قطاع الماشية بالمغرب.. رهانات الصمود في وجه “الهشاشة البنيوية” وتقلبات المناخ

يواجه قطاع تربية الماشية في المغرب مفارقة حاسمة، إذ تخفي وتيرة نموه المتواصلة هشاشة متفاقمة، تغذيها حالة جفاف باتت بنيوية ودائمة. وبين تزايد الاعتماد على استيراد المدخلات وتقلبات الأسواق، بدأ النموذج الحالي يبلغ حدوده القصوى في ظل القيود المائية والحرارية.

ولضمان السيادة الغذائية، شرع المغرب في تنفيذ “برنامج تقليص آثار العجز المطري” (8 مليارات درهم) و”برنامج إعادة تكوين القطيع الوطني” (12.8 مليار درهم)، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في إطلاق تحول عميق بالانتقال من تدبير ظرفي للأزمات إلى إعادة تأسيس تقنية وتكنولوجية، تتمحور حول تعزيز صمود المربين وتثمين الموارد المحلية.

 

وبهذه الخلاصة افتتح رضوان عرّاش، الكاتب العام بوزارة الفلاحة، ندوة “التفكير اليوم في تربية الماشية غدا” في لقاء نظم بمناسبة فعاليات الدورة الثامنة عشرة من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب: “إن أزمة تربية الماشية في المغرب أعمق مما يوحي به تأثير الجفاف وحده؛ إذ تحولات بنيوية تعيد تشكيل العالم القروي بشكل دائم وتزيد من هشاشة القطاع”.

وقد نُظّم هذا النقاش من قبل شركة التنمية الفلاحية بالمغرب بشراكة مع المجلس العام للأغذية والفلاحة والمجالات القروية بفرنسا، بهدف تفكيك أبرز التحديات التي تواجه القطاع. ويبرز سؤال محوري: كيف يمكن للمغرب تفادي سيناريو مماثل لذلك الذي أعقب سبع سنوات متتالية من الجفاف؟ فالمسألة تتعلق بـ”مفارقة الأداء”، حيث يظل القطاع ركيزة اقتصادية حيوية (35% من الناتج الداخلي الفلاحي)، لكنه يقوم على قاعدة هشة.

ورغم جهود التحديث وارتفاع الإنتاج، يظل القطاع عرضة لأزمات بنيوية، أبرزها تواتر موجات الجفاف. وتطرح هذه الهشاشة تحديًا وجوديًا: كيف يمكن إطعام نحو 32.8 مليون رأس من الماشية في ظل تناقص الموارد المائية واشتداد القيود المناخية؟

أزمة أعمق من مجرد الجفاف

إن الاعتماد المتزايد على استيراد الأعلاف لتعويض النقص المحلي يهدد السيادة الغذائية الوطنية. ويكمن التحدي في تحويل نظام يبدو فعالًا على الورق لكنه شديد الهشاشة، إلى نموذج صامد (Resilient) قادر على تقليص تبعيته للأسواق الخارجية والتقلبات المناخية.

وأكد عرّاش أن تربية الماشية المستقبلية تُبنى اليوم، لأننا أمام نشاط يتميز بدورات طويلة، والخيارات الحالية ستحدد حتمًا أمننا الغذائي ومستقبل مئات الآلاف من المربين وطبيعة فرص الشغل في هذا القطاع.

وشدد على أن جوهر الإشكال يكمن في الأعلاف والتغذية الحيوانية، باعتبارها المحدد الرئيسي لتكاليف الإنتاج واستمرارية النشاط، فكلما توفرت الأعلاف، تمكن المربون من الحفاظ على قطعانهم.

الأسعار المرتفعة أنقذت القطاع

واستحضر المسؤول تجربة الجفاف في ثمانينيات القرن الماضي، التي أدت إلى بيع جماعي للقطعان وانهيار غير مسبوق في أعدادها، بسبب ارتفاع تكلفة الأعلاف وضعف أسعار البيع. أما اليوم، فقد انعكست المعادلة: الأعلاف ما تزال مرتفعة الثمن، لكن أسعار المنتجات الحيوانية بدورها ارتفعت، مما ساهم في إنقاذ القطاع من الانهيار، رغم استياء المستهلكين من غلاء الأسعار. وينطبق هذا الوضع على قطاع الحليب.

مفارقة الأداء: إنتاجية قائمة على الهشاشة

من جانبه، أوضح محمد بلافريج، رئيس قسم سلاسل الإنتاج الحيواني، أن “مفارقة الأداء” تكمن في أن الإنتاجية تحققت عبر اعتماد متزايد على الموارد الخارجية، وهو نموذج لم يعد قابلًا للاستمرار في ظل الصدمات المناخية. وبالتالي، لم يعد بالإمكان رهن السيادة الغذائية بتقلبات السماء، بل أصبح الأمر يتطلب إصلاحات بنيوية، وحكامة أفضل، وتكيفًا تقنيًا وجينيًا.

ويُعد القطاع العمود الفقري للاقتصاد القروي، إذ يخلق قيمة مضافة تبلغ 35 مليار درهم، ويوفر 1.2 مليون فرصة عمل، إلى جانب 135 مليون يوم عمل سنويًا، غير أن هذا النمو يخفي هشاشة بنيوية تستدعي تدخلًا دائمًا من الدولة.

دينامية متفاوتة للقطيع

تكشف تطورات القطيع عن أداء غير متوازن: فقد سجلت الأغنام (+35%) والماعز (+47%) نموًا قويًا بين 2008 و2020، بينما تراجعت الأبقار (-29%) والإبل (-31%). ويبرز هذا التفاوت تحديًا في الحفاظ على الأنواع الأكثر هشاشة.

وتسعى استراتيجية “الجيل الأخضر 2030” إلى رفع إنتاج الحليب إلى 3.5 مليارات لتر، وتحقيق نسبة 91% من القطيع المحسن، إلى جانب زيادة إنتاج اللحوم الحمراء وتعزيز الأمن الغذائي.

اقرأ المقال كاملاً على لكم