كأس العالم في لبنان: احتفال كروي أم مؤشر على فراغ مؤسسي؟
د. وديع إسحق - أستاذ مشارك في الإدارة الرياضية
في لبنان، لا تحتاج البرازيل وألمانيا إلى حضور رسمي كي تحضر في الشوارع. يكفي فوز واحد حتى ترتفع الأعلام على الشرفات، وتنطلق السيارات في مواكب، وتملأ الأبواق الليل، وتتحوّل المقاهي إلى ساحات مصغّرة لهويات كروية متنافسة. والأمر نفسه يحدث مع الأرجنتين، وفرنسا، والبرتغال، وإيطاليا عندما تتأهل، وغيرها من المنتخبات التي تبنّاها مشجعون لبنانيون عبر الأجيال.
للوهلة الأولى، يبدو المشهد بسيطاً: كرة قدم، عاطفة، منافسة، واحتفال. لكن في لبنان، نادراً ما تبقى كرة القدم مجرّد كرة قدم. فالحماسة التي يدافع بها كثيرون من اللبنانيين عن منتخبات وطنية أجنبية تكشف شيئاً أعمق عن البلد نفسه. إنها تقول إن هذا المجتمع لا يزال يعلم كيف يشعر بالفخر، وكيف يجتمع حول لون، وكيف يدافع عن رمز، وكيف يحتفل بالنصر؛ لكنه غالباً ما يضطر إلى استعارة هذه المشاعر من مكان آخر.
ولا ينبغي السخرية من هذه الظاهرة. فالمشجعون اللبنانيون لا يصبحون موضع تهكّم لأنهم يحتفلون بالبرازيل أو ألمانيا أو الأرجنتين. كرة القدم العالمية صنعت دائماً روابط وجدانية وانتماءات عابرة للحدود الوطنية. يستطيع طفل في بيروت أن يكبر على حب البرازيل بسبب رونالدو، أو رونالدينيو، أو نيمار، أو فينيسيوس جونيور. وقد يرث آخر تشجيع ألمانيا من والده، أو عمّه، أو مقهى في الحي. هذه الارتباطات حقيقية، حتى عندما لا تكون وطنية.
المشكلة ليست في تعلّق اللبنانيين بمنتخبات أجنبية. السؤال الحقيقي والأعمق هو: لماذا يبدو هذا الفخر الذي يجد رموزه خارج لبنان، في كثير من الأحيان، أكثر حضوراً وتنظيماً وتعبيراً من الفخر الذي تولّده الرياضة اللبنانية نفسها؟
جزء من الجواب واضح. تقدّم كرة القدم ما تعجز الحياة العامة اللبنانية غالباً عن تقديمه: قواعد مفهومة، أداء يمكن الحكم عليه، بداية ونهاية، فائزون وخاسرون، نتيجة واضحة لا يمكن التهرّب منها، ولحظات مشتركة من الانفعال الجماعي. في بلد أنهكه الانهيار الاقتصادي، والشلل السياسي، وانعدام الأمن، وضعف المؤسسات، وحالة عدم اليقين اليومية، قد تمنح مباراة كرة القدم شيئاً من الطمأنينة. فهي توفّر تسعين دقيقة من الانتظام في بلد أصبح فيه الانتظام نفسه رفاهية.
لذلك، ينبغي قراءة تفاعل اللبنانيين مع كأس العالم بوصفه أكثر من مجرّد ترفيه أو تسلية. إنه مؤشر اجتماعي. فالمواكب، والأعلام، والجدالات، والمناكفات، وأحياناً حتى الشجارات، ليست فقط عن كرة القدم. إنها دلائل على حماسة جماعية لا تملك المنظومة الرياضية الوطنية القدرة الجدية على استيعابها وتحويلها إلى مشاركة وتنمية.
وهنا تكمن المفارقة. يعرف كثيرون من اللبنانيين كيف يدافعون عن منتخب أجنبي، وكيف يتابعون تاريخه ولاعبيه ورموزه، وكيف ينزلون إلى الشارع للاحتفال به. لكن هذه الحماسة تبقى، في غياب مؤسسات رياضية فاعلة، خارج أي مشروع رياضي وطني منظم؛ لا لأن الجمهور يفتقر إلى الشغف، بل لأن المنظومة لا تملك الرؤية والآليات لتحويله إلى ممارسة، وتطوع، وتنمية شبابية، وثقة مؤسسية.
وهذا ليس خطأ المشجع. إنه فشل المؤسسات المحيطة به.
لسنوات طوال، تعامل لبنان مع الرياضة بوصفها مناسبة احتفالية، أو إنجازاً فردياً. نحتفي بالرياضيين الاستثنائيين عندما ينجحون، ثم نترك النظام الذي أنتجهم، أو فشل في دعمهم، من دون مراجعة حقيقية. نتحدث عن الشباب، والوحدة، والفخر الوطني، لكننا نادراً ما نبني الهياكل التي تجعل هذه الكلمات واقعاً. نمدح الرياضة عندما تمنحنا لحظة رفع علم، لكننا لا نستثمر بما يكفي في العمل اليومي الذي يصنع الرياضيين، والمدربين، والمتطوعين، والأندية، والدوريات، والمجتمعات الصحية.
يقدّم المنتخب اللبناني لكرة السلة مثالاً مضاداً مهماً. فعندما يقدّم المنتخب الوطني أداءً جيداً، يتوحّد اللبنانيون فعلاً خلف العلم اللبناني. عودته إلى كأس العالم لكرة السلة بعد غياب طويل، وحضوره الإقليمي القوي، أظهرا أن الفخر الرياضي الوطني لا يزال ممكناً. وهذا مهم لأنه ينسف الحجة السهلة التي تقول إن اللبنانيين عاجزون عن الوحدة. هم قادرون على الوحدة عندما يكون المنتج الوطني ذا صدقية، ومرئياً، وتنافسياً، وذا معنى وجداني.
لم تمحُ كرة السلة انقسامات لبنان. لا تستطيع أي رياضة أن تفعل ذلك. لكنها خلقت لحظات استطاع فيها اللبنانيون أن يروا أنفسهم في منتخب وطني بدا جاداً، وطموحاً، وجديراً بالدعم. هذا هو الدرس: الناس لا يلتفون حول الأعلام وحدها، بل حول الصدقية.
من هنا تكتسب الحالة الجماهيرية اللبنانية خلال كأس العالم أهمية سياسية واجتماعية. فعندما يحتفل مشجع لبناني بألمانيا أو البرازيل، فهو لا يرفض لبنان بالضرورة. غالباً ما يكون متعلقاً برمز يبدو ناجحاً، ومنظماً، ومحترماً، وقوياً. بعبارة أخرى، هو يبحث عبر الرياضة عمّا فشلت المؤسسات اللبنانية في توفيره: الثقة.
ينبغي لوزارة الشباب والرياضة، والاتحادات، والبلديات، والمدارس، والجامعات، والأندية، والقطاع الخاص، ألا تتعامل مع شغف كأس العالم بوصفه ضجيجاً موسمياً. عليها أن تتعامل معه بوصفه دليلاً على وجود طلبٍ اجتماعي واضح. فالشباب يقولون لنا، بصوت عالٍ وبشكل مرئي، إنهم يريدون رموزاً مشتركة، واحتفالاً آمناً، ومنافسة من دون عنف، وانتماءً يتجاوز الخطوط الطائفية، وتجارب رياضية تمنحهم ما هو أكبر من مجرّد النجاة اليومية.
السؤال هو ما إذا كانت المؤسسات اللبنانية مستعدة للإصغاء.
تمثّل النقاشات الحالية حول الاستراتيجية الوطنية للشباب في لبنان 2026–2030 فرصة للتوقف عن التعامل مع الرياضة كملف هامشي. ينبغي وضع الرياضة في مكانها الطبيعي: داخل سياسة الشباب، والتعليم، والصحة العامة، والتماسك الاجتماعي، والمشاركة المدنية، والتعافي الوطني. ففي بلد يُدفَع فيه كثيرون من الشباب نحو الهجرة، أو الإحباط، أو العزوف السياسي، يمكن الرياضة أن توفّر مساحات منظمة للانضباط، والقيادة، والتعاون، والانتماء.
لكن ذلك يتطلب أكثر من الشعارات. لبنان لا يحتاج إلى خطاب جديد أن الرياضة توحّد الوطن. لبنان يحتاج إلى آليات.
أولاً، ينبغي ألا تُترك حماسة البطولات الكبرى للعشوائية في الشوارع. على البلديات ووزارة الشباب والرياضة أن تطوّر مساحات مشاهدة عامة وآمنة، تنظّم حضور المشجعين بدل أن تتركه للزحمة، والأبواق، والمواكب الارتجالية. فالثقافة الجماهيرية يمكن أن تتحوّل إلى فرصة للتطوع الشبابي، وتنشيط الأعمال المحلية، ونشر رسائل مناهضة للعنف، شرط أن تُدار في أماكن تجعل المنافسة احتفالية لا عدوانية.
ثانياً، يجب ربط المدارس والجامعات بالاتحادات والأندية على نحو أكثر جدية. إذا كان الشباب مستثمرين وجدانياً في الرياضة العالمية، فعلى المؤسسات أن تستخدم هذه الحماسة لنقلهم من المشاهدة إلى الممارسة، ومن التشجيع إلى التطوع، ومن استهلاك الرياضة إلى تنظيمها وقيادتها. لا ينبغي لكأس العالم أن تملأ المقاهي فقط؛ ينبغي أن تملأ ملاعب كرة القدم، وملاعب كرة السلة، والقاعات الرياضية المدرسية، والأندية المحلية.
ثالثاً، ينبغي إلزام الاتحادات نشر خطط تنمية واضحة. يجب أن تشمل هذه الخطط أهدافًا لمشاركة الشباب، وأهدافاً للرياضة النسائية، وتطوير المدربين، وتوسيع الوصول المناطقي، ورعاية الرياضيين، وشفافية الاختيار، والتقارير السنوية. من دون حوكمة ومساءلة، يبقى الشغف الرياضي ضجيجاً. ومع الحوكمة، يمكن أن يتحوّل إلى تنمية.
رابعاً، ينبغي دراسة نموذج كرة السلة بجدية. فالهدف ليس استنساخ كرة السلة في كل رياضة، بل فهم لماذا آمن الناس بها: الظهور الإعلامي، والأداء، واللاعبون المعروفون، والهوية التنافسية، والإحساس بأن المنتخب يمثّل شيئاً حقيقيأً. يمكن بناء هذه الشروط في رياضات أخرى، إذا توقفت المؤسسات عن الاتكال على العاطفة وحدها.
الخلاصة أن حماسة اللبنانيين لكأس العالم لا تعكس نقصاً في الانتماء، بل تكشف شوقاً وطنياً غير مستثمر. والمطلوب اليوم أن تلتقي المؤسسات الرياضية، والتربوية، والبلدية، والشبابية، والإعلامية على إطارٍ وطني موحّد يحوّل هذا الشغف من مواكب عابرة إلى مشاركة منظمة، وتنمية شبابية، وفخر لبناني ذي صدقية.
قد تكون الأعلام مستعارة. لكن الشوق الكامن خلفها لبناني.