قصّة لبنان على طرقات الرحيل والعودة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

خلف كل حرب عرفها لبنان، كانت هناك طريق امتلأت بسيارات محمّلة على عجل بحقائب وثياب وصوَر عائلية. منزل أُقفلت أبوابه على أمل العودة بعد أيام، ليكتشف أصحابه لاحقاً أن الغياب سيمتد أشهراً أو سنوات، وأحياناً جيلاً كاملاً... يمكن قراءة جزء كبير من تاريخ لبنان الحديث من خلال هذه الطرقات.

 

وصل إلى لبنان عام 1948 عشرات آلاف الفلسطينيين الهاربين من الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى. يومها، دخلت البلاد للمرّة الأولى في قلب صراع إقليمي سيترك آثاراً عميقة على مجتمعها وسياساتها وأمنها. ومع مرور السنوات، تحوّلت المخيمات التي أُنشئت لاستقبال اللاجئين إلى جزء من المشهد اللبناني المتوتّر.

 

شهد لبنان أحداث عام 1958 التي دفعت بعض العائلات إلى مغادرة مناطق التوتر مؤقتاً، لكن الإنذار الحقيقي جاء لاحقاً. فبين منتصف الستينيات وأوائل السبعينيات، ومع تصاعد نشاط التنظيمات الفلسطينية المسلّحة في جنوب لبنان ومن أرضه، بدأت القرى الحدودية تعيش على إيقاع الغارات الإسرائيلية والاشتباكات بين التنظيمات الفلسطينية والجيش الاسرائيلي. ومن هناك شرَعت موجات نزوح متدرّجة نحو بيروت وضواحيها، وكأن الجنوب كان يختبر مبكراً ما سيصيب لبنان كلّه لاحقاً.

 

عام 1975 انفجرت الحرب اللبنانية، ولم يعد النزوح استثناءً أو حدثاً عابراً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليوميّة. انقسمت بيروت، وتبدّلت خرائط الأحياء والقرى، وغادرت عائلات منازلها بسبب الهويّة أو الخوف أو موقع المنزل على خط تماس جديد. للمرّة الأولى، بدا أن الحرب لا تكتفي بحصد الضحايا، بل تعيد أيضاً توزيع السكان وإعادة رسم الجغرافيا البشريّة للبلاد.

 

ومع دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، اتسعت رقعة الصراع أكثر. لم تعد المواجهة محصورة بين القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية، بل دخل العامل السوري بقوّة إلى المشهد، قبل أن يتحوّل حضوره إلى احتلال طويل. شهدت مناطق من بيروت والجبل والبقاع والشمال موجات نزوح متلاحقة رافقت المعارك والتوترات العسكريّة. مع مجزرة الدامور في بداية عام 1976 شهدت الدامور تهجيراً شبه كامل لسكانها باتجاه بيروت وأقضية أخرى من جبل لبنان. وبعدها في الشمال اللبناني، كما في الأشرفية عام 1978 وزحلة عام 1981، دفعت جولات القتال بين الجيش السوري والقوات اللبنانية، والقصف السوري العنيف لهذه المناطق، أعداداً من السكان إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان.

 

جنوباً، كانت الحروب تتوالى بلا انقطاع. جاءت "عملية الليطاني" عام 1978 لتدفع عشرات الآلاف إلى النزوح، ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ليشكّل واحدة من أكبر موجات النزوح منذ بداية الحرب. أُفرغت قرى بأكملها، وغادر مئات الآلاف مناطقهم في الجنوب، فيما عاش اللبنانيون حصار بيروت ومشاهد الرحيل الجماعي التي ستصبح جزءاً من ذاكرة الحرب.

 

ثم جاءت حرب الجبل عام 1983 لتضيف فصلاً جديداً من فصول التهجير الداخلي، مع مغادرة أعداد كبيرة من المسيحيين مناطق الشوف وعاليه. وبعدها توالت الحروب الفرعيّة داخل الحرب الكبرى، كحرب المخيّمات، ومعارك الميليشيات ما عُرف بـ"حرب الإخوة". وبين عامي 1985 و1988، لم تتوقّف حركة النزوح والتهجير بين بيروت والجبل وشرق صيدا والجنوب. وقد شهد ساحل المتن الجنوبي الذي يُعرف اليوم بالضاحية الجنوبية في تلك المرحلة وقبلها، حركة تهجير ممنهج، فبدت بعض الأحياء والمناطق خالية من عائلاتها الأصلية التي لم تعد إليها حتى اليوم.

 

وعندما بدا أن الحرب تقترب من نهايتها، شهد لبنان حرب التحرير التي رافقتها إحدى أكبر موجات الهجرة الخارجية، قبل أن تأتي حرب الإلغاء، فتدفع آلاف العائلات مجدداً إلى النزوح المؤقت والهجرة بحثاً عن الأمان.

 

ومع اتفاق الطائف بدأت رحلة العودة، لكنها كانت عودة ناقصة. عاد قسم من العائلات إلى منازلهم، لكن آثار التهجير بقيت حاضرة في الذاكرة وفي التركيبة الاجتماعية التي غيّرتها سنوات الحرب.

 

لم يدم الهدوء طويلاً. ففي عام 1993 أعادت عملية "تصفية الحساب" الإسرائيلية مشاهد النزوح إلى الجنوب، قبل أن تأتي عملية "عناقيد الغضب" عام 1996 وتدفع مئات الآلاف إلى مغادرة منازلهم خلال أيام قليلة.

 

عام 2000 حمل مشهداً مختلفاً. عودة واسعة إلى القرى الحدودية بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، تقابلها حركة معاكسة لعائلات ارتبطت بجيش لبنان الجنوبي، وغادرت نحو إسرائيل بعد تهديدات من "حزب الله"، وعدم قدرة الدولة على توفير الضمانات الكافية آنذاك.

 

عادت الحرب عام 2006. وخلال ثلاثة وثلاثين يوماً فقط، نزح نحو مليون شخص من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع. كانت البلاد كلها تقريباً في حركة انتقال مستمرّة. وبعد عام واحد، تكررت المشاهد في شمال لبنان خلال معركة نهر البارد في الشمال اللبناني التي دفعت عشرات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين إلى مغادرة المنطقة.

 

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 التي تحوّلت بعد أشهر إلى أشرس الحروب الدمويّة، استقبل لبنان أكبر موجة نزوح سوري في تاريخه الحديث، الذي تحوّل إلى وجود غير شرعي، فيما شهدت بعض المناطق الحدوديّة نزوحاً داخلياً محدوداً خلال معارك عرسال في السنوات التي تلت.

 

أما السنوات الأخيرة، فقد أعادت اللبنانيين إلى المشهد الذي ظنوا أنه أصبح من الماضي. فمنذ خريف 2023، ومع دخول "حزب الله" حرب "إسناد غزة"، بدأت القرى الحدودية الجنوبية تفرغ من سكانها. ثم اتسعت الحرب عام 2024، لتُسجّل واحدة من أكبر موجات النزوح منذ عام 2006، مع تجاوز عدد النازحين مئات الآلاف ووصوله إلى أكثر من مليون شخص وفق تقديرات رسمية في ذروة المواجهات.

 

وبينما عاد قسم من النازحين خلال عام 2025، جاءت حرب "إسناد إيران" من جنوب لبنان عام 2026 لتفتح موجة نزوح جديدة تجاوزت هي الأخرى عتبة المليون شخص، لتؤكد مرّة أخرى أن اللبناني لا يزال يعيش تحت احتمال الرحيل الدائم.

 

لهذا السبب، لا تختصر قصة النزوح في لبنان أرقاماً أو خرائط ديموغرافية. إنها قصة علاقة مضطربة بين "البيت اللبناني المستقرّ" و"مشاريع الحرب" على الأرض اللبنانية. فمنذ الخمسينيات حتى اليوم، يكاد يتكرّر المشهد نفسه. حقيبة تُحمل على عجل، ومنزل يُترك خلف صاحبه، وعائلة تنتظر نهاية حرب لم تخترها.

 

وربما لهذا السبب أيضاً، فإن تاريخ النزوح والتهجير في لبنان هو في جانب كبير منه تاريخ السيادة اللبنانية نفسها. فكلما خرج قرار الحرب والسلم من يد الدولة، وجد اللبناني نفسه على الطريق من جديد. وكلما تأخّر تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، بقيَ لبنان عرضةً لتكرار الحروب وموجات النزوح. وبين الرحيل والعودة، كُتب فصل طويل من تاريخ هذا الوطن، ولا يزال يُكتب حتى اليوم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية