قلعة الشقيف جنوب لبنان... "حصن جميل" أرعب الجيوش وألهم المؤرخين
منذ قرون طويلة، جذبت قلعة الشقيف، جنوب لبنان، أنظار المؤرخين والرحالة كما جذبت الجيوش والغزاة. المؤرخ أبو الفداء وصفها بأنها "معقل حصين بين دمشق والساحل"، فيما أوردها ياقوت الحموي بين أشهر الحصون المنيعة في بلاد الشام. أما الصليبيون الذين أُعجبوا بموقعها الاستثنائي، فأطلقوا عليها اسم "بوفور" أو "الحصن الجميل"، وهو الاسم الذي لا يزال يرافقها حتى اليوم. وبعد قرون، وقف الرحالة البريطاني توماس إدوارد لورنس أمام أسوارها وأبدى إعجابه بإطلالتها الواسعة التي تكشف الليطاني والساحل والجليل في آن واحد.
من فوق صخرتها الشاهقة، تحوّلت الشقيف عبر التاريخ إلى أكثر القلاع أهمية في المشرق، وإلى عقدة عسكرية وجغرافية جعلتها محوراً للمعارك والصراعات منذ العصور الوسطى وصولاً إلى الصراع العربي- الإسرائيلي المعاصر.
تقع القلعة قرب بلدة أرنون على ارتفاع يزيد عن 700 متر فوق سطح البحر، وتشرف على وادي الليطاني وسهل مرجعيون والنبطية والجليل الأعلى. ويمنحها هذا الموقع قدرةً استثنائية على مراقبة مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، الأمر الذي جعلها هدفاً دائماً لكل قوة سعت إلى السيطرة على المنطقة. ويكفي الوقوف على أسوارها لفهم سبب تنافس الجيوش عليها عبر القرون، إذ تبدو كأنها عين الجنوب التي تراقب الأرض من علٍ.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن الموقع عرف تحصينات أولية منذ العهد الروماني، قبل أن يوسّع الصليبيون بناءه في القرن الثاني عشر ويحولوه إلى أقوى قلاعهم في الشرق. وبعد حصاراتٍ طويلة ومعارك متعاقبة، تمكن صلاح الدين الأيوبي من السيطرة عليها، قبل أن تستعيدها القوات الصليبية لمدة قصيرة ويقيم فيها "فرسان المعبد"، إلى أن دخلها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268. وفي مراحل لاحقة، أعاد الأمير فخر الدين المعني الثاني ترميم أجزاء منها وتعزيز تحصيناتها.
ولم تأتِ أهمية الشقيف من تاريخها وحده، بل من هندستها العسكرية أيضاً. فالقلعة شُيّدت فوق نتوء صخري شاهق وأحيطت بخندقٍ محفور في الصخر وممرات وأقبية وأنفاق دفاعية، ما جعل اقتحامها مهمةً بالغة الصعوبة عبر العصور. وقد ساهمت هذه الطبيعة الجغرافية الفريدة في ترسيخ مكانتها بين أكثر القلاع مناعةً في بلاد الشام.
وفي العصر الحديث، استعادت القلعة دورها العسكري بفعل موقعها الاستراتيجي. وخلال سبعينات القرن الماضي استخدمتها القوى الفلسطينية موقعاً متقدّماً للمراقبة والتحصين، قبل أن تتحول إلى هدفٍ رئيسي خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. ومنذ تلك اللحظة دخلت القلعة بقوة إلى الذاكرة الإسرائيلية، ليس فقط باسم "بوفور"، بل أيضاً باسم "الوحش على الجبل".

ففي السادس من حزيران/يونيو عام 1982 شهدت القلعة أعنف المعارك خلال الاجتياح الإسرائيلي. ودارت مواجهات مباشرة داخل الخنادق والتحصينات الإسمنتية، سقط خلالها عدد من الجنود والضباط الإسرائيليين. وبحسب الرواية الإسرائيلية، تحوّلت المعركة إلى أكثر المعارك دموية في تاريخ الجيش الإسرائيلي، لترسخ صورة الشقيف كمكان يستنزف القوات ويبتلع الجنود أكثر مما يمنح الانتصارات.
وخلال سنوات الاحتلال اللاحقة، بقيت القلعة موقعاً عسكرياً متقدماً ومعزولاً، فيما عُرف الطريق المؤدي إليها باسم "الطريق الدامي" بسبب كثرة العمليات التي استهدفت القوات الإسرائيلية هناك. ومع مرور الوقت، أصبحت الشقيف رمزاً لما سُمّي داخل إسرائيل "المستنقع اللبناني"، إلى أن انتهى ذلك الفصل مع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، حين فُجّرت أجزاء واسعة من الموقع قبيل الانسحاب.
ورغم الدمار الذي لحق بها، بقيت القلعة حاضرة في الوجدان اللبناني. وبعد التحرير بدأت أعمال ترميم واسعة أعادت إليها جزءاً من رونقها التاريخي، لتتحول مجدداً إلى معلمٍ سياحي وثقافي يقصده الزوار من مختلف المناطق. واليوم تتمتع القلعة بصفة "الحماية المعززة" بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، باعتبارها جزءاً من التراث الإنساني والثقافي الذي ينبغي حمايته.
ومع تجدد الغارات الإسرائيلية على محيطها في الآونة الأخيرة، عادت الشقيف إلى واجهة الأحداث. إذ تطورت الأحداث بشكل دراماتيكي مع إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة عليها بعد عملية عسكرية واسعة في مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي، مترافقة مع غطاء جوي ومدفعي كثيف. كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن رفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة وإحكام السيطرة على محيط نهر الليطاني، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الصور حساسيةً في الذاكرة اللبنانية والإسرائيلية على حد سواء.

القلعة التي استخدمتها إسرائيل قاعدة عسكرية طوال سنوات احتلال الجنوب، وعادت وفجّرت أجزاء منها قبيل انسحابها عام 2000، تحولت مجدداً إلى محور مواجهة عسكرية ورمزية في آن واحد. وفي حين ترى إسرائيل أن السيطرة على الشقيف تمنحها أفضلية ميدانية وإشرافاً واسعاً على محيط الليطاني والنبطية والجليل، فإن أهمية الحدث تتجاوز البعد العسكري لتلامس البعد النفسي والتاريخي المرتبط بأكثر القلاع حضوراً في ذاكرة الصراع.
وهكذا عادت الشقيف لتقف مرة جديدة عند تقاطع الحرب والتاريخ؛ بين كونها موقعاً عسكرياً تتنافس عليه الجيوش، ومعْلماً تراثياً يختزن قروناً من ذاكرة الجنوب اللبناني.
مدى قرون، حاول الغزاة احتلال الشقيف أو هدمها أو إخضاعها، لكن القلعة بقيت صامدة فوق صخور أرنون، شاهدة على سقوط الجيوش وبقاء الأرض. واليوم، فإن استهدافها أو تحويلها مجدداً إلى ساحة صراع لا يطاول معلماً أثرياً فحسب، بل يطاول جزءاً من الذاكرة الثقافية والتاريخية للبنان، وإرثاً إنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. فقلعة الشقيف ليست مجرد حجارة قديمة، بل سجلّ مفتوح لتاريخ المنطقة ورمز لصمود الجنوب في وجه الحروب. وكما نجت من قرون الصراعات والتحولات، ستبقى شاهدة على أن التراث لا يُقصف فقط حين تُدمَّر آثاره، بل حين يُحاول محو ذاكرة الشعوب وهويتها. ولذلك، فإن الدفاع عن الشقيف هو دفاع عن التاريخ نفسه.