قلقٌ وإيمان
فادي بوراشد - أستاذ في كلّية اللاهوت - الجامعة الأنطونية
"متاعب كثيرةٌ تنتظر كلّ إنسان، ونيرٌ ثقيل وُضِع على بني آدم، من يوم خروجهم من بطون أمّهاتهم، إلى يوم عودتهم إلى أمّ جميع الناس" (سيراخ 40: 1). لقد مضى على هذه الكلمات ما يقارب الـ 2200 سنة، ولا تزال تحتفظ إلى يومنا هذا بكامل عمقها وعفويتها، إذ تكشف عن وهن الإنسان وضعفه، وعن العناء الملازم لحياته. لكن كلمة الله لا تطرح مسألة القلق والضيق إلّا لتفتح أمام الإنسان أفق رجاء جديداً. ألم يُنشد صاحب المزامير قائلًا: "بعثتَ فرحًا في قلبي... ففي سلامٍ أستلقي وأنام!". لكن الانتقال من واقع القلق إلى السلام غالبًا ما يكون مسيرًا طويلًا، ومُنعطفاته خفيّة إلى حين. يقدّم الكتاب المقدّس بصورة عامة إطارًا واسعًا للكلام على قضية القلق والضيق والمتاعب. المزمور الخامس والخمسون مثلًا هو من النصوص الأكثر تعبيرًا في هذا السياق: "قلبي يتوجّع في داخلي، وأهوال الموت سقطت عليَّ. الخوفُ والفزع حلّا بي، والرعشة استولت عليَّ... ليت لي جناحًا كالحمامة فأطيرَ وأستريح". وما يقوله الكتاب في هذا السياق ينبع عمليًّا من خبرات أليمة عاشها أناس عجنتهم مآسي الحياة فأرهقتهم و"أبلت لحمهم وكسّرت عظامهم" وفق ما يلحظ النبيّ إرميا بحزن شديد. فكم من شخصيّة كتابيّة تمنّت الموت بعدما سحقتها المتاعب! هكذا صرخ موسى لله قائلًا: "اقتلني إن كان لي حظوةٌ عندكَ حتى لا أرى بَليَّتي". ولا يتردّد إيليا في القول أيضًا: " كفاني الآن يا ربُّ، فخُذ حياتي. فما أنا خير من آبائي". ويشكّل كتاب أيوب ذروة العهد القديم في وصف الضيق والألم. لقد خسر أيّوب كلَّ شيء، وانهارت حياته من كل جانب. ودخل في كَرب وجوديّ سحيق أمام ضياع المعنى، وانهيار اليقين والإحساس بالأمان، إذ شعَرَ أن الله يعاديه بلا رحمة. ولا عجب في أن يقول: "لا كان نهارٌ ولدتُ فيه، ولا ليلٌ قال: حُبِلَ برَجُل. ليكن ذاك النهارُ ظلامًا، ولا يُشرق عليه نور...". لكنّ الوحيّ لا يتوقّف عند وصف معاناة الإنسان وبؤس حاله، بل يُظهر مرارًا استجابة الله ليُخرج أحبّاءه من ضيقهم. فلا موسى تُرك وحيدًا، ولا سقط إيليا بيد مُبغضيه. وحظي أيوبُ في النهاية بحضور شخصيّ لله يفوق كلّ تصوّر: "سمعت عنكَ سمع الأذن، والآن رأتك عَيناي. لذلك أستردّ كلامي وأندم وأنا هكذا في التراب والرماد" (أيوب 42: 5-6). إن خلاصة العهد القديم تؤكّد أنّ الله لا يقف أبدًا مكتوف الأيدي أمام مصاعب الإنسان ومخاوفه، بل ينجّي الصدّيق من جميع بلاياه، وينتشل المتألّمين من ضيقهم، وإلى الرحب يُخرجهم (مزمور118: 5). من وجهة النظر الأنتروبولوجية، ربما يكون كبت القلق ممكنًا، لكنّ استئصاله يبقى أمرًا مستحيلًا، لأنّه واقعٌ مغروس في صميم بُنيتنا البشرية. في كتابه «مفهوم القلق» (1844)، يقدّم الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد القلق باعتباره حالةً ملازمة للوجود الإنساني، تتطوّر تبعًا لمراحل العمر وتستمرّ حتى الموت. في مرحلة الشباب، يتجلّى القلق في مواجهة تعدّد الخيارات وصعوبة الحسم، وهو ما يصفه بـ "دوار الحرية" (The dizziness of freedom)، حيث يضطرّ الفرد إلى اختيار احتمال واحد واستبعاد البدائل الأخرى، بما يحمله ذلك من إمكان الخطأ أو الصواب. وقد ينزع أحيانًا إلى الامتناع عن الاختيار، فيبقى ضمن حالة من التردّد بدل تحمّل مسؤولية القرار. ويتركّز اهتمام كيركيغارد، في هذا السياق، على المستوى الأعمق من القلق الوجودي، أي ما يسمّيه "القلق الديني"، حيث يواجه الفرد حدود العقل والأخلاق، ويقف أمام الله والمعنى النهائي للوجود، بعد انهيار الضمانات البشرية والاجتماعية، ووصول العقل إلى حدوده القصوى في الفهم والتبرير. لقد رأى كيركيغارد في قصّة إبراهيم النموذج الأصيل لهذه المرحلة: فمن جهة الإيمان، كان على هذا الأخير أن يطيع الله ويضحّي بابنه إسحاق، ومن جهة المنطق البشري كان عليه أن يرفض كيلا يقتل ابنه؛ وهنا يكمن جوهر المفارقة التي وقع إبراهيم فيها. هنا حطّ المنطق رحاله، وأضحى شعوره بالوحدة سيّد الموقف. وبين الطاعة والرفض، وجد إبراهيم نفسه أمام مفارقة تتجاوز كلّ فهمٍ بشري. هذا الصراع الداخلي أمام اللامعقول(The Absurd) يشكّل - بالنسبة إلى كيركيغارد - جوهر القلق الديني نفسه. لم يكن باستطاعة إبراهيم أن يتخطّى معضلته بالعقل ولا بحلولٍ أخرى، بل بـ "قفزة الإيمان". لقد آمن إبراهيم راجيًا حيث لا رجاء، فصار أبًا لأممٍ كثيرة (روما 4: 18). فلو استسلم ولم يؤمن لصار بطلًا تراجيديًا لا أبًا للمؤمنين. ولو لم يصعد إلى الجبل ليقدّم ابنه، لما كان إيمانه إيمانًا حقًّا. باستسلامه المطلق لله، تجاوز إبراهيم - من منظور كيركيغارد - حدود الأخلاق العامة والحسابات البشرية، فأسلم ذاته للمطلق بفعل إيمانٍ جذريّ، ففدى الله إسحاق بكبش قبل إتمام الذبيحة، ليتبيّن بذلك أن الإيمان ليس خسارة ولا ضياعًا، بل ربحٌ عظيم لا يناله سوى الذين يعبرون وهدة الضيق ويتجاوزونها. فلا عجب في أن يغدو القلق إذن معلّمًا يكشف وهننا وحاجتنا إلى الله، ويفتح لنا طريقًا إلى إيمانٍ ناضج ووعيٍ أعمق بإنساننا الباطن، ويمنحنا قدرةً على مواجهة غموض الحياة. لكنّ العهد الجديد يكشف لنا عن حالة الضيق الأكثر درامية في الكتاب المقدّس؛ ضيقٌ يتجلّى فيه سرّ الفداء، ويتحوّل إلى مساحة يُستعلن فيها الخلاص.
في بستان الزيتون، عشيّة موته على الصليب، مرّ يسوع بلحظاتٍ ضاغطة من الكرب وانكسار الروح: "نفسي حزينة حتى الموت ... وكان عرقه كقطرات دم تتساقط على الأرض"، وهي واقعة تذكّرنا بما يُعرف طبّيًّا بالـ (Hematidrosis)، وهي حالة نادرة قد يظهر فيها الدم مختلطًا بالعرق تحت وطأة ضغط نفسي أو جسدي شديد؛ وكيف لا؟ فيسوع هو الحَمل الذي يحمل في تلك اللحظات ثقل خطايا العالم أجمع. فالأمر أشبه بتجميع ثقل الكون كلّه في نقطة واحدة، إذ ما من خطيئة إلّا وأُلقيت عليه ظُلمًا: "وضع عليه الربُّ إثمَ جميعنا" (إشعيا 53: 6). لم يخْفِ المسيح محنته بل عبّر عنها علانيةً، وطلب إلى الله أن يُبعد عنه "الكأس" الشاخصة أمامه، ثم سرعان ما سلّم ذاته للآب: "لتكن مشيئتك لا مشيئتي"، فحوّل الضيق إلى تسليمٍ مطلق. فما عاشه إبراهيم رمزًا واختبارًا، عاشه يسوع واقعًا، وأتمّه حتى المنتهى، مستودعًا روحه في يدي الآب بانتظار القيامة. لقد اجتاز المسيح عالم الكَرب "بصراخ شديد ودموع وتضرعات للقادر أن يخلّصه من الموت، وسُمع له من أجل تقواه.. وصار قادرًا أن يرثي لضعفنا إذ جُرّب في كل شيء مثلنا ما خلا الخطيئة" (عبرانيين 4: 15؛ 5: 7). في زمن الأزمات والحروب، كما في كل زمن، لا ينفكّ القلق عن نهش أعصابنا. لكنّنا مدعوون إلى أن نتساند، وأن نتمرّس على ألّا نقلق لشيء، بل أن نواظب على رفع طلباتنا إلى الله بالصلاة، كما يعلّمنا القديس بولس، فيتراجع قلقنا شيئًا فشيئًا في ضوء قول يسوع: "لا يَهُمَّكُم أمرُ الغدِ، فالغدُ يَهتمُّ بنفسِهِ. ولِكُلِّ يومٍ مِنَ المتاعِبِ ما يكْفيه" (متى 6: 34). وهكذا يغدو القلقُ معبرًا إلى سرّ أعمق: سرّ الثقة بالله والاتكال عليه. فمن رجاء المزمور، إلى صرخة أيوب، إلى مفارقة إبراهيم، وصولًا إلى بستان الزيتون، يتكشّف أن القلق ليس نهاية الطريق. ولعلّ ما قاله بندكتوس السادس عشر عشية انتخابه حبرًا أعظم يلخّص هذه الحقيقة بامتياز: "من يؤمن لن يكون أبدًا وحيدًا، لا في هذه الحياة، ولا في الموت أيضًا".