كاتدرائية الرقاد في كييف... دُمّرت قبل 85 عاماً وطالها القصف أخيراً

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تتوسّط كاتدرائية رقاد السيدة العذراء مجمّع دير كييف بيشيرسك لافرا - أو دير الكهوف - في أوكرانيا. وعلى مدى ما يقارب ألف عام، احتلّت مكانة فريدة في المخيال الديني لأوروبا الشرقية. فقد كانت كنيسة بيزنطية، ومزاراً أميرياً، ومركزاً رهبانياً، ورمزاً للإمبراطورية، وضحيةً للحرب، وأطلالاً سوفياتية، ونصباً وطنياً أُعيد بناؤه، ثم أصبحت في السنوات الأخيرة إحدى النقاط المحورية في صراع أوكرانيا حول التاريخ والسيادة والهوية الثقافية.

ليل الأحد - الاثنين 14 - 15 حزيران/يونيو، تسبّبت موجة قصف روسي ليلي بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أوكرانيا، بأضرار في عدد من المواقع الثقافية والدينية. ومن بين هذه المواقع، اندلع حريق في سقف الكاتدرائية.

 

دخان يتصاعد فوق قباب الكاتدرائية في كييف. (أ ف ب)

 

يومها، اتّهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي روسيا باستهداف المنطقة التي يقع فيها الدير "عمداً" بواسطة طائرتين مسيّرتين، فيما أعلنت أجهزة الأمن الأوكرانية (SBU) العثور على حطام طائرة روسية من طراز "غيران-2" في موقع الإصابة. في المقابل، نفت وزارة الدفاع الروسية استهداف الكاتدرائية، مؤكّدة أنّ الأضرار نجمت عن صاروخ "باتريوت" أميركي الصنع أطلقته الدفاعات الجوية الأوكرانية.

 

وبحسب صحيفة "غلافكوم" الأوكرانية، ستُنظَّم حملة تطوعية لأعمال التنظيف والترميم في باحة بيشيرسك لافرا خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 8 تموز/يوليو لمعالجة أضرار القصف الذي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 44 آخرين.

 

كاتدرائية ترفض الزوال

في صباح هادئ من صباحات كييف، يعبر الزوار بوابات دير الكهوف ويتّجهون صعوداً نحو الكاتدرائية التي تهيمن على المجمّع الرهباني. تتلألأ جدرانها البيضاء في الضوء، وترتفع قبابها الخضراء والذهبية فوق وادي نهر دنيبرو. يرسم الحجاج إشارة الصليب على صدورهم، يرفع السياح كاميراتهم، ويتحرّك الكهنة في أرجاء الحرم تحت وقع الأجراس.

 

رجال إطفاء فوق سقف الكاتدرائية المُدمَّر. (أ ف ب)

 

كاتدرائية عتيقة، صحيح؛ لكنها، من زاوية أخرى، تبدو حديثة. المبنى القائم اليوم لم يكتمل إلا عام 2000، بعدما أُعيد تشييده عقب عقود طويلة لم تكن فيها الكاتدرائية الأصلية سوى ندبة في المشهد الطبيعي خلّفها أحد أكثر أعمال التدمير إثارةً للجدل في أوروبا القرن العشرين.

هذه المفارقة هي التي تحدّد مكانة الكاتدرائية في الذاكرة الأوكرانية. فكاتدرائية الرقاد هي في آنٍ واحد ناجية ومُعاد بناءها. إنها تعود إلى العصور الوسطى، لكنها حديثة أيضاً. وهي أثرٌ يستمدّ سلطته لا من استمرارية مادية غير منقطعة، وإنما من استمرار المعنى عبر حلقات متكررة من الخراب.

اكتسب هذا الاستمرار دلالة جديدة منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. فمع ما ألحقته الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة من أضرار بالكنائس والمتاحف والمكتبات والمواقع الأثرية في أنحاء البلاد، أصبحت كاتدرائية الرقاد تذكيراً بضرورة الدفاع عن التراث الثقافي الموروث.

لفهم سبب أهمية الكاتدرائية اليوم، لا بد من البدء بالكلمة التي منحتها اسمها.

الرقاد: لاهوت الموت من دون نهائية

تشتقّ كلمة "الرقاد" (Dormition) من اللاتينية "dormitio"، أي "النوم" أو "الاستغراق في النوم". وفي المسيحية الشرقية، يشير الرقاد إلى وفاة السيدة العذراء مريم. غير أنّ المصطلح يحمل دلالة لاهوتية كثيراً ما تضيع في الترجمة.

 

جهود إخماد حريق الكاتدرائية. (هيئة الطوارئ الحكومية الأوكرانية)

 

فعلى خلاف الموت العادي، يُفهم الرقاد بوصفه عبوراً. ووفقاً للتقليد الأرثوذكسي، توفيت مريم بسلام وهي محاطة بالرسل. ثم تلقّى يسوع المسيح روحها، وغالباً ما يُصوَّر ذلك في الأيقونات على هيئة طفل ملفوف بثوب أبيض. وبعد ذلك مُجِّد جسدها وأُخذ إلى الحياة السماوية.

أما المسيحية الغربية فقد طوّرت عقيدةً مرتبطةً بهذا المفهوم لكنها مختلفة عنه، هي عقيدة انتقال العذراء إلى السماء. وقد أعلن البابا بيوس الثاني عشر هذه العقيدة عقيدةً إيمانية رسمية عام 1950، وهي تنصّ على أنّ مريم انتقلت بجسدها إلى السماء، مع ترك مسألة ما إذا كانت قد ماتت أولاً مفتوحة.

في المقابل، تؤكّد الأرثوذكسية الشرقية عموماً حقيقة وفاة مريم. وقد يبدو الفرق دقيقاً، لكنه ذو أهمية كبيرة. فالرقاد لا ينكر الفناء البشري، بل يحوّل هذا الفناء إلى وعد بالاستمرار. وقد أصبح هذا المفهوم اللاهوتي مؤثراً إلى حدٍّ بعيد في أنحاء العالم الأرثوذكسي. فظهرت كنائس مكرّسة للرقاد من القسطنطينية إلى البلقان، ومن جبل آثوس إلى موسكوفي، ومن جورجيا إلى أوكرانيا.

كثير من أهم الكاتدرائيات الأرثوذكسية تحمل هذا الاسم؛ إذ يُجسّد هذا التكريس إحدى المفارقات المسيحية الأساسية: الموت حقيقة، لكنّ الدمار ليس الكلمة الأخيرة.

وسيثبت هذا الرمز ملاءمته اللافتة لتاريخ كاتدرائية كييف نفسها. فمرة تلو الأخرى، كانت تبدو وكأنها اندثرت، ومرة تلو الأخرى، كانت تعود منتصرة على الفناء.

بناء عاصمة مقدسة

ظهرت الكاتدرائية خلال واحدة من أكثر الفترات حسماً في تاريخ أوروبا الشرقية. عام 988، اعتنق فلاديمير الكبير المسيحية للدولة المعروفة باسم "روسيا الكييفية". وقد ربط هذا التحول الدولة الناشئة بالفضاء الثقافي والديني البيزنطي.

 

رجل دين ينظّف كاتدرائية رقاد السيدة العذراء. (أ ف ب)

 

أعاد القرار رسم الجغرافيا السياسية لأوروبا الشرقية، وبحلول القرن الحادي عشر، أصبحت كييف واحدة من أكبر مدن القارة، ومركزاً للتجارة والديبلوماسية والثقافة المكتوبة والحياة الدينية.

أمّا دير الكهوف، فقد تأسّس في منتصف القرن الحادي عشر على يد رهبان نسّاك أقاموا مساكن كهفية في التلال المطلة على نهر دنيبرو. وسرعان ما تطوّر الدير ليصبح إحدى أكثر المؤسسات الروحية تأثيراً في العالم الأرثوذكسي.

بدأ بناء كاتدرائية الرقاد عام 1073 في عهد الأمير سفياتوسلاف الثاني أمير كييف، واكتمل عام 1078. ووفقاً للتقليد الرهباني، شارك مهندسون معماريون بيزنطيون في المشروع، ممّا عزز الصلة الرمزية بين الدير والقسطنطينية.

جسّد المبنى اندماج روسيا الكييفية في الكومنولث البيزنطي، وهو فضاء ثقافي واسع توحّد لا عبر السيطرة السياسية، بل عبر أشكال دينية مشتركة ولغات فنية وتقاليد فكرية متقاربة.

 

سقف الكاتدرائية وقد التهمته النيران. (أ ف ب)

 

وهكذا أصبحت الكاتدرائية القلب الاحتفالي للدير. تبرّع الأمراء بالأموال، نسخ الرهبان المخطوطات، وصل الحجاج من بلاد بعيدة، تراكمت الذخائر المقدسة، دُوّنت الوقائع التاريخية، وساهم الدير في تشكيل الأسس الروحية والأدبية للحضارة السلافية الشرقية.

وقبل ظهور الدول الحديثة بقرون طويلة، كانت الكاتدرائية واحدة من أبرز المراكز المقدسة التي انتشرت منها الثقافة الدينية عبر الأراضي التي ستصبح لاحقاً أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا.

عبر الإمبراطوريات والكوارث

قلّما شهد أثر أوروبي هذا العدد من التحولات السياسية مع احتفاظه بأهميته المستمرة. فقد اجتاح المغول كييف عام 1240؛ وعندما استولت جيوش باتو خان على المدينة، دُمِّر جزء كبير من كييف في العصور الوسطى.

لكن الكاتدرائية نجت، وإن كانت متضررة، واكتسب بقاؤها دلالة رمزية كبيرة. فحتى مع انتقال مراكز السلطة إلى أماكن أخرى، احتفظ الدير بمكانته الروحية. وفي القرون اللاحقة أصبحت كييف جزءاً من دوقية ليتوانيا الكبرى ثم من الكومنولث البولندي - الليتواني.

تصاعدت التوترات الدينية مع تنافس التقاليد الكاثوليكية والأرثوذكسية ثم اليونانية الكاثوليكية على النفوذ. وبرز دير لافرا مدافعاً رئيسياً عن الثقافة الأرثوذكسية. فنشطت المطابع داخل الدير، وازدهرت الدراسات اللاهوتية، وأصبحت الكاتدرائية رمزاً للاستمرارية وسط تغير الحكام السياسيين، وجلب القرن السابع عشر تحولاً جديداً.

فقد شهد عصر القوزاق نهضة للمؤسسات الأرثوذكسية ومشروعاً طموحاً للتجديد المعماري. وأُعيد تشكيل البنية البيزنطية الوسيطة وفق جماليات الباروك الأوكراني. ولم يكن ذلك مجرد تحديث أسلوبي، بل كان تعبيراً عن نشوء توليفة ثقافية مميزة. امتزجت التأثيرات الزخرفية الغربية بالتقاليد الأرثوذكسية. وأعادت القباب والواجهات والزخارف الجديدة تشكيل الكاتدرائية لتصبح أحد أشهر معالم أوروبا الشرقية.

 

باحةٌ داخل الدير عام 1902. (مكتبة الكونغرس)

 

وعندما بدأت الإمبراطورية الروسية بضم الأراضي الأوكرانية تدريجياً، اكتسبت الكاتدرائية معاني إمبراطورية جديدة. فقد نظر الحكّام الروس إلى كييف بوصفها مهد المسيحية السلافية الشرقية. وأصبح الدير مركزاً للحج يخدم السرديات الإمبراطورية التي ربطت روس الكييفية الوسيطة بالدولة الروسية.

غير أنّ العلاقة ظلت معقدة. فبالنسبة إلى الأوكرانيين، كان الدير أيضاً تجسيداً للتقاليد المحلية والذاكرة الإقليمية وتجربة تاريخية مميزة. وهكذا شغلت الكاتدرائية دوراً مزدوجاً: رمزاً إمبراطورياً ومزاراً وطنياً. ولا تزال هذه الازدواجية شديدة الحساسية سياسياً حتى اليوم.

العمارة مخطوطة تاريخية متعددة الطبقات

عكست البنية الأصلية العائدة إلى القرن الحادي عشر المبادئ المعمارية البيزنطية. وكان مخطّطها القائم على الصليب داخل مربع، وتكوينها المقبب، وهندستها المقدسة، يربطها باللغة المعمارية للقسطنطينية.

لكن المبنى تطور مع الزمن، إذ غيّرت أعمال التجديد بالباروك الأوكراني في القرنين السابع عشر والثامن عشر مظهره جذرياً. وأنتج ذلك بنية جمعت بين الأسس البيزنطية والابتكارات المحلية: جدران بيضاء مكسوة بالجص؛ برامج زخرفية متقنة؛ قباب مذهبة متعددة؛ تركيز عمودي يميز العمارة الكنسية الأوكرانية. وأصبحت الكاتدرائية تعبيراً بصرياً عن الاستمرارية التاريخية أكثر منها سعياً إلى النقاء المعماري.

في الداخل، ساهمت أجيال متعاقبة من الفنانين في إنجاز الجداريات والأيقونات والفسيفساء والأثاث الطقسي. وكان الفضاء المقدس يؤدي وظيفة بيئة لاهوتية متكاملة؛ فالعمارة الأرثوذكسية لا تُصمم لمجرد إيواء العبادة، وإنما لكشف رؤية معينة للواقع. والأيقونات تخلق فضاء لقاء بين العالمين الأرضي والسماوي، والنور يرمز إلى الحضور الإلهي، والقبة تمثل النظام الكوني... وكلّ عنصر يشارك في نحوٍ روحي أشمل.

انفجار عام 1941

في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 1941، اختفت الكاتدرائية. دمّرها انفجار هائل، ولم يترك وراءه سوى الأنقاض. وقع الحدث بعد فترة قصيرة من زيارة القوات الألمانية في كييف للموقع. ولا تزال ظروف الحادث من أكثر حلقات التدمير الثقافي زمن الحرب إثارة للجدل. فعلى مدى عقود، حمّلت السلطات السوفياتية الألمان المسؤولية، لكن أدلة لاحقة أشارت إلى قصة أكثر تعقيداً.

 

أنقاض الكاتدرائية في تشرين الثاني/نوفمبر 1941. (مكتبة الكونغرس)

 

يرى كثير من المؤرخين اليوم أنّ قوات الأمن السوفياتية زرعت المتفجرات قبل انسحابها من كييف، ثم فجرتها عن بُعد بعد بدء الاحتلال الألماني. ولا يزال الجدل حول القضية حساساً سياسياً، أمّا المؤكّد فهو النتيجة. فقد اختفى أحد أهم المعالم الدينية في أوروبا الشرقية.

تجاوز أثر التدمير حدود العمارة. في غضون ثوانٍ، مُحي مركز مقدس صمد أمام الغزو المغولي والاضطرابات السياسية والتحولات الإمبراطورية. بالنسبة إلى المؤمنين، كان ذلك خسارة روحية. وبالنسبة إلى المؤرخين، كارثة ثقافية. أما بالنسبة إلى الأوكرانيين، فقد أصبح رمزاً لعنف القرن العشرين الموجّه ليس إلى البشر فقط، وإنما إلى الذاكرة ذاتها.

إعادة بناء ما لا يُعوَّض

بقيت الكاتدرائية أطلالاً طوال الحقبة السوفياتية، وكان هذا الغياب مقصوداً. فالتزام الدولة السوفياتية بالإلحاد حوّل الكنائس إلى متاحف أو مستودعات أو هياكل مهجورة. وظلّت الكاتدرائية المدمّرة شاهداً على عالم ديني اندثر.

بعد استقلال أوكرانيا عام 1991، برز نقاش حول ما إذا كان ينبغي إعادة بناء الكاتدرائية. وانقسم حول السؤال باحثون ومعماريون وخبراء حفظ تراث وقادة دينيون. هل يمكن حقاً إعادة بناء أثر مفقود؟ هل تنتج إعادة الإعمار أصالة أم محاكاة؟ وما الذي كان يُستعاد بالضبط: المبنى أم الذاكرة أم النظام الرمزي الذي يمثله؟

 

كنيسة المائدة في الدير عام 1977، بينما بقيت كاتدرائية الرقاد من دون ترميم. (وكالة تاس)

 

عكست هذه النقاشات جدالات دولية أوسع حول إعادة بناء المعالم المدمّرة، من المدينة القديمة في وارسو إلى كنيسة فراونكيرشه في دريسدن. وفي النهاية، اختارت أوكرانيا إعادة البناء، وبدأت الأعمال في تسعينيات القرن العشرين، واستند المشروع إلى الأدلة الأثرية والرسوم التاريخية والصور الفوتوغرافية والوثائق المتبقية.

وفي عام 2000، أعيد افتتاح الكاتدرائية. وصيح أنّ منتقدين رأوا أنّ النسخة المعاد بناؤها لا يمكن أن تحلّ محلّ الأصل، غير أنّ المؤيّدين أكّدوا أنّ أهمية الكاتدرائية كانت دائماً تتجاوز مادتها الفيزيائية.

 

ساحة معركة للسرديات

تقف الكاتدرائية اليوم في قلب واحد من أكثر المشاهد الدينية إثارةً للنزاع السياسي في أوروبا. يحتلّ دير الكهوف موقعاً مركزياً في السرديات التاريخية المتنافسة التي تطرحها أوكرانيا وروسيا. ولقرون طويلة، صوّرت التقاليد الدينية والسياسية الروسية كييف على أنّها مهد حضارة سلافية شرقية أوسع بلغت اكتمالها في موسكو.

أما المؤرخون الأوكرانيون فيشدّدون بصورة متزايدة على تفسير مختلف. فهم يرون أنّ روسيا الكييفية تشكّل فصلاً تأسيسياً في التاريخ الأوكراني، وأنّ السرديات الإمبراطورية اللاحقة استحوذت على هذا الإرث.

وهكذا تتموضع الكاتدرائية في صلب النقاشات المتعلقة بملكية التراث الثقافي. من يرث روس الكييفية؟ ومن يتحدث باسم تقاليدها؟ ومن يسيطر على مواقعها المقدسة؟

 

دخان يتصاعد فوق قباب الكاتدرائية. (أ ف ب)

 

ازدادت هذه الأسئلة حدّة بعد تأسيس الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ومنحها الاستقلال الكنسي (الأوتوقيفالية) من قبل البطريرك المسكوني برثلماوس الأول عام 2019. وأصبح دير الكهوف طرفاً في نزاعات تتعلق بالسلطة الكنسية والسياسة الحكومية والهوية الوطنية.

وهكذا، تؤدّي الكاتدرائية في الوقت نفسه دور مكان للعبادة، ونصب تراث عالمي تابع لليونسكو، وموقع تتواجه فيه رؤى متنافسة للتاريخ.

الكاتدرائية في زمن الحرب

حوّل الغزو الروسي التراث الثقافي إلى قضية تقع في الخطوط الأمامية للنزاع. في أنحاء أوكرانيا، تعرّضت الكنائس والمتاحف والأرشيفات والمكتبات والمواقع الأثرية لأضرار مختلفة. وقد وثّقت المنظمات الدولية مئات الهجمات التي طالت الممتلكات الثقافية.

في الإطار، أثار دير الكهوف، المدرج ضمن موقع للتراث العالمي لليونسكو، قلقاً خاصاً. وحتى عندما لا تُستهدف المعالم مباشرة، تظل الحرب مصدر خطر لها. فموجات الانفجار والضربات القريبة والاهتزازات والحرائق والأنشطة العسكرية قد تتسبب بأضرار دائمة. ويحذّر خبراء الحفظ من أنّ التدمير الثقافي يستمرّ غالباً وإن تراجعت وتيرة العناوين الإخبارية.

الذاكرة في مواجهة النسيان

إن الحقيقة الأكثر إدهاشاً بشأن كاتدرائية الرقاد هي أنّ الناس رفضوا مراراً قبول اختفائها. اسم الكاتدرائية نفسه يمنح مفتاح الفهم؛ فالرقاد يعني النوم لا الفناء؛ نهاية تتطلّع إلى يقظة، وموتاً يحمل في داخله إمكانية التجدّد.

ويعكس تاريخ المبنى ذاته الفكرة اللاهوتية التي يخلدها. فمنذ تأسيسها بين عامي 1073 و1078، مروراً بتحولاتها عبر القرون، وتفجيرها عام 1941، وإعادة بنائها بعد الاستقلال، ثم عودتها لتعيش في ظلّ الحرب مرة أخرى، أصبحت الكاتدرائية تعبيراً معمارياً عن الصمود الثقافي.

وتتجاوز أهميتها حدود أوكرانيا؛ إذ تطرح أسئلة إنسانية عامة حول ما الذي تختار المجتمعات تذكّره، وما الذي تختار إعادة بنائه، وكيف تحافظ الجماعات على المعنى بعد الكارثة. وبعد ما يقارب ألف عام على تأسيسها، لا تزال كاتدرائية الرقاد شاهدة على تلك إرادة البقاء؛ مكاناً يتقاطع فيه اللاهوت والعمارة والسياسة والذاكرة.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية