشهد الطبيعي إلى حقل للتجربة المباشرة، خاضعاً لتقلّبات السماء وذبذبات الهواء.

هذه القطيعة عمّقها مونيه في احتكاكه بجيل من الفنانين الذين، مثله، رفضوا أعراف الأكاديمية: بيار-أوغوست رينوار، وكاميل بيسارو، وألفريد سيسلي. معاً، شاركوا في هذه المغامرة التي لم يكن لها اسم بعد، والتي ستصبح "الانطباعية". في عام 1874، وخلال المعرض الأول للجماعة، منحت لوحة "انطباع، شروق الشمس" اسمها للحركة، وهو مصطلح صاغه النقد في البداية على سبيل السخرية، لكن مونيه ورفاقه انتهوا إلى تبنّيه بوصفه بياناً غير مقصود.

 

“غروب الشمس على نهر السين في لافاكور، تأثير الشتاء“ (1880) لكلود مونيه.

 

تنطوي الانطباعية، كما تصوّرها مونيه، على تحوّل عميق في النظرة. حيث كانت التقاليد التصويرية تبحث عن ثبات الأشكال وتراتبية الموضوعات، يستبدل مونيه ذلك بعدم الاستقرار وبمبدأ التكافؤ: كلّ شيء يستحق أن يُرسم، ما دام الضوء يتجلّى فيه. وهكذا، يتحوّل حوض ماء، أو كومة قشّ، أو واجهة قوطية، إلى مختبرات إدراكية. فالموضوع أقلّ أهمية من الشروط التي يظهر ضمنها.

في هذا السياق تندرج السلاسل الكبرى التي تشكّل محطات في أعماله. "أكوام القشّ"، التي رسمها في تسعينيات القرن التاسع عشر، تكشف مثلاً عن التبدّلات اللامتناهية للضوء على سطحها. عند الفجر، وعند الغسق، تحت الثلج أو في الضباب، يذوب الشيء ذاته ويُعاد تركيبه. لا يرسم مونيه كومة قشّ واحدة؛ بل يرسم الفاصل بين حالتين من العالم. وبالمثل، لا تتطابق "كاتدرائيات روان" مع نفسها أبداً. فالحجر القوطي، المعروف بثباته، يتحوّل عنده إلى مادّة نابضة، شبه سائلة، تعبرها تقلّبات الغلاف الجوي.

 

صورة فوتوغرافية لكلود مونيه.

 

هذا العمل على السلسلة يمثّل منعطفاً حاسماً في تاريخ الفن؛ إذ يُدخل زمنية متسلسلة، قريبة ممّا ستستكشفه لاحقاً الفوتوغرافيا ثم السينما: تفكيك ظاهرة إلى تعاقب من الصور. لكن حيث تسجّل الآلة الميكانيكية، يقوم مونيه بالتأويل. اللوحة إذاً هي فرضية حول الطريقة التي يتجلّى بها العالم للعين في لحظة معيّنة.

تبلغ هذه المسيرة ذروتها في "زنابق الماء"، ذلك المشروع الضخم الذي شغل العقود الأخيرة من حياته. وقد استقرّ في جيفرني، في الحديقة التي شكّلها بنفسه كفضاء تصويري، وانغلق في علاقة شبه تأمّلية مع بركته. اللوحات، التي أخذت تتّسع أكثر فأكثر، تمحو تدريجياً المعالم التقليدية: أفق متلاشٍ، عمق غير مؤكّد، وأشكال ذائبة في نسيج لوني. لا يعود البصر يعرف أين يستقرّ؛ إنه يطفو، غارقاً في سطح هو في آنٍ واحد ماء وسماء ولوحة.

 

“الجسر الياباني“ (1899) بريشة كلود مونيه.

 

في هذه الأعمال المتأخرة، يبدو أن مونيه يستبق إشكاليات ستصبح لاحقاً من صلب الفن التجريدي. من دون أن يتخلّى تماماً عن الموضوع، يقلّص قابليته للقراءة لصالح تجربة حسّية خالصة. لم تعد اللوحة نافذة مفتوحة على العالم، إنّما باتت حقلاً تُختبر فيه عملية الإدراك ذاتها. وبهذا، يلتقي، من دون تنظير، مع حدوس ستصوغها الفلسفة المعاصرة لاحقاً، من هنري برغسون إلى الظاهراتية: فالواقع ليس معطًى ثابتاً، بل تدفّق، مدّة في تحوّل دائم.

غير أنّ اختزال مونيه إلى مجرّد سلف للحداثة التجريدية يبقى أمراً مجحفاً. فعمله يظلّ متجذّراً بعمق في تجربة ملموسة للطبيعة. وعلى خلاف الصورة النمطية لرسّام منغلق في تأمّله، عاش حياة وسمتها صعوبات مادية، وفواجع - ولا سيما فقدان زوجته الأولى، كاميل دونسيو - وتوتّرات مع المؤسّسات الفنية. مثابرته، التي كانت في كثير من الأحيان عنيدة، جاءت على قدر مشروعه: ابتكار رسم لا يكتفي بالتمثيل، بل يستعيد لا استقرار المرئي.

 

“زنابق الماء: تأثيرات الشمس“ (1897) بريشة كلود مونيه.

 

اليوم، يتجاوز إرث مونيه بكثير حدود الانطباعية. فهو يغذّي مجالات متنوّعة مثل الرسم المعاصر، والتصوير الفوتوغرافي، بل وحتى بعض أشكال الفن الغامر. وتستمرّ "زنابق الماء"، المعروضة في متحف الأورانجيري، في تقديم تجربة تكاد تكون جسدية للمشاهد، كما لو أنّ اللوحة تصبح فضاءً يُسكن لا مجرّد موضوع للتأمّل.

لكن، أبعد من هذا الامتداد، لعلّ راهنية مونيه تتجلّى في طريقته في النظر إلى العالم. ففي زمن مشبع بالصور الفورية والإدراكات المتسارعة، يذكّرنا عمله بضرورة الانتباه الصبور، وبنظرة قادرة على التوقّف عند أدقّ الفوارق. فالرسم، بالنسبة إليه، لم يكن التقاط اللحظة، بل تعلّم رؤيتها.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية