كانّ 79 - "الليلة الثالثة": نصف حقيقة الأب غلاسبرغ

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بعد مسيرة طويلة كأحد كبار الممثّلين في السينما الفرنسية، انتقل دانيال أوتوي في سنواته المتأخرة، إلى تجربة الإخراج. ومنذ ذلك الحين، يبدو أن شهيته انفتحت على هذا العالم الجديد، كأنه وجد في الوقوف خلف الكاميرا لذة توازي وقوفه أمامها. بعد "الخيط" الذي عُرض قبل عامين في مهرجان كانّ السينمائي، يعود إلى طبعته الجديدة (12 - 23 أيار/مايو) مع "الليلة الثالثة" (ضمن قسم ”كانّ بروميير“)، وهو عمل يمكن وصفه بأنه متوسط الجودة، رغم ما يتخلّله من لحظات لافتة. ولعلّ أدق توصيف له أنه أقرب إلى نصف نجاح منه إلى نصف إخفاق.

تدور الحبكة خلال الاحتلال الألماني لفرنسا، في آب 1942، حيث يتابع الفيلم شخصية جيلبير لوزاج (أنطوان رينارتس)، المدير الشاب لـ"مصلحة الشؤون الاجتماعية للأجانب" التابعة لنظام فيشي، وهو يحاول، في حدود قدراته، إنقاذ اليهود من الترحيل. في المقابل، يبرز الكاهن ألكسندر غلاسبرغ (1902 – 1981)، الذي يضطلع بدور مواز يقوم على إيواء اليهود وتأمين سبل نجاتهم.

سيتساءل القارئ هنا: هل نحن أمام فيلم جديد عن المحرقة واليهود والحرب العالمية الثانية؟ ليس تماماً. فإذا كان للألمان أوسكار شندلر، الذي خلّده ستيفن سبيلبرغ، فلماذا لا ينصف الفرنسيون ألكسندر غلاسبرغ، الكاهن الذي أنقذ مئة وثمانية طفلاً يهودياً خلال ما عُرف بترحيل يهود فرنسا، بمشاركة المتعاونين مع النازيين، نحو معسكرات الاعتقال؟

الفيلم، في جوهره، ليس عن الموت بقدر ما هو عن فعل الإنقاذ ذاته، تماماً كما كان "لائحة شندلر" في أحد وجوهه، احتفاء بفكرة النجاة من قلب الفاجعة. من هنا، يبدو العمل كأنه وجهٌ مشرق يطلّ من داخل مأساة إنسانية، يحاول دانيال أوتوي أن يضيء عليها من دون أن يعزلنا عن سياقها القاسي، بل على العكس، يضعنا في صميم المخاض التاريخي والأخلاقي الذي أفضى إلى تلك اللحظة الفاصلة بين الهلاك والنجاة.

تأخرت السينما طويلاً في الالتفات إلى شخصية الأب غلاسبرغ، الذي وُلد في بولندا، وتخلّى عن يهوديته ليتحوّل إلى المسيحية، قبل أن ينخرط في صفوف المقاومة الفرنسية. يعيد الفيلم الاعتبار إلى دوره الذي ظلّ مطموساً رغم وضوح أثره وأهميته، وكأنه يزيح الغبار عن سيرة ظلّت في الهامش طويلاً.

 

فيلم يعود إلى الحرب العالمية الثانية.

 

يؤدي أوتوي دور غلاسبرغ بنفسه، وهو خيار يحمل دلالات واضحة على مدى انخراطه في الشخصية وتماهيه معها، حتى وإن كان الفارق العمري بينه وبين غلاسبرغ يتجاوز الثلاثين عاماً، إذ كان الأخير في مطلع الأربعينات خلال فترة الاحتلال النازي لفرنسا.

لكن لهذا الكاهن جانب آخر أيضاً، لا يكتفي الفيلم بتجاهله فحسب، وإنما يمرّ عليه بصمت يكاد يرقى إلى مستوى التعمية. فبعد الحرب، انخرط في علاقات مع جهاز الموساد، وساهم في مساعدة عدد من اليهود على الهجرة إلى إسرائيل، وكان له دور في نجاح عملية "إكسودوس"، كما ساعد في إعداد وثائق مزوّرة لركّاب السفينة. وعقب إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، شارك في تسهيل التواصل بين القوات اليهودية في القدس الشرقية والغربية عبر قنوات سرّية مرّت من خلال الطوائف الكاثوليكية في المدينة. كما عمل لصالح "الهاغاناه" على شراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا وتهريبها عبر كورسيكا. وفي عام 1951، شارك في عملية "عزرا ونحميا"، وهي جسر جوي نظّمه الموساد لإجلاء اليهود العراقيين. وخلال زياراته إسرائيل، علّق آمالاً كبيرة على النموذج الاجتماعي للمستوطنات، قبل أن يُصاب لاحقاً بخيبة أمل، خاصةً بعد حرب 1967، ممّا دفعه إلى الانخراط في مبادرات ذات طابع سلمي جمعت بين إسرائيليين وفلسطينيين.

السؤال: هل يحقّ لأي فيلم أن يستند إلى فصل محدّد من سيرة شخصية ما، اذا كان يتناقض مع فصول أخرى من حيث الجوهر؟ إنها المعضلة نفسها التي يثيرها فيلم "مايكل" عن حياة جاكسون، على أي حال. الإلمام الكامل بسيرة غلاسبرغ يظلّ ضرورياً لتكوين صورة أشمل عنه، صورة تُذكِّر مرةً أخرى بتعقيد الإنسان وقدرته على أن يكون حملاً هنا وذئباً هناك.
سينمائياً، يبدو الفيلم مشغولاً بعناية، ويتقدّم بإيقاع يتصاعد لقطة بعد أخرى، من دون أن يبلغ الذروة التي كان يمكن أن يمنحها الموضوع. الجماليات حاضرة، لكن بعض الاختيارات البصرية (مثل تساقط المطر في لحظات مفصلية) لا تكفي وحدها لإضفاء عمق درامي حقيقي على المَشهد، بل تبدو أقرب إلى تزيين بصري. الانفعال يتأخّر، وعندما يحضر يكون قد فات أوانه.

في المقابل، تبدو الشخصيات "الشريرة" المكلَّفة ترحيل اليهود لإرضاء الماريشال بيتان، من أضعف عناصر الفيلم، إذ تُرسَم بملامح كاريكاتورية، كأن مخططاتهم مكتوبة بوضوح على وجوههم.

ورغم ذلك، يضم الفيلم لحظات جميلة تطرح مواجهة مباشرة بين قوتين: قوة تستند إلى الضمير، وأخرى تكتفي بتنفيذ الأوامر. هذه المواجهة بين الفرد والنظام، حاضرة في بنية الفيلم، لكنها لا تُستَثمر دائماً إلى أقصاها. في النهاية، تبدو نيّات أوتوي صادقة وواضحة، لكن السينما الكبرى لا تقوم على النيات.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية