كسيكس: الأدب ليس فضاء للمهادنة .. والجسد موطن مفارقات الوجود
لا يقتصر هذا الحوار مع الكاتب المغربي إدريس كسيكس على استعراض محطات تجربته الأدبية والفكرية، بل يفتح نقاشًا حول الأسئلة التي تشغل مشروعه الإبداعي، حيث تتقاطع الكتابة مع الفلسفة، والمسرح مع السياسة، والحرية مع السلطة، والهوية مع تحولات المجتمع.
إنه حوار ينطلق من الأدب ليصل إلى الإنسان، ومن النص إلى السياقات التي أنتجته، في محاولة لفهم ما الذي تستطيع الكتابة قوله في زمن تتغير فيه المفاهيم وتتسارع فيه التحولات.
في هذا اللقاء مع هسبريس، لا يقدم كسيكس أجوبة جاهزة، وإنما يدافع عن حق السؤال في البقاء، ويطرح رؤيته لدور المثقف، وحدود الحرية، ووظيفة المسرح، وعلاقة الأدب بالطابوهات، ومعنى الكتابة في عالم يزداد تعقيدًا.
لذلك لا ينشغل الحوار بسيرة الكاتب بقدر ما يتوغل في الخلفيات الفكرية والثقافية التي شكلت مشروعه، ليقدم للقارئ مادة تتجاوز الحوار التقليدي نحو نقاش فكري مفتوح، يراهن على إثارة التأمل أكثر مما يراهن على حسم الإجابات.
نص الحوار:
في البداية هل يمكنك أن تقدم لمحة للقارىء المغربي كيف تشكل مسار ادريس كسيكس ككاتب في هذا المسار الطويل داخل الصحافة الثقافية؟
كانت نقطة الانطلاق هي المسرح. حاولت في البدء الصعود إلى الركح لكني لم أكن موفقا واخترت الكتابة. انتقلت إلى الكتابة الروائية والسردية بعدما أصبحت صحافيا وناقدا أدبيا دون أن أدير الظهر للمسرح فهو أبلغ تعبيرا عن عبثية الوجود. كما حاولت التعبير عن ذلك في مسرحية “هو”. أما كتابة المقالة فأتت لاحقا لترجمة تصوري لمفهوم الحرية والتمرد عن القوالب الجاهزة.
تقترب كثيرا من مناطق ملغومة، حيث يلتقي المقدس بالسياسي، إلى أي حد تعتبر نفسك كاتبًا يغامر بتفكيك الطابوهات، أم أنك فقط تعكس ما يعيشه المجتمع في صمت؟
ليس الأدب في تصوري فضاء للمهادنة وترسيخ السائد، بل هو دعوة للدهشة والتساؤل. ما دامت هناك أسئلة ملحة نابعه من تجارب الناس وحيواتهم فالكتابة تفرض نفسها علي كسبيل لتبادل المعارف والأحاسيس. التقاء السياسي بالمقدس جزء من الإشكالات المرتبطة بالسلطة والحكم والتحكم في الأساطير المنظمة لحياة الناس. هي إذا موضع تساؤل لا يمكن تجاهله خصوصا حينما تمس بمصائر الناس وبمخيالهم.
في نصوصك المسرحية، تتحول الخشبة إلى مختبر فكري، هل ترى أن المسرح أكثر قدرة من الرواية على فضح آليات السلطة وإعادة تركيبها أمام الجمهور؟
لا بد أن نعي أن المسرح ليس أدبا صرفا أو خطابا فقط. إن المسرح طاقة نابعة من النص وشفاهيته، من الممثل(ة) وجسده وكلامه، كما هي آتية من الروح والإنارة والفضاء الذي يخلق ظروف التلاقي والتشابك. لذلك أرى المسرح كفضاء فاضح، كل شيء فيه يكبر بفعل الحساسية المفرطة التي تنبع منه و قوة الحوار الذي تعطيه ثقلا فكريا و رمزيا كذلك.
هناك أثر واضح لروح المسرح التجريبي في أعمالك، هل هو اختيار جمالي أم ضرورة فكرية لقول ما لا يمكن قوله داخل الأشكال التقليدية؟
لست مدافعا عن التجريب من أجل التجريب بل إني أبحث عن القالب الملائم لكل نص. وأنا أعي كيفما كان الحال أن الكتابة المسرحية كتابة معلقة في حاجة لمخرج(ة) مبدع لخليها بالفعل وتجسيدها. إذاك يصبح للنص وجود في النفوس.
حين تكتب عن الجسد، يبدو كأنه مجال للمقاومة بقدر ما هو مجال للضبط الاجتماعي، هل الجسد في كتابتك ضحية أم أداة تمرد؟
الجسد موطن مفارقات الوجود. هو موضوع تحكم رجولي وأبوسي وبالتالي سياسي واجتماعي كما هو أداة انعتاق وتحرر لأنه يختزل الفرد بماديته كما يحمل آثار الجماعة في رمزيته. لقد اهتممت منذ نصي الأول بالصراع بين الفرد والجماعة / الشخص والدولة ولعل الجسد هو المادة الحية والحد الفاصل في نفس الآن حيث يلتقيان ويتقابلان.
كيف تفهم العلاقة بين الحرية الفردية والسياق الجماعي في مجتمع مثل المغرب، وهل ترى أن الأدب قادر فعلًا على توسيع هامش هذه الحرية أم أنه مجرد صدى لها؟
ليس المجتمع المغربي كتلة واحدة منسجمة ولا أظن أن فهم الحرية واضح ومتساو لدى الجميع. لذلك لا أحبذ التعميم. لذلك جوابا عن الشق الثاني من السؤال سأكتفي بالقول إن الأدب وإن كان نابعا من رغبة فردية وتعبيرا عن تصور حر ليس بالضرورة ضامنا لتوسيع هامش الحرية لأن ذلك يستدعي إضافة إلى النص ظروفا للتلقي وآليات سياسية للإعلاء من قيمة الأدب في الإعلام والتعليم والمجتمع. وما دام هذا الشرط غير متوفر تبقى المسألة رهينة لقاء عابر وغير منتظر بين نص ومتلق افتراضي.
كيف تفسر حضور الشخصيات المأزومة والقلقة في نصوصك. وهل عي انعكاس لذات الكاتب ام صورة للمجتمع؟
الكتابة بالنسبة لي تركيب وليست مرآة عاكسة لا للواقع كما هو ولا لذاة الكاتب. من هذا الباب الشخصيات جزء من بناء، لعبة متراصة تساعدنا من خلال اللغة والرمز والمجاز والذاكرة والخيال على محاولة فهم العالم من حولنا عبر مسارات سردية أو فكرية معينة. فإن كنا نعيش في زمن قلق ومتوتر بفعل الفاشية الجديدة والنيوليبرالية والتسريع الاجتماعي والتحكم التكنولوجي فالشخصيات ليس إلا جزءا من هذا النسق المهيمن إما كأفراد من الهامش، كمستلبين دون علمهم أو كعناصر يصعب تصنيفها لأنها تحاول مقاومة هذا التيار الجارف.
في تفكيكك للخطاب السياسي والاجتماعي، هل تكتب من داخل النسق أم من خارجه، أم أنك تتحرك في تلك المنطقة الرمادية التي تزعج الجميع؟
أنا أحب زعزعة اليقينيات وإزعاج القارئ أو المتلقي فكلما وجدت السبيل إلى ذلك لأن النص يفرضه، أسلك هذا الطريق. المهم هو أن يبقى النص مفتوحا على قراءات متعددة وألا يكون هو ذاته نسقا مغلقا. فأنا أحبذ أن يبقى التساؤل ممكنا حتى عند الإنتهاء من القراءة.
اختياراتك لعناوين تحمل حمولة دلالية قوية، كيف تصوغ العنوان، وهل هو مدخل لتأويل النص أم فخ للقارئ؟
أظن أن العنوان اختزال جزئي لمضمون النص وفي نفس الوقت لغز مفتوح موجه للقارئ. إلم يجد فيه ما يثيره أو يدعوه لفتح الكتاب فهو عنوان سالب لا أثر له.
في ظل التحولات الرقمية وتسارع الخطابات، هل ما زال للمثقف والكاتب دور في مساءلة السلطة والدين، أم أن الصوت الثقافي أصبح معزولًا داخل ضجيج أكبر؟
كتبت منذ مدة ولا زلت أظن أن الكاتب المثقف وإن ظل مشاكسا مطالب بألا يتحول إلى خبير عارف وملم. وبالتالي توجب عليه أن يظل منصتا وليس فقط متكلما. لأن المثقف الخبير صيغة أخرى من الفقيه والإمام الذي يعتبر المعتقد سقف المعرفة. بينما أفضل أن يكون كالفيلسوف سقراط أصل التساؤلات المفتوحة لا منبع الأجوبة المغلقة. وليكون كذلك لا بد أن يخرج من عزلته دون أن يعطي لنفسه سلطة وهمية تنسيه همه الأول: البحث المستمر واللانهائي عن الحقيقة.
The post كسيكس: الأدب ليس فضاء للمهادنة .. والجسد موطن مفارقات الوجود appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.