"قرْبالة" في باب دكالة

عندما قدّمت مؤخرا مجموعة من اليهود بلباس ديني، على أداء “صلاة تلمودية” استمرّت نحو 15 دقيقة، أمام سور باب دكالة التاريخي في مدينة مراكش، كانت هذه المدة وجيزةً وكافية لإثارة لغَط كبير بين المواطنين في ربوع البلاد، بعدما تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، وانقسم حولها الرأي العام.

فمَن اعتبرها “ذات دلالات رمزية قد تتحول إلى ما يشبه الحائط المعروف في القدس بـ”حائط المبْكى” أو “حائط البراق”، وهي بالتالي استفزاز يمسّ بمشاعر المغاربة”. أصحاب هذا الرأي، في خطوة رمزية أيضا منهم، نظّفوا المكان الذي أقيمت فيه هذه الشعائر، التي قدّروها على أنها “لا مسوِّغ لها في فضاء عمومي إلا بترخيص قانوني”.

ومَن كيّف الأمر على أنه “غير ذي أهمية، ما دام اليهود يشكّلون مكوّنا أصيلا في المجتمع المغربي، الذي يعتقد بحرية التّدين والاعتقاد”.
بين هؤلاء وأولئك، بين المحافظين المناهضين لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأولئك التقدميّين أصحاب شعار “تازة قبل غزة”، ومن خلال مبرّراتهم، يمكننا طرح التساؤلات التالية:

إذا كانت هذه “الصلاة” مستفزّة لمشاعر بعض المغاربة المسلمين، فلِما يغيب هذا الاستفزاز عند الاحتفالات، التي تقام في مراكش عند كل شهر محرّم، في ذكرى عاشوراء مقتل الإمام الحسين بن علي سِبْط النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)؟(1)

لكن لماذا لم يقصد هؤلاء المصلون كنيس “كليز”؟ هل تشابهت عليهم الأسْوار والحيطان كما تشابهت على من قبلهم البقر؟ هل يدخل أصلا هذا التّصرف ضمن حرّية الاعتقاد؟ ثم ما مبرّر الخوف على باب دكالة، فلو كان سيتحوّل إلى “حائط مبكى” جديد، لكان “باب المغاربة” في القدس كذلك!

ما موجب تنظيف السور اليوم؟ ألم يكن يدعو للتنظيف من قبل؟ هل أصابته نجاسة أم أنّه الخوف من سحر “الكبالة”؟ أليست العقول أولى بالتنظيف من جدار السور الذي أقيمت أمامه تلك الطقوس؟ ثم إذا كان “الفضاء العمومي” هو مبرّر انزعاج البعض، فلِما يُغلق المسلمون بدورهم الطرقات في شهر رمضان، من أجل إقامة صلاة تراويحهم؟ لماذا باء البعض تجرّ وباء البعض الآخر لا تجرّ؟ من وراء هؤلاء “المتعبّدين” ومن رخّص لهم بذلك؟ لكن في المقابل، هل تكمن المشكلة فعلا في سور “باب دكالة”، أم تتعدّاه لما هو أعمق؟ أليس التراث الديني نفسه حافلا بالتثاقف والإسرائيليات؟

توجد عدة فرضيات تاريخية، تؤرّخ لأول تواجد لليهود في المغرب، منها تلك القائلة بأن غالبيتهم ينحدرون من موجات هجرة اللاجئين اليهود، الذين وصلوا إلى سواحل شمال إفريقيا خلال القرن السادس قبل الميلاد، بعد تدمير مملكتهم “يهوذا” عام 586 قبل الميلاد (خراب الهيكل الأول) من طرف الإمبراطور نبوخذ نصر الثاني. وبعد وصول الفتح الإسلامي إلى المغرب في نهاية القرن السابع الميلادي، عاشوا تحت “قانون الذمة”، الذي كان يلزمهم بأداء الضرائب “الجزية”، ويمنعهم من تقلّد مناصب إدارية في الدولة، إلا أنهم كانوا مستشارين في البلاط السلطاني وتقلدوا مناصب سفراء خارج البلاد. هذا فضلا عن دورهم الجوهري داخل المنظومة الاقتصادية، حيث كرّسوا خبراتهم في مجال التجارة والحرف خاصة. ثم توالت هجراتهم إلى المغرب بعد سقوط الأندلس عام 1492، هروبا من اضطهاد “محاكم التفتيش”، وبعدها هجرتهم خلال الحرب العالمية الثانية، إلى أن بدأت هجرتهم من المغرب بحلول سنة 1967، حيث غادر نحو 250,000 يهودي نحو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فكانت وجهة العدد الأكبر منهم إلى إسرائيل. بذلك ارتبط تاريخيا خروج اليهود من المغرب بعملية “ياخين”(2).

إبان ضعف الدولة الإدريسية وباتالي نشوب الصِّدام بين قبيلة “مغْراوة” وقبيلة “بني تميم”، أدى ذلك إلى التّنكيل بيهود مدينة فاس، ما اضطر البعض منهم إلى إعلان إسلامهم من أجل تجنّب بطش المغراويين، فكانوا يسمّون “بلْديين” أو “إسلاميّين”.

قصّة بني إسرائيل كما يرويها لنا القرآن الحكيم، تراوحت بين تعرّضهم لبطش فرعون مصر وجُحودهم لسيدنا موسى وأخيه هارون عليهما السلام، حيث عرفوا بـ “عقْدة البقرة” أو ما يتداوله المغاربة في حديثهم إذا ما استعصى أمر ما قالوا: “ما هي وما لونها؟”، إلى التّيه أربعون سنة إثم عبادتهم العجْل.. قصة طويلة لا تنتهي، والفريد منها قصتهم مع باب آخر يسمى “باب حِطّة”، قال تعالى: “وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” سورة البقرة 59(3). عندما ذهبوا إلى بيت المقدس، وأمرهم الله تعالى بالدخول من باب منحدر، وهم ساجدون متواضعون شكرا لله على نعمه، ثم يقولوا: “حطّة”، لكي يغفر الله ذنوبهم ويسترها عليهم، لكن بعضهم بدّلوا القول فحقّ عليهم الشتات والعذاب.

لكن هل هذا يعني أن غيرهم من أصحاب الديانات السماوية هم في خير وسلام!؟

فإذا كان من ناحية الفُرْقة، فإن النصارى قد افترقوا إلى 72 فرقة، والمسلمون إلى 73 فرقة، بينما افترق اليهود إلى 71 فرقة. وإذا ما تعلّق الأمر بعاشوراء (كما يسميها المغاربة “قرْبالة”)، فإن حاخاماتهم ينكرون تواجد أيّ علاقة بين العاشر من محرم وعيد الغفران عندهم، في حين يعيّد بعض المسلمين في نفس يوم الطّفّ وما جرى بكربلاء، بدعوى أنه “يوم نجّى الله موسى من الغرق”. وإذا كان اليهود قد عبدوا عجلا واحدا من ذهب، فغيرهم يقدّسون مئات البشر من لحم وعظم، بحجّة أنهم “عُدول”…

إننا لسنا هنا بصدد الانتقاص من أحد؛ لأن “الناس صنفان: أخٌ لك في الدين أو شقيق لك في الخلق” كما يقول الإمام علي ابن أبي طالب، بقدر ما نحن نحاول تكسير تلك الأبراج العنصرية العالية، التي يعتليها محافظون “إسلاميون” (بالمفهوم السياسي) وقومجيّون يسفّرون العقول إلى ساحات ليست بساحتنا(4). أجل، ربما قد يكون شعار “تازة قبل غزة” دعوة للنّأي عن بُؤر التّوتّر، تماما كما يقولون عن “الأيْرنة” (إيران)، في أمل بناء وخدمة بلادنا أوّلا.. بل أقول: مراكش قبل أمّ الرّشراش (إيلات)، لأنه كما في محكم التنزيل: “وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ” سورة الأنفال 75 وسورة الأحزاب 6، وقال: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” سورة الشعراء 214.

المشرّع المغربي بدوره، في تصدير دستور 2011، نصّ على “إرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص”، وذكر من بين روافذ الهوية المملكة المغربية: العبرية.

لقد وجب التمييز بين النجاسة المادية والمعنوية، كما في قوله تعالى “إنما المشركون نجس” سورة التوبة 28، إذ ذهبت أغلب التفاسير إلى أنها نجاسة معنوية. لذلك يستغرب الكثيرون من تصرّف غسل مكان إقامة الصلاة اليهودية في سور باب دكالة، حتى قال الناشط “الأمازيغي السوسي” في مداخلة له على منصات التواصل: “لو يُقْبل يهود كآخرون للصلاة في أسوار وأماكن أخرى، كي تكون دافعا لهؤلاء كي ينظفوا مواضع أخرى ويقدموا خدمة لبلادهم”(5).

وعلى نفس المنوال، بدا ضروريا “غسل” العقول من الفكر العنصري، والتفريق بين اليهودي والصهيوني، قبل التفكير في إثارة “قرْبالة” في باب دكالة.

الهوامش:

(1) أنظر مقالنا “إزدواجية الخطاب الإسلامي: مفترق طرق عاشوراء نموذجا”، جريدة هسبريس، 17 أكتوبر 2015.

(2) عملية قام بها الموساد الإسرائيلي بين 1961 و1964 من أجل تهجير حوالي 97,000 يهودي مغربي لإسرائيل، وتم ذلك من طنجة والدار البيضاء عن طريق فرنسا وإيطاليا.

(3) قال الطبري في تأويل قوله تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ”، هي القرية التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها، فيأكلوا منها رغدا حيث شاؤا فيما ذكر لنا: بيت المقدس. حسب الرواية: “حدثنا الحسن بن يحيى قال، أنبأنا عبد الرزاق قال، أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: (ادخلوا هذه القرية)، قال: بيت المقدس”.

فقال تعالى: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب.

“وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا”، أي لباب الذي أمروا أن يدخلوه، فإنه قيل: هو باب الحطة من بيت المقدس. ذكر ذلك: “حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ادخلوا الباب سجدا) قال: باب الحطة، من باب إيلياء، من بيت المقدس”.

وقال أبو جعفر: وأصل “السجود” الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو “ساجد”. قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ، كي يحط الله عنكم خطاياكم.

القول في تأويل قوله تعالى: “نَغْفِرْ لَكُمْ” يعني نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم.

(4) أنظر مقالنا “عن التّسْفير وتغييب العقل”، جريدة هسبريس، 10 يونيو 2019.

(5) الأمازيغي السوسي، “بين نجاسة المشرك ووسخ الواقع.. كيف تلاعب الكوفيون بالدين في واقعة مراكش”، 23 أبريل 2026 (على اليوتيوب).

The post "قرْبالة" في باب دكالة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress