كتاب جديد يعيد توثيق حرب الريف

بمناسبة مرور مائة عام على انتهاء حرب الريف، صدر للباحث والمترجم المغربي المبارك الغروسي كتاب بعنوان “في الريف”، عن منشورات الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل (2026)، ضمن سلسلة نصوص رحلية محققة، مقدّماً عملاً توثيقياً يعيد قراءة المرحلة الأخيرة من هذا الصراع في تاريخ المغرب الحديث.

ويأتي هذا الإصدار في سياق اهتمام متزايد بإعادة فحص الذاكرة التاريخية المرتبطة بحرب الريف، عبر العودة إلى الوثائق الأصلية والشهادات المباشرة، بدل الاكتفاء بالسرديات العامة التي طبعت كثيراً من الكتابات السابقة.

وفي تصريح لجريدة هسبريس، اعتبر الغروسي أن صدور الكتاب “يأتي في سياق الحاجة إلى إحياء ذكرى نهاية حرب الريف التي مر عليها قرن من الزمن، لا بمنطق الاحتفال الرمزي، ولكن من خلال البحث العلمي وإعادة قراءة الوثائق والشهادات التي تكشف تعقيد تلك المرحلة”.

وأضاف أنه “إذا كانت إسبانيا قد فضّلت عدم إحياء مئوية إنزال الحسيمة في شتنبر 2025، بالنظر إلى حساسية هذا الملف في الذاكرة المغربية الإسبانية، فإن من واجبنا نحن المغاربة أن نستعيد نهاية حرب الريف بالدرس والتوثيق والإنصاف التاريخي”.

وقال الغروسي إن “الكتاب يضم ثلاثة مكونات متكاملة: رحلة بيير باران، التي توثق جانبا من الاتصالات والملابسات التي أحاطت بلحظة استسلام محمد بن عبد الكريم الخطابي؛ والتقرير الصحفي لأوغست مونتاني، بما يتيحه من نظرة معاصرة إلى المجتمع الريفي والحرب؛ ثم شهادات الأسرى في سجون عبد الكريم”.

وأفاد الغروسي بأن “النصوص التي يضمنها كتاب ‘في الريف’ نادرة، تفتح نافذة على الحياة اليومية في الريف، وعلى أوضاع الأسرى، وعلى بعض الجوانب الإنسانية والسياسية التي ظلت أقل حضورا في الكتابات المتداولة”.

ويعتمد الكتاب على ثلاثة مصنفات رئيسية تعود إلى سنة 1926، في مرحلة اقتراب الحرب من نهايتها. المصنف الأول يضم يوميات ومذكرات بيير باران، الذي زار منطقة الريف في رحلتين خلال تلك السنة. باران، وهو من معطوبي الحرب العالمية الأولى ورئيس فدرالية قدامى المحاربين بالمغرب، انتقل إلى الريف في مهمة ذات طابع إنساني تتعلق بزيارة الأسرى الأوروبيين، غير أن نصوصه تكشف عن تداخل هذا البعد مع رهانات سياسية مرتبطة بسياق الحرب.

تقدم هذه اليوميات وصفاً دقيقاً لمسارات التنقل داخل مناطق الريف، والصعوبات التي واجهها الكاتب، كما توثق أوضاع الأسرى الأوروبيين في مواقع متعددة، بينها تماسينت وبوصالح وسيدي عبد الله بن يوسف. وتنقل أيضاً تفاصيل اللقاءات التي عقدها باران مع محمد بن عبد الكريم الخطابي وعدد من قيادات الريف، وما تضمنته من نقاشات تعكس مواقف السكان المحليين من الحرب ورؤيتهم للصراع.

المصنف الثاني يضم تقارير الصحافي أوغست مونتاني، التي كتبها من داخل مناطق القتال لصالح صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية. مونتاني، وهو ضابط سابق، قدم قراءة ميدانية للحرب استندت إلى خبرته العسكرية، ما أتاح له تجاوز الصورة النمطية التي روجت لها بعض الخطابات في تلك الفترة.

وتعرض هذه التقارير ملامح مجتمع الريف خلال الحرب، من حيث تنظيمه الاجتماعي وبنياته، إضافة إلى رصدها آثار العمليات العسكرية على السكان. كما تتضمن ملاحظات حول أساليب القتال، بما في ذلك القصف الجوي واستعمال الغازات السامة، وانعكاس ذلك على الأوضاع الإنسانية.

أما المصنف الثالث، فيجمع شهادات أسرى أوروبيين تم نشرها في الصحافة الفرنسية خلال تلك المرحلة. هذه الشهادات تقدم روايات تفصيلية عن تجربة الأسر، تشمل ظروف العيش اليومية، والعلاقات مع الحراس والسكان المحليين، إلى جانب مشاعر الخوف والتوتر التي رافقت تلك التجربة.

وتبرز أهمية هذه المادة في كونها تقدم منظوراً إنسانياً مباشراً، يعكس تفاصيل الحياة داخل مناطق الحرب بعيداً عن التحليلات العامة، ويكشف عن جوانب ظلّت محدودة الحضور في الكتابات التاريخية المتداولة.

ويقوم الكتاب على جمع هذه المواد ضمن بناء واحد، يتيح تقاطع الشهادات وتعدد زوايا النظر، ما يقدّم صورة أكثر تركيباً عن حرب الريف، تجمع بين البعدين الإنساني والسياسي، وتبتعد عن الاختزال الذي طبع بعض السرديات السابقة.

ويُتوقع أن يشكل هذا الإصدار مرجعاً للباحثين والمهتمين بتاريخ الريف والمقاومة، لما يوفره من وثائق مباشرة ومعطيات دقيقة، تفتح المجال أمام دراسات جديدة حول هذه المرحلة، في سياق يتجدد فيه النقاش حول الذاكرة التاريخية بعد مرور قرن على نهاية الحرب.

The post كتاب جديد يعيد توثيق حرب الريف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress