قمّة الناتو في أنقرة: اختبار القيادات والتّحالفات في موازين وزمن زئبقيّة ترامب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

قمة حلف شمال الأطلسي التي تستضيفها أنقرة ليست مجرد اجتماع دوري لحلف عسكري اعتاد مراجعة خططه الدفاعية وتوزيع أعبائه المالية؛ إنها أول اختبار سياسي واستراتيجي للحلف بعد الحرب الأميركية – الإيرانية، وأول مناسبة يلتقي فيها قادته فيما لا تزال الحرب الأوكرانية مفتوحة، والشكوك الأوروبية في ثبات القيادة الأميركية تتزايد، وتركيا تعيد تثبيت نفسها لاعباً أطلسياً وإقليمياً في آن واحد.

أهمية القمة لن تقاس بما يصدر عنها من بيانات، بل بما ستكشفه من اتجاه القيادة الأميركية، وبما سترسمه من أولويات جديدة للنظام الأمني الغربي. الغائب الحاضر الأهم لأوروبا في القمة هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي سيقرر مصير حربه في أوكرانيا هذا الصيف على وقع مواقف ترامب في القمة، حضرها الرئيس الأميركي أو غاب عنها.  

الحرب المعلّقة مع إيران تقلق أعضاء في حلف الناتو، إذ  بقي البرنامج النووي من دون حسم نهائي، وتأجّل ملف الصواريخ الباليستية، كما أُرجئ البحث في ملف الوكلاء، وهو ما أثار قلقاً أوروبياً، لأن تأجيل هذه الملفات لا يعني معالجتها، بل يعني ترحيل مصادر الخطر إلى مرحلة لاحقة. ومع ذلك، سيكون خطأً تكتيكياً  إعطاء إيران موقعاً أكبر من حجمها الحقيقي في الحسابات الأطلسية أو في القمة المزمع عقدها الأسبوع المقبل. 

إيران ليست الدولة التي تملي جدول أعمال الحلف، ولا القوة التي تعيد رسم أولوياته. لكنها تبقى، في نظر العواصم الغربية، دولة متهمة بالإرهاب وبتوظيف الوكلاء لزعزعة الاستقرار، تهدد أمن الملاحة، وترفض معالجة ملفات الصواريخ والبرنامج النووي بالصورة التي تطالب بها القوى الغربية. لذلك فإن "حضورها" في قمة أنقرة يأتي من زاوية التهديد والابتزاز الذي ينبغي احتواؤه، لا من زاوية الاعتراف لها بدور في صياغة النظام الأمني الجديد.

أمن الملاحة في مضيق هرمز لا يمثل قضية شرق أوسطية فحسب، بل قضية أوروبية أيضاً لأنه يرتبط بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي. إلا أن هذا التحدي، على أهميته، لا يحل مكان الأولوية الاستراتيجية الأولى للحلف، وهي الحرب الروسية على أوكرانيا وما يرتبط بها من مستقبل الأمن الأوروبي. وهذا هو الاختبار الحقيقي للقمة.

فلاديمير بوتين لن يقرأ البيان الختامي بقدر ما سيقرأ أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة الناتو. ما يهم الكرملين ليس اللغة الديبلوماسية التي سيعتمدها الحلف، بل معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ما زالت تقود التحالف الغربي بالزخم نفسه، أم أنها بدأت تعيد ترتيب أولوياتها بعد الحرب مع إيران. 

والأهم أن بوتين الذي لم يقرّ رسمياً بأنه لم يحصل على تعهدات من ترامب أثناء قمة ألاسكا، هو أنه ينتظر الوضوح القاطع من ترامب في قمة الناتو برفض مطالبه ليستنتج أن رهانه عليه قد فشل. عندئذ، سيتوجه الرئيس الروسي لتصعيد عملياته العسكرية في مرحلة يعتبرها مناسبة لتغيير الوقائع على الأرض هذا الصيف. 

وربما يستخدم بوتين بيلاروسيا في قفزة نوعية في الحرب الأوكرانية.  فقراءة بوتين لترامب في قمة الناتو ستحدد جانباً مهماً من الحسابات الروسية في الأشهر بل في الأسابيع المقبلة.

 الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بدوره، لا يبحث فقط عن بيانات تضامن جديدة، بل عن تأكيد عملي بأن التحولات التي فرضتها الحرب مع إيران لن تأتي على حساب استمرار الالتزام الغربي تجاه أوكرانيا. فأي تراجع في هذا الالتزام ستكون له نتائج تتجاوز كييف، لتطال مجمل منظومة الردع الأوروبية.

في قلب هذه المعادلة تقف تركيا، الدولة المضيفة، التي تنظر إلى القمة باعتبارها فرصة لترسيخ موقعها داخل حلف الناتو وخارجه في آن واحد. فالرئيس رجب طيب أردوغان لا يريد الاكتفاء بإظهار تركيا عضواً أساسياً في الناتو، بل يسعى إلى تثبيت صورتها قوةً إقليمية لا يمكن تجاوزها في ملفات تمتد من البحر الأسود إلى سوريا وشرق المتوسط.

هذا الطموح لا ينفصل عن حسابات أنقرة في سوريا. فبالنسبة إلى القيادة التركية، لم تعد الساحة السورية مجرد ملف أمني حدودي، بل أصبحت ركناً أساسياً في إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي بعد تراجع أدوار وتقدم أدوار أخرى. وما تسعى تركيا إليه هو تكريس اعتراف غربي بأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية في سوريا لا يمكن أن تتم من دونها، وأن مصالحها الأمنية في سوريا أصبحت جزءاً من أي معادلة استقرار طويلة الأمد.

واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية تدرك أن نجاح القمة يتطلب تجنيبها الانقسامات التي قد تفرضها ملفات الشرق الأوسط، من بينها إسرائيل. لهذا تتكثف الجهود الديبلوماسية لضمان ألا تتحول منصة الناتو إلى ساحة مواجهة سياسية تزيد التباينات داخل الحلف في لحظة يحتاج فيها إلى إظهار أكبر قدر ممكن من التماسك. وهناك ضغوط أميركية على أردوغان بالذات كي لا يستخدم منصة القمة لتهديد إسرائيل.

تكتسب هذه الاعتبارات أهمية إضافية لأن تركيا تعمل بالتوازي على توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية مع عدد من الدول العربية والإسلامية، في وقت تتزايد فيه الأحاديث عن تنسيق محور سنّي سياسي وأمني يضم تركيا وباكستان ومصر والسعودية. الفكرة هي إبلاغ الجمهورية الإسلامية الايرانية أن الهيمنة الشيعية على المنطقة لن تكون مقبولة. سواء تطور هذا المسار إلى إطار أكثر تنظيماً أو بقي في حدود التنسيق المرن، فإنه يعكس رغبة تركية في الجمع بين الانتماء الكامل إلى المنظومة الأطلسية والقدرة على التأثير في التوازنات الإقليمية.

قمة أنقرة ليست مناسبة لإدارة ملفات منفصلة، بل محطة لإعادة ترتيب سلّم الأولويات داخل الحلف. فالحرب مع إيران فرضت تحديات جديدة تتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية واستقرار الشرق الأوسط، لكنها لم تلغِ حقيقة أن مستقبل الأمن الأوروبي ما زال يتحدد أولاً في أوكرانيا. ولذلك فإن قدرة القيادة الأميركية على إدارة هذين المسارين في وقت واحد ستكون المعيار الحقيقي لنجاح القمة.

وليس المقصود بالقيادة الأميركية مجرد استمرار الالتزام العسكري، بل القدرة على إقناع الحلفاء بأن واشنطن ما زالت تمتلك رؤية استراتيجية متماسكة، لا سياسة تقوم على الانتقال من أزمة إلى أخرى. فالدول الأوروبية لا تبحث فقط عن ضمانات أمنية، بل عن وضوح في ترتيب الأولويات، لأن أي غموض في هذا المجال ينعكس مباشرة على حسابات الردع وعلى قرارات الاستثمار الدفاعي وعلى وحدة الموقف السياسي داخل الحلف.

لهذا السبب، فإن النتائج الحقيقية للقمة لن تُقاس بما سيرد في البيان الختامي، بل بالرسائل التي ستلتقطها موسكو، وبالاطمئنان أو القلق الذي ستشعر به العواصم الأوروبية، وبالمساحة التي ستنجح تركيا في تكريسها لنفسها كلاعب يجمع بين موقعه الأطلسي ودوره الإقليمي.

قمة أنقرة ليست مجرد اجتماع جديد للناتو، بل لحظة اختبار للقيادة الأميركية بعد الحرب مع إيران، ولتماسك التحالف الغربي في مواجهة روسيا، ولقدرة تركيا على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي دائم. 

ما ستفضي إليه هذه القمة قد لا يحدد فقط طبيعة المرحلة المقبلة داخل الحلف، بل أيضاً شكل التوازنات التي ستؤثر في الأمن الأوروبي والشرق الأوسط.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية