قمة عالمية بالرباط تفكر في "التوائم الرقمية" لاستدامة ومرونة التنمية الترابية

انطلقت، اليوم الاثنين وتستمر على مدار أربعة أيام متتالية، بغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط- سلا- القنيطرة، أشغال “القمة العالمية للتكنولوجيا حول التوائم الرقمية 2026″، التابعة لمعهد “IEEE”، والتي تسعى إلى “دفع عجلة التنمية الترابية المستدامة في المغرب وإفريقيا عبر التحول الرقمي”.

وتنعقد هذه القمة الدولية في الرباط يومَي 8 و9 يونيو، ثم في القنيطرة يوم 10 يونيو، لتختتم أشغالها في سطات يوم 11 من الشهر الجاري، بشراكة مع معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات “IEEE”، واتحاد التوائم الرقمية “Digital Twin Consortium”، وجامعات محمد الخامس والحسن الأول، وابن طفيل، وأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، ومنتدى الصحراء للحوار والثقافات.

القمة تلمّ شمل مسؤولين وصناع قرار عموميين، وممثلين مؤسساتيين، ورؤساء جامعات، وخبراء دوليين، وفاعلين صناعيين، ومستثمرين، وشخصيات بارزة في مجال الابتكار التكنولوجي، حول “هدف مشترك” يتمثل في تعزيز دور التوائم الرقمية باعتبارها أدوات استراتيجية لترسيخ مرونة المجالات الترابية، ودعم السيادة، وتحقيق التنمية المستدامة، في مجالات متعددة.

والتوائم الرقمية (Digital Twins) هي أداة رقمية تُتيح “إنشاء نُسخ افتراضية مطابقة لأنظمة أو بنيات تحتية أو مجالات ترابية مادية، بما يسمح بمحاكاة طريقة عملها، واستباق تحولاتها، وتحسين أدائها”.

وفي سياق الرهانات المغربية والإفريقية، أبرزت عدد من المداخلات في الجلستين الافتتاحية والعامة أن هذه التكنولوجيا تفتح “آفاقا واعدة في مجالات حيوية” وراهنية عديدة؛ منها تدبير الموارد المائية، والطاقات المتجددة، والأمن الغذائي، والفلاحة الذكية، والمدن المستدامة، والصحة المتصلة، والتعليم الرقمي، والصناعة 4.0، والبنيات التحتية اللوجستية، والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، في مواضيع وتِـيماتٍ تشكل مدار جلسات ونقاشات وأشغال القمة إلى غاية الخميس المقبل.

“التراب” خيط ناظم

في افتتاح (IEEE World Technology Summit on Digital Twins) أكد حسن صاخي، رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط سلا القنيطرة، أن “هذا الحدث يمثل تركيزا نادرا لأبرز العقول والخبرات في مجال التكنولوجيا الترابية.

وأوضح صاخي أن شعار القمة يتجاوز كونه مجرد شعار للمؤتمرات، وإنما “هو تحدي الجيل الحالي والالتزام المشترك الذي تتبناه القمة”، مرحّبا أيضا بـ”الشركاء والوفود والخبراء الدوليين القادمين من مختلف أنحاء العالم”.

واستعرض رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط سلا القنيطرة الخطوط العريضة لأشغال القمة الممتدة على مدار أربعة أيام عبر ثلاث مدن مغربية هي الرباط والقنيطرة وسطات، مشيرا إلى أن “التراب” (territoire) بموارده وتحدياته وشبابه وإرثه يقع في قلب النقاش. وطرح تساؤلا جوهريا حول كيفية تحويل التحول الرقمي إلى رافعة لتنمية ترابية سيادية، مستدامة، ودامجة.

ولم يُغفل المسؤول الجهوي عينه بصراحة “تفاقم” الضغوطات الحادة وغير المسبوقة التي تواجهها المجالات الترابية المغربية والإفريقية؛ وفي مقدمتها الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف الصعبة في المغرب”، وما يترتب على ذلك من “ضغوط مباشرة على قطاعات الفلاحة، والصناعة، والتخطيط الحضري”، فضلا عن “ظاهرة الهجرة القروية نحو حواضر لا تزال في طور الإعداد لاستقبال ساكنتها الجديدة بشكل لائق”.

“التوائم الرقمية” والممرات الاقتصادية

أبرز رئيس “غرفة جهة الرباط”، بصفتها المنظّم المضيف، أن “الثورة التكنولوجية المعاصرة توفّر- لأول مرة- في التاريخ أدوات قادرة على نمذجة ومحاكاة تعقيدات الأنظمة الترابية الحيّة كالمياه والطاقة والنقل والفلاحة؛ وهو ما تجسده تكنولوجيا “التوائم الرقمية” التي تتيح استباق الأزمات وتحسين إدارة الموارد النادرة.

وأكد صاخي أن “المغرب لا ينتظر التحول؛ بل يعيشه بشكل نشِط، بفضل الرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس، الذي جعل من التحديث الترابي محورا استراتيجيا”.

واستشهد المتحدث أمام المشاركين في هذا السياق بإطلاق الجيل الجديد من “مشاريع التنمية الترابية المندمجة” (PDTI) كآلية تعاقدية بين الدولة والجهات توفر الإطار الأمثل لتوظيف التوائم الرقمية في التخطيط المتكامل والتتبع اللحظي والتقييم الموضوعي.

كما أشار رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط سلا القنيطرة إلى أن تنقل أعمال القمة بين ثلاث مدن يجسد أوجه التحول؛ حيث تمثل الرباط العاصمة المؤسساتية، والقنيطرة القطب الصناعي واللوجستي، وسطات نموذج التنمية الترابية الذكية في المنطقة.

مثيرا البُعد القاري، شدد صاخي على أن التحديات المناخية والأمن الغذائي والتوسع الحضري والربط الترابي في إفريقيا – القارة الأحدث سنّا في العالم– “هي ذاتها الإشكاليات التي صُممت التوائم الرقمية لمعالجتها”.

واستنادا إلى جعل الملك للقارة الإفريقية محورا أول للدبلوماسية الاقتصادية للمملكة، ومكانة المغرب كأحد أبرز ثلاثة مستثمرين في عمق بلدانها، دعا رئيس الغرفة المهنية سالفة الذكر إلى استثمار “ممرات الثقة” الاقتصادية والدبلوماسية الحالية وتحويلها إلى “ممرات رقمية” من خلال مشاركة البيانات، والمعايير الموحدة، والمنصات، والمهارات.

وبتأكيده أن “النجاح الحقيقي للقمة لا يقاس بمدى براعة الجلسات العلمية فحسب، بل بقدرة خلاصاتها على إحداث أثر فعلي، وبناء شراكات حقيقية في الكواليس والقاعات على حد سواء”، خلص صاخي معربا عن “تطلّعه إلى أن تسفر الأشغال عن مشاريع نموذجية محددة، وتوصيات تشغيلية، والتزامات واضحة بنقل التكنولوجيا والمهارات”.

تنوع الرؤى وإسهام أكاديمي

في مداخلات متقاطعة أثْرَت أشغال الجلسة العامة الافتتاحية، أكد مسؤولون عموميون من جامعات محمد الخامس بالرباط وابن طفيل بالقنيطرة والحسن الأول بسطات، فضلا عن ممثلي قطاعات حكومية (الانتقال الرقمي والصناعة التجارة)، أهمية التوائم الرقمية و”تجميع الجهود وتنسيقها” ضمن منصة عالمية لصياغة مستقبل ترابي مستدام ومسؤول.

وتشكل القمة، حسب ما تابعته هسبريس، منصة استراتيجية رفيعة المستوى تجمع نخبة من المسؤولين الحكوميين، ورؤساء الجامعات، والخبراء الدوليين، وممثلي منظمات دولية مثل إلى جانب كبريات الشركات التكنولوجية العالمية؛ هادفة إلى تدارس آليات توظيف تكنولوجيا “التوائم الرقمية” كأداة استراتيجية لـ”نمذجة الأنظمة الترابية الحية ومحاكاتها، بما يسهم في تعزيز التخطيط المتكامل ومواجهة الأزمات الحادة مثل الإجهاد المائي، والتغير المناخي، وإدارة الموارد النادرة”.

ويتوزع برنامج القمة المكثف على مدار أربعة أيام عبر ثلاث مدن مغربية رئيسية تجسد أوجه التحول الترابي: وتشهد غرفة الرباط جلسات عامة تركز على مرونة المياه والطاقة والأمن الغذائي، بالإضافة إلى استشراف الآفاق الرقمية الدامجة في الصحة والتعليم والمدن الذكية. أما يوم (10 يونيو) تنتقل الأعمال إلى جامعة ابن طفيل لتسليط الضوء على “البنيات التحتية المندمجة والمصانع والممرات الذكية، مع تنظيم زيارات ميدانية تشمل “المنطقة الحرة الأطلسية”؛ على أن تُختتم الأشغال بجامعة الحسن الأول، الخميس، من خلال مائدة مستديرة حول “رؤية سطات 2030″، لفتح حوار موسع حول الابتكار والتحول الرقمي الذكي.

وحسب منظميها، فإن القمة تسعى إلى “تحقيق نتائج ملموسة تتجاوز النقاشات النظرية، من خلال إطلاق مشاريع نموذجية في قطاعات الماء والطاقة والفلاحة، وتوقيع شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص، والتزام الأطراف بنقل المعارف والمهارات. ويهدف المغرب عبر هذه التظاهرة إلى ترسيخ مكانته كمركز قاري رائد للابتكار، والمساهمة في صياغة خارطة طريق وطنية وإفريقية لبناء مجالات ترابية ذكية، مستدامة، ومتمحورة حول الإنسان”.

The post قمة عالمية بالرباط تفكر في "التوائم الرقمية" لاستدامة ومرونة التنمية الترابية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress