كأس العالم 2026... البطولة التي لم تعد تكتشف اللاعبين

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ارتبطت كأس العالم، لأكثر من تسعين عاماً، بقصص لاعبين خرجوا من الظل إلى الضوء في غضون أسابيع قليلة. كانت البطولة أكبر منصة كروية على وجه الأرض، وأكبر معرض للمواهب أيضاً، حيث يكفي أن يقدّم لاعبٌ بطولة استثنائية حتى يجد كبار أوروبا على بابه، فتتحول حياته في لحظة واحدة.

لكن التطور الكبير في اللعبة الشعبية بدّل مفاهيمها على نحو كبير؛ ففي عصر البيانات والذكاء الاصطناعي، لم يعد كأس العالم المكان الذي تذهب إليه الأندية لاكتشاف اللاعبين، بل أصبح المحطة الأخيرة للتأكّد من صحة ما تعرفه عنهم مسبقاً. فاللاعب الذي يخطف أنظار الجماهير خلال البطولة يكون قد أمضى سنوات تحت مجهر إدارات الاستقطاب في الأندية الكبرى، إذ يراقبه الكشّافون، ويخضع أداءه العام خلال المباريات للتحليل، فيما تجمع قواعد البيانات ملايين المعلومات عن كلّ تحرك يقوم به داخل الملعب.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة ثورة حقيقيّة شهدتها منظومة الاستقطاب خلال العقدين الماضيين. فالكشّاف الذي كان يجلس على المدرجات حاملاً دفتر ملاحظاته لم يعد وحده صاحب القرار، إذ تبدأ عملية التقييم أمام الشاشات قبل أن تصل إلى الملعب، بمشاركة محلّلي الفيديو، وخبراء البيانات، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، فيما تبقى العين البشرية الحلقة الأخيرة التي تؤكّد ما تقوله الأرقام أو تعيد التشكيك فيه.

 

 

الهولندي بريان بروبي أحد أبرز اكتشافات المونديال. (وكالات)

 

 

يقدم مونديال 2026 الصورة الأكثر وضوحاً لهذا التحوّل. فالاتحاد الدولي "فيفا" يجمع نحو 150 مليون نقطة بيانات في المباراة الواحدة، فيما ترسل الكرة نفسها مئات الإشارات في الثانية عبر مستشعرات إلكترونية، إلى جانب منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وُضعت بين أيدي جميع المنتخبات لتحليل المنافسين واستخراج أنماط اللعب في دقائق معدودة، بالتالي، توسّعت مهمة التكنولوجيا من وسيلة مساعدة إلى شريك أساسي في صناعة القرار، بعدما اختصرت أعمالاً كانت تحتاج إلى أيام طويلة في أقلّ من 24 ساعة.

مع ذلك، فإن كل هذا التطور لم يُلغِ دور الكشاف، بل أعاد تعريفه. فهناك أمور لا تستطيع البيانات قياسها مهما بلغت دقتها، على غرار شخصية اللاعب، وطريقة تواصله مع زملائه، وردة فعله بعد الخطأ، وقدرته على القيادة، وسلوكه خارج الملعب، وحتى الأحاديث التي تدور في الكواليس بين المدربين ووكلاء اللاعبين والكشافين. هذه التفاصيل "البشرية"، كثيراً ما تحسم قراراً قد تصل قيمته إلى عشرات الملايين؛ ولذلك ما زالت الأندية تحرص على وجود ممثلين لها في البطولات الكبرى، بحثاً عن معلومة لا تستطيع الخوارزميات إنتاجها.

وإذا كان كأس العالم لم يعد يصنع قرارات التعاقد، فإنه ما زال يصنع شيئاً آخر لا يقلّ أهمية هو "القيمة السوقية للاعبين". فالبطولة لا تصنع قيمة اللاعب، لكنها ترفع قيمته السوقية لأنها تضعه أمام أنظار العالم كله في الوقت نفسه. فجأة تتسع دائرة المهتمين، وتدخل أندية جديدة إلى سباق التعاقد، ويتحول اللاعب إلى مزاد مفتوح.

في المقابل، لا تتوقف سوق الانتقالات أثناء كأس العالم، بل تعمل بهدوء بعيداً عن الأضواء. اللاعب يركّز على البطولة، بينما يدير وكيله المفاوضات، ويناقش العقود، ويراجع البنود، ثم تُجرى الفحوص الطبية أحياناً داخل معسكرات المنتخبات، وقد تُوقَّع العقود إلكترونياً.

وربما يكون هذا هو التحول الأكبر الذي شهدته كرة القدم الحديثة. فبينما لا يزال الجمهور ينظر إلى كأس العالم بوصفها مصنعاً للنجوم، تنظر إليها الأندية باعتبارها محطة للتأكيد لا للاكتشاف، واختباراً لعملها أكثر من كونها فرصة للعثور على لاعب جديد.

 

 

أصبح دور كأس العالم حالياً كشف "الموهبة" للعالم، ورفع ثمن اللاعبين في سوقٍ تعرفهم جيداً قبل أن تبدأ صفارة المباراة الأولى.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية