كاظم الساهر يفتح صندوق أسراره... هل أخطأ في قراءة "خلوة" فيروز؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أثارت تصريحات الفنان كاظم الساهر الأخيرة، التي وصف فيها لقاءه بـ"السيدة الكبرى" فيروز بأنه ترك في نفسه "أثراً نفسياً مؤذياً" لشعوره بأنها "حبيسة شهرتها"، ولم تعش حياة تستحقها، جدلاً نقدياً واسعاً، ولا سيما بسبب وصفه لها بـ"المسكينة". وفي حين تعكس كلمات "القيصر" تعاطفاً إنسانياً نابعاً ربما من إسقاط هواجسه الشخصية تجاه ضريبة النجومية ومخاوفه من العزلة، تكشف القراءة العميقة لواقع "جارة القمر" زاوية مختلفة تماماً؛ فما اعتبره الساهر "سجناً وقيوداً"، ليس في حقيقته سوى "مملكة صمت"، اختارتها فيروز بكامل إرادتها الحرة، لتصنع منها درعاً تحمي روحها وفنها.

وقال الساهر: "خرجت من عند السيدة فيروز وأنا متأذٍ نفسياً. رأيت حياتها وشعرت بأنها لم تعش الحياة كما تستحق. الفنان إنسان قد يكون أقلّ من الصورة التي رسمها له الجمهور، لكنه يضحّي بكل شيء ليبقى مقدساً في عيونهم".

لكن فاته - على الأرجح - أن "الابتعاد" الذي تعيشه فيروز، والتي أطلقت عليها صحيفة "الغارديان" البريطانية لقب "الديفا الصامتة"، ليس انسحاباً قسرياً فرضه ثقل الاسم أو هالة التقديس الجماهيري، بل هو خلوة إرادية، وحالة من التماهي الكامل مع فنها وتأملاتها، بعيداً عن صخب الحياة اليومية الاستهلاكية؛ فهي تحررت من الحاجة إلى "الإطلالة" في بودكاست أو أيّ منبر لتأكيد حضورها، وحتى كي تعود إلى ذاكرة، إذ هي لا تغيب عنها أصلاً، متحدّيةً سطوة الزمن كحاضر دائم. ورغم صورتها الأيقونية، لم تتنكر فيروز يوماً لماضيها البسيط، ولم تدّع كبرياء النجومية يمحو ملامح طفولتها الوديعة في كنف عائلة متواضعة. لذلك، ابتعادها ليس كما قد يُفسّره البعض، بل هو نضج إنساني عميق، هو ببساطة: المكان حيث تريد أن تكون الآن.

 

 

 

بحزن ووجع القيصر #كاظم_الساهر يتحدث عن لقائه بالسيدة #فيروز pic.twitter.com/RtLUsyf18k

— Elie Merheb (@_ElieMerheb) June 10, 2026

 

 

طفولة قاسية: صناعة الأمل من الألم

وفي محاور أخرى خلال استضافته في برنامج "ABtalks" مع الإعلامي أنس بوخش، أطل الساهر على جمهوره بوجه الإنسان المثقل بالذكريات، والانكسارات، والنجاحات، متنقلاً بين صفحات طفولته القاسية في العراق، وندمه العاطفي، وصولاً إلى خبايا عزلته الاختيارية ومحطاته الفنية المقبلة.

وُلد كاظم الساهر في 12 أيلول (سبتمبر) 1957 في مدينة الموصل، ليجد نفسه وسط بيئة فقيرة ومعدمة فرضت عليه إيقاعها القاسي. لم تكن تلك البدايات سوى الوقود الذي أشعل شرارة طموحه، حيث اضطر إلى النزول إلى معترك العمل وهو في العاشرة من عمره لمساندة أسرته.

لم تخلُ تلك المرحلة من لمسات الإبداع الفطري؛ فبسبب عجزه عن شراء الألعاب، كان الساهر يجمع الأسلاك والمواد البسيطة من مكبات النفايات ليصنع منها سيارات وألعاباً بخياله الخصب، في تجربة مبكرة صقلت علاقته بالابتكار وصناعة الجمال من العدم. وعن هذه المرحلة، قال:"أنا خُلقت من رحم المعاناة، لكن التحدي والمسؤولية كانا جزءاً من جيناتي وطبيعة شخصيتي منذ الصغر".

 

 

كاظم الساهر (سوشيال ميديا)

 

مآسي العائلة وموقف شجاع أمام الملك

استرجع الساهر ذكريات عائلية محفورة في ذاكرته، واصفاً والدته بـ"المرأة الجبارة" التي تحملت الكثير، ولا سيما أن والده تزوج بأربع نساء، معلّقاً على ذلك بقوله: "الرجال غير ملتزمين بشكل عام".

واستذكر الساهر الفاجعة الأقسى المتمثلة بوفاة شقيقته "صباح"، التي لم تتجاوز العام والنصف من عمرها، إثر لدغة عقرب أو أفعى. في المقابل، تظل الفرحة الأجمل في طفولته متمثلة بلحظة شراء والدته قميصاً جديداً له.

وكشف الساهر عن حادثة تاريخية كادت تعصف بعائلته، حين صدر حكم ظالم بإعدام والده. يومها، وقفت والدته التي كانت حاملاً بشقيقه الأكبر بشجاعة أمام موكب ملك العراق لترفع مظلمتها، مؤكدة أن زوجها "مظلوم" ولم يقترف ذنباً. وبالفعل، استجاب الملك لندائها وأصدر في اليوم التالي قراراً بإلغاء حكم الإعدام.

 

 

كاظم الساهر وحفيدتاه (سوشيال ميديا)

 

 

جراح العاطفة: عقدة الذنب وقرار الوحدة الأبدي

في واحد من أكثر محاور اللقاء شجناً، حسم "القيصر" موقفه من الارتباط مجدداً، معلناً رغبته القاطعة في العيش وحيداً ومقسماً على عدم تكرار تجربة الزواج. ويعود هذا القرار الصارم إلى شعور عميق ومستمر بالذنب تجاه زوجته السابقة الراحلة، أم ولديه وابنة عمه، السيدة عروبة الساهر، التي توفيت عام 2022 (رغم انفصالهما عام 1996)، حيث يحمّل نفسه مسؤولية فشل زواجهما. وبرر الساهر موقفه قائلاً: "أنا حساس جداً في هذا العمر لكل كلمة، وأرفض أن أظلم امرأة أخرى معي، لذلك فضّلت الوحدة على تعقيدات العلاقات".

 

 

كاظم الساهر يمتنع عن الزواج مرة ثانية لان شعوره مازال مرتبط بأم اولاده السيدة عروبة الساهر رحمة الله عليها pic.twitter.com/VJsPJWcMrs

— Sophia Haddad (@Sophiaehaddad) June 9, 2026

 

 

النساء والصداقة والخيانة

عند سؤاله عن العلاقات الإنسانية، فضّل الساهر عدم إطلاق أحكام مطلقة حول الصداقة بين الجنسين، لكنه اعترف بأهمية الحضور النسائي في حياته: "لديّ صديقات ساعدنني كثيراً في حياتي، وهنّ بمثابة سند حقيقي لي". وأضاف بابتسامة مازحة تقارب الواقع: "لكن من المستحيل أن تقبل المرأة صداقة زوجها لامرأة أخرى!".

وأما في ما يخص الخيانة، فكان القيصر صارماً وحاسماً، مؤكداً مبدأه الذي لا يحيد عنه: "أنا رجل لا يغفر كسر الثقة أبداً".

صراعات النفس والبحث عن السلام الداخلي

لم يخجل الساهر من الاعتراف بهشاشته الإنسانية، كاشفاً أنه استعان أخيراً بطبيب نفسي لمواجهة أزمة "جلد الذات" التي ترافقه منذ سنوات، إضافة إلى رغبته في التخلص من القلق والتوتر الدائمين المرتبطين بحرصه الشديد على جودة فنه.

وأشار إلى أنه لا يحبّ الليل، ولا يرى نفسه صديقاً لذاته، واصفاً شخصيته بأنها "صعبة ومتعبة"، لتظل الموسيقى هي ملاذه الآمن الوحيد. وبعد تجربة الفقد القاسية لأم أولاده، أدرك الساهر حقيقة أن: "الحياة وهم". وقد استطاع تجاوز محنته باللجوء إلى الصلاة، وتعميق علاقته بالله، والاستناد إلى دعم أصدقائه.

 

 

ماذا يعني العراق لكاظم الساهر ♥️🇮🇶 pic.twitter.com/qM8vEffUib

— Sophia Haddad (@Sophiaehaddad) June 9, 2026

 

 

العراق في القلب.. ووفاء للإمارات

تحدث الساهر بعاطفة جياشة عن وطنه الأم، مؤكداً أن تأثير العراق يتغلغل في ثنايا كلّ لحن وكل أغنية قدّمها. ووصف العراق بأنه ليس مجرد مسقط رأس، بل هو "أبوه وأمه وكل شيء في حياته".

ولم ينسَ الساهر توجيه رسائل الوفاء والامتنان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد استذكر كيف تحدّى نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ظروف الحصار الدولي القاسي على العراق، ليضمن مشاركة الساهر في مهرجان "ليالي دبي" عام 1997.

وروى قصة مؤثرة تعود لغنائه قصيدة "تذكّر كلما صليت ليلاً"، التي أهداها لأطفال العراق، وكيف لامست تلك الكلمات قلب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي سارع إثرها لإطلاق "سفن الرحمة" محملة بمساعدات إنسانية بلغت قيمتها مليوني درهم، وُجهت مباشرة لأطفال العراق ومراكز رعاية ذوي الإعاقة هناك.

الإرث الفني والألبوم المنتظر

بالنسبة إلى مستقبله الفني والإرث الذي يطمح لتركه، يتمنى الساهر ألا تُنسى موسيقاه، وأن تظل بمثابة "رحلة تأمل" ترافق المستمعين في لحظات خلوتهم. وعن أمنيته الأخيرة، صرّح بوضوح: "أتمنى حتى آخر يوم في عمري أن أفنى، وأن تكون نهايتي على المسرح".

وعندما طُلب منه تلخيص نفسه بكلمة واحدة في ختام اللقاء، اختار بتواضع كلمة "إنسان"، في إشارة إلى تمسكه ببساطته رغم بريق الشهرة.

وأعلن الساهر تسليمه لألبومه العراقي الجديد للشركة المنتجة، والذي تأجل طرحه بسبب الظروف الإقليمية الصعبة، وتم الاتفاق على استراتيجية لإصدار الأغاني بشكل منفرد (أغنية كل أسبوعين أو ثلاثة) لضمان استمرار التواصل مع الجمهور.

وكشف أن أغنية بعنوان "كتاب الحزن" ستكون أولى إصدارات هذا الألبوم، كما شوّق جمهوره لمشروع درامي مقبل، واصفاً إياه بأنه عمل "ثقيل وقوي" ومُشبع بالمشاعر.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية