كل هذا والحرب لم تحقق أهدافها!
بعد انتهاء، مقولة هبوط مكانة الولايات المتحدة كقطب أكبر، أو انهيارها، وصعود أقطاب آخرين، واعتبار أن إسرائيل آيلة إلى الانهيار، باعتبارها "أوهن من خيوط العنكبوت"، صعدت مقولة أخرى، لتعويض هشاشة المقولات السابقة وخوائها، باعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل، لم تحققا أهدافهما، في الحروب المكلفة والمدمرة التي شنتاها في المنطقة، منذ أواخر 2023.
هكذا شهدنا أن تلك المقولة الرغبوية ظلت بمثابة لازمةٍ تتردد على لسان أطراف حلف "المقاومة والممانعة"، طوال العامين الماضيين، على رغم التغير الهائل، والمريع، في الخرائط، السياسية والأمنية والاقتصادية دولياً وإقليمياً، من ضمنه الشرق الأوسط.
الحرب وتغيرات العالم
في المحصلة، مثلاً، فقد اختفى، تقريباً، معظم أطراف "المقاومة والممانعة" الميليشيوية، في سوريا ولبنان والعراق واليمن، واستطاعت إسرائيل، بوحشيتها، تحويل قطاع غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش الطبيعي لمليوني فلسطيني. وقد انهار نظام الأسد تماماً في سوريا، أما إيران فبعد محاولاتها النأي بذاتها عن الحروب، طوال عقدين، مكتفية بأدوار أذرعها الميليشيوية، فباتت معنية بالدفاع عن حدودها وعن نظامها، وعن وجودها كدولة طبيعية.
الأهم من ذلك أن ثمة تطورين مهمين، يفترض إدراكهما، كي يتم التعامل بطريقةٍ صحيحة مع نتائجهما، بمعنى تجاوز المخاطر النابعة منهما، الأول، يفيد بأن إسرائيل، التي دمرت قطاع غزة، باتت تهيمن على الفلسطينيين، الشعب والجغرافيا والموارد، بين النهر والبحر، أكثر من أي مرحلة مضت.
والثاني، أن إسرائيل تواصل تعميق سيطرتها في الضفة الغربية عبر تعزيز أنشطتها الاستيطانية، وتحويل المستوطنين إلى ميليشيا عسكرية، مع تكريس انتهاكاتها في القدس. ويأتي ضمن ذلك قضم الكيان الفلسطيني الناشئ (وفق اتفاق أوسلو) وإضعاف مكانة السلطة الفلسطينية، بتقييد دورها، وحرمانها أموال "المقاصة".
أيضاً، فإن إسرائيل تواصل هجماتها في لبنان، بعد قضائها على معظم قدرات "حزب الله" وقياداته، في حين تهدد سوريا، بتدخلاتها العسكرية والسياسية فيها، وهي في الحالين، أي في سوريا ولبنان، تعمل على فرض مناطق عازلة في جغرافيا البلدين، بدعوى حماية "أمنها القومي"، وهو أمر يتجاوز الجغرافيا، إلى الديموغرافيا، ما يتمثل بمحاولاتها اللعب على وتر التصدعات المجتمعية، الإثنية والطائفية، في سوريا ولبنان.
مصادر قوة إسرائيل
في المحصلة باتت إسرائيل، المتوحشة، والمنفلتة من عقالها، بمثابة دولة عظمى إقليمية، أو بمثابة دولة مقررة في الهندسة السياسية والأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط أكثر من أي حقبة مضت في تاريخها، حتى بأكثر مما حصل في حرب (1967)، إلى درجة أن ذراعها الطويلة باتت تصل إلى اليمن وعلى الأخص إلى إيران ذاتها.
طبعاً، عدا قوة إسرائيل، العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، فهي تتمتع بثلاثة مصادر قوة، الأول، يتمثل باستقرارها السياسي، إذ هي رغم التناقضات المعشّشة فيها، بين المتدينين والعلمانيين، والشرقيين والغربيين، واليمينيين واليساريين، والمعتدلين والمتطرفين، كونها دولة تحتكم الى الانتخابات، في نظام ديموقراطي (لمواطنيها اليهود)، مع استقلالية للسلطات الثلاث.
الثاني، يتمثل باحتكارها السلاح النووي في المنطقة، وهذا سر حرصها على عدم السماح لأي دولة في الشرق الأوسط بحيازة قدرة نووية. والثالث، يتمثل بدعم الغرب لها، وخصوصاً ضمان الولايات المتحدة لأمنها وتفوقها من كل النواحي في المنطقة.
الولايات المتحدة كالقطب المهيمن
في ما خص الولايات المتحدة، فهي أثبتت ذاتها كالقطب المتحكم بالتطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية في العالم، ليس في مواجهة إيران، فقط، وإنما إزاء الأقطاب الآخرين، أيضاً، ولا سيما منهم الصين وروسيا، إذ لم يبد تجمع "بريكس" مثلاً أي حراك طوال فترة الحرب، علماً أن النظام الإيراني (وحتى روسيا بوتين) كان يعول على هذا التجمع في إزاحة الولايات المتحدة عن عرش النظام الدولي.
لا تأتي قوة الولايات المتحدة من حيازتها على قدرة عسكرية أعلى في العالم، فقط، كون حصتها 50 بالمئة تقريباً من الإنفاق العالمي على التسلح، بما يقارب 900 مليار دولار، إذ إن قوتها تتأتى، أيضاً، من أربعة مصادر: الأول، قوتها الاقتصادية المؤثرة على معظم دول العالم المتقدم. وثانياً، من كونها المصدر الأساسي للتطورات التكنولوجية والعلمية في العالم، في مختلف المجالات. وثالثاً، من قوتها الناعمة، أي قدرتها على فرض نموذجها بوسائل سلمية، عبر الإعلام والجامعات ووسائل الترفيه. ورابعاً، من كونها الأقل تأثراً بكل مسارات الحرب، مقارنة بالأطراف الآخرين، خصوصاً بحكم بعدها الجغرافي، وموقعها المهيمن في العالم.
مع ذلك، رغم كل تلك الوقائع ثمة من لا يزال يعيش حالة إنكار، في انفصام عن الواقع، لأسباب أيديولوجية أو عاطفية أو قدرية، فإذا كان كل ما حصل يفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا أهدافهما، لمجرد أن ثمة زعيماً لدولة، أو لفصيل، لا يزال موجوداً، ولا يريد أن يعترف بكل ما حصل، في حين لا تسير حياته، ولا دولته، بشكل طبيعي، فكيف الأمر لو أن تلك الأهداف تحققت؟!
معلوم أن ما حصل، أي تدمير العمران والبني التحتية هو أقسى وأصعب وأكثر تأثيراً من إزاحة قيادةٍ ما، لا تزال تعتقد أنها أهم من بلدها ومن شعبها، وعلماً أن تلك المقولة، أيضاً، هي التي تبرر للولايات المتحدة وإسرائيل استمرار الحرب، بحجة أن أهدافهما لم تتحقق بعد.