قراءة في نقد الرواية الرسمية عقب فاجعة سبتة
هل كانت ردود الفعل على بلاغ وزارة الداخلية المغربية، الصادر يوم الأحد 2 غشت 2026 بشأن موجة الهروب الجماعي نحو سبتة ومليلية، مجرد اعتراضات متفرقة على بعض أرقامه أو صياغاته؟
قطعاً لا؛ فعند جمع هذه التعليقات وإعادة ترتيبها، يتبين أنها تشكل، في مجموعها، محاكمة متعددة المستويات لطريقة الوزارة / الدولة في تعريف الحدث، وتفسير أسبابه، وتحديد المسؤوليات المترتبة عليه، والتواصل مع المجتمع بشأنه.
لقد قدمت الرواية الرسمية ما وقع باعتباره نتيجة تفاعل بين التضليل الرقمي، وشبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لبعض المعطيات والقرارات الصادرة عن الجانب الإسباني، مؤكدة أن السلطات واجهت الوضع من خلال مقاربة استباقية وشاملة، وأنها رفعت درجة اليقظة والتعبئة، وعملت على حماية الحدود والأرواح، مع احترام القانون ومبدأ التناسب.
غير أن معظم التعليقات الناقدة انطلقت من أن هذا “البناء”، وإن قدم بعض المعلومات والإحصاءات، أخفق في الرقي إلى مستوى تفسير “فاجعة” وطنية استثنائية؛ ذلك أن المشكلة، في نظر أصحاب هذه الملاحظات، تكمن في أن البلاغ أعاد بناء الحدث بطريقة حجبت أسئلة أعمق مما أجابت عنه، وحوّلت أزمة اجتماعية وسياسية وإنسانية مركبة إلى واقعة أمنية حدودية ذات أسباب خارجية أو تقنية لا صلة لها بأية عوامل مغربية داخلية متشابكة.
ومن تجميع أبرز تلك المواقف التفكيكية على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل فاعلين ومؤثرين انتقينا عيِّنتَهم بواسطة معيار تمركز آرائهم على القراءة النقدية، يمكننا أن نعيد صياغة المستويات المتداخلة الآتية، مرتِّبين إياها وفق نسق يحرص، جهد الإمكان، على نوع من “القراءة المتوازنة” بين الناقد والمنقود، مدركين صعوبة الوفاء لمقتضيات هذا المنحى التوازني في مثل هذه الأجواء الانفعالية المتفاعلة مع “فاجعة” فقدان الأرواح إثر “فاجعة” الهروب الجماعي من أرض الوطن.
من تفسير الحدث إلى الدفاع عن المؤسسة:
أول ما يجمع المواقفَ الناقدة هو شعورُها بأن البلاغ / التصريح الرسمي لم يتوجه أساساً إلى المجتمع لكي يساعده على فهم ما وقع، بقدر ما توجه إليه باعتباره جمهوراً ينبغي إقناعه بسلامة أداء السلطات. ومن هنا غلبت عليه لغة إثبات الجاهزية والتحكم واليقظة واحترام القانون وحماية النظام العام.
ليست هذه اللغة في ذاتها غير مشروعة، حيث إنه من حق وزارة الداخلية، بل من واجبها، أن تبيّن الإجراءات التي اتخذتها، وأن تدافع عن قانونية تدخلاتها إذا كانت محل “اتهام”. لكن الإشكال ينشأ عندما يصبح الدفاع عن المؤسسة بديلاً عن تفسير الحدث، وحين يُبنى البلاغ كله حول ما فعلته السلطات، من دون أن يَمنح الحيزَ نفسَه للسؤال، حتى ولو بأبسط صيغة، عن الكيفية التي بلغ بها اليأسُ الاجتماعي حدّاً جعل عشرات آلاف المواطنين مستعدين للمجازفة الجماعية بأرواحهم طلباً للفوز بما هو مفقود في وطنهم.
لذلك قرأت التعليقاتُ البلاغَ باعتباره نصاً دفاعياً أكثر منه نصاً استكشافياً؛ فهو يبدأ، بصورة ضمنية، من فرضية أن المقاربة الرسمية كانت سليمة، ثم يعيد ترتيب المعطيات لإثبات هذه الفرضية. إن البلاغ لا يكاد يتيح احتمالَ أن يكون حجمُ الكارثة نفسُه قرينةً على قصور في الرصد أو الوقاية أو السياسات العمومية السابقة. إنه، من هذه الزاوية، محكم الإغلاق بسرديته الوثوقية الصارمة، ولا منفذ فيه لأي احتمال عكسي.
كان المنتظَر، في حدث بهذا الحجم، خطاباً يجمع بين وظيفتين: توضيح ما جرى أولاً، وإعلان استعداد منظومة الدولة لمراجعة نفسها ثانياً. أما الاكتفاء بإظهار صواب التدبير، قبل استكمال التحقيق في النتائج والملابسات، فيُنشئُ من الخطاب سردية لتبرئة المؤسسة قبل، وحتى دون، أن يسائلها.
ويزداد هذا الانطباع قوة حين توصف المقاربة بأنها استباقية وشمولية، بينما الواقعة التي يراد تفسيرها هي، تحديداً، نجاح عشرات الآلاف في إسقاط فاعلية ذلك الاستباق أو تَخَطّيه على الأقل. إن البلاغ يضع طرفي هذا التناقض جنباً إلى جنب، دون شرح. أعني بطرفي التناقض: جاهزية استباقية واسعة، ثم عبور جماعي واسع، هكذا بدون أي ربط علائقي أو تناسبي. وعليه، فإنّ بين المقدمتين فجوةً مفتوحة لا يردمها البلاغ، بل قطيعة تفسيرية لا يرتقها النصُّ الرسمي.
الخلط بين الشرارة والأسباب:
أقوى ما في تلك التعليقات هو تمييزها الضمني بين الشرارة التي أطلقت الحركة الجماعية من جهة، والشروط التي جعلت المجتمع قابلاً للاشتعال من جهة مقابلة.
من المعقول أن تكون منشوراتٌ مضلِّلة على شبكات التواصل قد دفعت آلاف الأشخاص إلى الاعتقاد بأن فرصة استثنائية للعبور قد فُتحت، أو أن الوصول إلى سبتة سيترتب عليه نوع من التسوية القانونية أو الحماية من الإعادة إلى موطن الهروب. ومن المعقول كذلك أن تكون منصات رقمية قد أسهمت في تحديد الموعد والمسار ونشر التعليمات والإشاعات.
غير أن هذه العناصر، على أهميتها، تفسِّر توقيت الحركة وشكلَها وآلية انتشارها أكثر مما تفسر الاستعدادَ النفسي والاجتماعي للمشاركة فيها والاندفاعَ المنفلت نحو الانخراط في إيقاعها السريع بلا حساب ولا التفات.
إنه لمن المحال بأي حال أن يُنشِئ المنشورُ الرقمي من العدم رغبةَ عشرات الآلاف في مغادرة وطنهم. وإن نزراً من احترام العقل الإنساني كافٍ أن يحكم بأن هذا المنشور إنما خاطَب هاجساً واقعاً، ودغدغ أملاً راسخاً، وحرّك لهفةً متوثّبة، ونظَّم رغبةً موجودة، ومنحها موعداً ومساراً ووعداً. والحملة الرقمية قد تحدد اللحظةَ التي يتحرك فيها الناس، لكنها لا تفسر لماذا وَجد خطابُها هذا العددَ الهائل من المستجيبين، ومن أين تولدت هذه القابليةُ لديهم لهذا الإخلاء الجماعي لأرض الوطن. إن الأنامل التي لا تقع على الآلة الموسيقية لا تستطيع أن تُصْدر ولو نشازاً خافتاً من صوت العزف.
هنا تضع التعليقات يدها على الثغرة السببية المركزية في البلاغ؛ أعني أنه قدم تفسيراً لآلية التعبئة، لا لقابلية التعبئة.
السؤال الحقيقي ليس فقط من دعا الناس إلى العبور؟ بل أيضاً لماذا صدقوا الدعوة؟ ولماذا رأى هذا العدد الكبير أن المخاطرة بالغرق أو السحق أو الاعتقال أقلُّ سوءً من تفويت فرصة محتمَلة للمغادرة؟
لذلك، لا يكفي أن يقال إنهم تعرضوا للتضليل، لأن نجاح التضليل نفسَه يحتاج إلى تفسير. فالمعلومة الكاذبة لا تتحول إلى حركة بشرية بهذا الحجم إلا حين تلتقي مع بطالة أو هشاشة أو إحساس بانسداد الأفق أو فقدان للثقة في إمكان الترقي الاجتماعي والسياسي داخل الوطن أو شعور متراكم ضاغط بانعدام الكرامة وثقل الضياع.
وهنا يكتسب السؤالُ الساخر الذي تَكرَّر بصيغ متعددة قيمتَه التحليلية، وهو: لو دعت حسابات مجهولة مواطني بلد يعيش استقراراً اجتماعياً وشعوراً واسعاً بالأمل إلى الهجرة الجماعية نحو المغرب، فهل كان عشرات الآلاف سيتحركون فوراً نحو الحدود؟ إن هذه المقارنة، حتى ولو لم تكن برهاناً علمياً كاملاً، فهي، على الأقل، تكشف أن قوة الرسالة الرقمية لا تنفصل عن بنية التوقعات الاجتماعية والاستعدادات النفسية الجاهزة لاستقبالها.
الهجرة قبل الرقمنة: اختبار تاريخي للرواية الرسمية
يضيف هذا النقد التفكيكي المنتقَى بُعداً تاريخياً مهماً حين يُذكّر بأن التفكير الجماعي في الهجرة، والهجرة غير النظامية على وجه الخصوص، لم يبدأ مع شبكات التواصل الاجتماعي، ما دام أن هذه الظاهرة، في التجربة المغربية، أقدمُ من المنصات الرقمية الحديثة، وسبقت ظهورَها بعقود.
هذه الملاحظة لا تنفي أثر المجال الرقمي في الأحداث الراهنة، بقدر ما تمنع تحويله إلى علة ابتدائية أصلية. فإذا كان المغاربة قد خاضوا تجارب الهجرة السرية منذ عقود سابقة على ظهور منصات التواصل، فإن الرقمنة لا تفسِّر نشأةَ الرغبة في الهجرة، أكثر مما تفسر تَسارعَها، وتنظيمها، وتزامنها، واتساعَ نطاقها في لحظة معينة ستكون فارقة.
ظهر هنا فرق جوهري بين “البنية” و”الأداة”؛ فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تمثل البنية التي تُنتج الرغبة في الخروج، بينما يمثل المجال الرقمي الأداة التي تسمح بتجميع الأفراد المشتتين وتحويلِ رغباتهم الفردية إلى حركة جماعية متزامنة.
لذلك فإن إحالة الحدث إلى حملة رقمية تصبح ناقصة إذا لم يتم تأطيرها بالتاريخ الطويل للهجرة المغربية. وهي تصبح أشدّ نقصاً حين يوحي الخطاب بأن آلاف الأشخاص لم يكونوا يرغبون أصلاً في الهجرة، ثم جاءت منشورات مجهولة فزرعت فيهم هذه الرغبة فجأة. وكفى بهذا الإيحاء تهافتاً وسخفاً وتعبيراً عن طويّة اللاموضوعية غير البريئة، إن لم نقل نية التضليل عن الحقيقة التاريخية والميدانية معاً.
لا ينبغي، بطبيعة الحال، إنكار أن بعض المشاركين ربما تحركوا استجابة لمعلومة خاطئة محددة، لكن وجود المعلومة المضللة لا يلغي الواقعَ الذي جعلها قابلة للتصديق. وهنا يَطرح النقد سؤالاً حاداً: هل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المواطنون حقيقة أم تضليل؟ وهل البطالة والهشاشة وارتفاع تكاليف العيش وتراجع الثقة في المستقبل واضمحلال الشعور بكرامة المواطن مجرد سرديات رقمية؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه يعيد ترتيب العلاقة بين الواقع والخطاب، ذلك أن الرواية الرسمية تجعل التضليل سبباً للحدث، بينما ترى القراءة الناقدة أن التضليل لم يكن لينجح لولا وجود واقع يمنحه مظهراً من مظاهر المعقولية. إن الوعد الكاذب بالعبور ينجح لأن الوعد الحقيقي بالبقاء الكريم فقدَ جزءً من مصداقيته، إن لم يكم في طريقه إلى أن يصبح غوْراً.
من “ضحايا التضليل” إلى ذوات اجتماعية واعية
يضيف النقدُ كذلك اعتراضاً على الصورة الضمنية التي قد يرسمها وصفُ عشرات الآلاف بأنهم ضحايا حملة تضليل. فهذه الصياغة، في نظر الناقدين، إذا أُطلقت بلا تمييز، قد تُحوّل المشاركين إلى كتلة من السّذّج الذين تم التلاعب بهم وجرى تحريكهم آلياً بواسطة إشاعة رقمية.
لكن الحشود، بحسب ما أبرزته بعض تلك التعليقات، لم تكن جماعة متجانسة من القاصرين أو العاطلين غير المتعلمين، لكونها ضمّت فئات مختلفةً، من بينها شباب وحاملو شهادات وآباء مسؤولون عن إعالة أسر. وحتى إن لم تتوفر المعطيات الدقيقة عن النسب والتركيب الاجتماعي، فإن مجرد هذا التنوع يُضعف التفسيرَ الذي يرد السلوك كله إلى الخداع المعلوماتي.
إن حامل الشهادة الذي يغامر بالعبور لا يتحرك بالضرورة لأنه يجهل الواقع، بل ربما لأنه يعرفه معرفة مؤلمة. والأب الذي يعيل أسرة لا يمكن اختزاله دائماً في ضحية منشور، بل قد يكون قد أجرى، من وجهة نظره، حساباً يائساً بين مخاطر البقاء ومخاطر الرحيل، حتى لو اختلفنا مع تقديره ونقضناه. إنه لمن غير المعقول تعميمُ حكم انعدام الخبرة، أو نقصان التجربة على الأقل، في حق جميع الفئات الهاربة.
ولا يعني هذا تسويغ قرار هؤلاء أو إنكار ما فيه من مخاطرة، بل يعني احترامَ العقلانية المحدودة للفاعلين الاجتماعيين. فالإنسان قد يتخذ قراراً بالغ الخطورة، لا لأنه فاقد للعقل، بل لأنه يقارن بين بدائل يراها كلها سيئة، ثم يختار ما يتوهم أنه أقل انسداداً. إن الوهم المُوقعَ في الأسوأ لا ينزع عن أي منا كلياً صفة العقل بهذه الطريقة الفجة المُهينة.
وعندما تصف الدولة الجميع بأنهم ضحايا تضليل، فإنها تخاطر بإلغاء الدلالة الاحتجاجية لسلوكهم. ومتى كانت الهجرة الجماعية مجرد انتقال مكاني؟ أليست بالأحرى، في وجه من وجوهها، تعبيراً عملياً عن حكم سلبي أصدره المشاركون على شروط حياتهم الراهنة؟
لقد “صوّتوا بأقدامهم”، حتى ولو كان تصويتهم مبنياً جزئياً على معلومات مغلوطة. والمعلومة المغلوطة قد تفسر الاتجاه نحو معبر معين في يوم معين، لكنها لا تفسر الحكم السابق بأن الحياة في الضفة الأخرى، مهما كانت مجهولة، أفضل من الحياة القائمة في ضفتنا هذه.
إشكال شبكات الاتجار بالبشر:
ركزت بعضُ تلك التعليقات الناقدة على التناقض بين طبيعة العبور الجماعي المجاني وبين المنطق الاقتصادي المعتاد لشبكات التهجير والاتجار بالبشر. فهذه الشبكات تربح عادة من احتكار طرق الهجرة ووسائل النقل والوساطة، في حين أن انتشار تصور يقول بإمكان بلوغ سبتة سباحة أو سيراً، من دون أداء أي مقابل، قد يهدد مصالحها المالية بدل أن يخدمها.
هذه الملاحظة وجيهة بقدر ما تطالب الرواية الرسمية بتحديد معنى “شبكات الاتجار بالبشر” في هذا السياق، وعدم استعمال العبارة بوصفها عنواناً عاماً مطّاطاً يفسر كل شيء. هل المقصود شبكات نقل وتهريب تقليدية؟ أم حسابات رقمية مرتبطة بوسطاء؟ أم جهات تنظم المعلومات وتبيع خدماتها بصورة غير مباشرة؟ وما الأدلة التي تربط بينها وبين عملية التعبئة؟
لكن الوجاهة النقدية تنتهي حين تُستبدل فرضية غير مثبتة بفرضية أخرى أكثر إثارةً وأقل إثباتاً. أعني أن الانتقال من القول إن تفسير “شبكات الاتجار” غير كافٍ للجزم بأن جهاز استخبارات أجنبياً يقف وراء العملية ليس استنتاجاً لازماً، بل هو احتمال يحتاج إلى أدلة مستقلة.
والقراءة الموضوعية لا ينبغي أن تختار بين رواية رسمية مبهمة ورواية مؤامراتية جازمة، بل أن تطالب كلتيْهما بالتحليل المحاجِج على صحة دعواه بالأدلة الكافية. فكما لا يجوز أن تتحول “الشبكات” إلى شماعة جاهزة، لا يجوز أن تتحول “الغرفة الأجنبية المظلمة” إلى بديل تخييلي يغنينا عن التحقيق.
والأجدى هو ترتيب مستويات التفسير، من حيث إنه قد توجد جهات رقمية حرضت أو ضللت، وقد توجد مصالح سياسية أو إجرامية استفادت، لكن هذا كله لا يلغي أن المادة البشرية القابلة للتحريك تكونت داخل شروط مغربية داخلية صرفة. فحتى التدخل الخارجي، إن ثبت، لا يستطيع خلق أزمة بهذا الحجم من العدم؛ إنه، إن كان كائناً حقيقةً، فهو يستثمر أزمة قائمة، ويتاجر في تهيُّؤٍ راسخ، ويبذر في أرض محروثة.
التناقض بين الاستباق وحجم الانفلات
من أكثر العبارات التي استوقفت المعلقين الناقدين تأكيدُ الوزارة أنها اعتمدت الرصدَ المبكر، ورفعت مستوى اليقظة والتعبئة، وعززت جاهزية المصالح الأمنية، وكثفت المراقبة البرية والبحرية.
تكمن قوة الاعتراض هنا في أن البلاغ يجمع بين مقدمتيْن يصعب التوفيق بينهما من دون تفسير إضافي: مقاربة استباقية شاملة من جهة، وانتقال عشرات الآلاف من مختلف المدن وعبور أعداد هائلة منهم من جهة ثانية.
وسواء استقر العددُ عند أربعين ألفاً أو قارب ستين ألفاً أو جاوزه بحسب اختلاف التقديرات، فإن الحجم يظل أكبر من أن يُدرج في خانة حادث محدود نجحت المقاربةُ الاستباقية في السيطرة عليه بصورة عادية، فضلاً عن أن تستحق التنويه به والتباهي به والإشادة عليه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل رصد استباقي كان غائباً، أو أن السلطات لم تمنع أعداداً أخرى من الوصول. لكن ادعاء الاستباق لا يثبت بمجرد وصف المقاربة بأنها استباقية. لقد كان على التصريح أن يبين متى رُصدت المؤشرات؟ وما حجم الأشخاص الذين مُنعوا؟ وكيف تحركت الأجهزة؟ ولماذا لم تمنع الإجراءاتُ انتقالَ الحشود إلى المنطقة الحدودية؟ وهل وقع الخلل في جمع المعلومات، أم في تقدير خطورتها، أم في اتخاذ القرار، أم في التنفيذ؟
كما أن البلاغ يبدو وكأنه يخلط بين استباق الأزمة واحتوائها بعد وقوعها. فالسلطات قد تكون نجحت لاحقاً في إعادة ضبط الحدود وتسهيل عودة أغلب العابرين، بيد أن النجاح في الاحتواء اللاحق لا يُثبت، في ذاته، نجاحَ الوقاية السابقة.
إن وصف المقاربة بأنها شاملة واستباقية، من دون شرح الفجوة بين ما كان معلوماً وما وقع فعلاً، يُحوّل المصطلحات الإداريةَ إلى عبارات تزكية ذاتية يقيّم فيها الجهازُ نفسَه بنفسه داخل مربعه بشكل يطلب التصديق بلا مؤشر ولا أدنى درجات الشفافية. وعوض أن تكون المفاهيم أدوات لقياس الأداء، تَصير أوصافاً تمنحها المؤسسةُ لنفسها، وتُعرَض للعموم أوسمةً بدون أدنى بيان لدواعي الاستحقاق، تعويلاً على سوابق الوقائع التي جرت العادةُ فيها أن تقدَّم على شاشة الأخبار الرسمية مثلُ هذه التزكيات الذاتية التي على المتلقي استهلاكها كما هي بدون بيان لمسوِّغات الاستحقاق. وبناء عليه، ألا يثير تَعاطي الداخلية / الدولة مع هذه “الفاجعة” بالطريقة نفسها التي تعاطت بها مع “نوازل” سابقة سؤال الدهشة والريبة في “أمر” غير مفهوم؟
حرب الأرقام وأزمة الثقة:
نالت الأرقام اهتماماً مركزياً في التصريح وفي التعليقات معاً؛ فالجانب المغربي تحدث عن نحو أربعين ألف شخص توجهوا إلى سبتة، في حين أشارت المصادر الإسبانية والدولية إلى دخول ما بين خمسين وستين ألفاً إلى المدينة. كما أعلنت السلطات المغربية إحدى عشرة وفاة مسجلة في جانبها، بينما أعلن الجانب الإسباني، بحسب ما راج في المواقع الإعلامية قبيل صدور بلاغ الداخلية، أن العدد يتجاوز ستين وفاة في جانبه.
غير أن القراءة الدقيقة تقتضي الحذر من المقارنة الآلية بين هذه الأرقام.
فالحديث المغربي عن أشخاص “توجهوا نحو سبتة” قد لا يقوم على المنهج نفسه الذي اعتمده الجانب الإسباني لإحصاء من “دخلوا سبتة”، كما أن الوفيات الإحدى عشرة التي أعلنها المغرب تخص الحالات التي سجلتها سلطاته، في حين أن الحصيلة الأخرى تتعلق بالضحايا الذين أحصاهم الجانب الإسباني. هذا كله من باب الحيطة والحذر إلى غاية صدور تقرير إسباني رسمي نهائي.
لكن هذا التحفظ المنهجي يكشف طبيعة المشكلة الحقيقية ولا يبددها؛ فالأزمة ليست فقط في أن هذا الطرف أخطأ في العد وذاك أصاب، وإنما في غياب بيان مشترك أو آلية شفافة توضح تعريف كل رقم، وزمن احتسابه، ومجاله الجغرافي، ومصادره، وكيفية التحقق منه.
وقد فاقم التصريح المشكلة حين قدم الرقم المغربي باعتباره “المرجع المعتمد”، من غير أن ينشر منهجية العد أو البيانات التفصيلية التي تسمح بفحصه. إن السلطة الإحصائية تحتاج، في الأزمات المتنازع حولها، إلى قدر من الشفافية يجعل الدقة قابلة للتحقق. وهنا يكون مجرد إعلان امتلاك معطيات دقيقة مربِكاً للمصداقية والمتلقي معاً.
وحين يرى المواطن الحدثَ في بث مباشر، ثم يسمع أرقاماً مختلفة اختلافاً كبيراً من جهات رسمية متعددة، لا يكفي أن يُطلب منه تصديق جهة لأنهـا الجهة الرسمية الوطنية. إن تفسير منشأ الاختلاف تلافياً لتَحَوّل حرب الأرقام إلى أزمة في الثقة لا في الحساب وحده، هو المطلوب في مثل هذه الوضعية.
الغائب الإنساني: حين يصبح المواطن رقماً
توقفت تلك التعليقاتُ التفكيكية بإلحاح عند خلو التصريح، في صيغته المنشورة، من تعزيةٍ صريحة لأسَر الضحايا أو تَرَحُّمٍ عليهم. صحيح أن البلاغ قد أورد الحديث عن الوفيات والتحقق من الهويات واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية والإنسانية، لكن من دون لغة واضحة تعترف بالحزن الوطني أو تشارك الأسرَ مصابَها.
قد يبدو هذا الاعتراض شكلياً أمام حجم الأسئلة الأمنية والسياسية، لكنه في الحقيقة يمس وظيفة أساسية من وظائف الخطاب العام، ما دام أن الدولة، من حيث هي كذلك، لا تتحدث إلى مواطنيها فقط بوصفها جهازاً لجمع المعلومات وتنفيذ القانون، وإنما بوصفها جماعة سياسية تمثلهم رمزياً واخلاقياً، وتقوم على تربية الالتزام الأخلاقي والنضج الإنساني في وعيهم.
يفترض، مبدئياً وإنسانياً على أقل تقدير، أنه في لحظات الفاجعة تكون كلمةُ التعزية إعلاناً بأن الضحية تظل مواطناً كامل الكرامة، مهما كانت مخالفتها للقانون أو خطورة الفعل الذي أقدمت عليه. وهي بذلك تفصل بين إدانة العبور غير النظامي وبين نزع القيمة الإنسانية عمن شارك فيه.
وقد استشعرت التعليقات المعنيةُ أن لغة التصريح قسّمت المشهدَ إلى أجهزة راصدة، وحدود مؤمنة، وأشخاص مخالفين، وإجراءات قانونية، بينما تَراجَع الإنسانُ إلى خانة إحصائية. بل إن قِسماً مهماً من التصريح خُصص للالتزامات الدولية، وحماية الحدود، والشراكة في مكافحة الهجرة، في حين لم تظهر الأسر المكلومة والمفقودون والدعم النفسي والاجتماعي بما يناسب حجم المأساة.
ومع ذلك، ينبغي ألاّ يتحول نقدُ البرودة اللغوية إلى بديل عن النقد المؤسسي. فالتعزية وحدها لم تكن لتجعل البلاغ كافياً، كما أن دفء اللغة لا يعوض التحقيق والمحاسبة. وهنا، كان المطلوب الجمعَ بين الاعتراف الإنساني والإجراء العملي: خلايا لتلقي بلاغات المفقودين، وقنوات معلنة للأسر، وآليات للتعرف على الجثامين، وتحديثات دورية للحصيلة، ودعم طبي ونفسي واجتماعي. وما هذا الجمْع على الدولة المعاصرة بغريب ولا بعسير.
من يتحدث باسم الدولة؟
لقد قرأه المعلقون الناقدون إسنادَ التواصل إلى الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية بوصفه مؤشراً على تعريف الدولة للحدث؛ ذلك أن المتحدث، ما دام موظفاً في وزارة الداخلية، فإن الواقعة عوملت أساساً باعتبارها ملفاً أمنياً وحدودياً، لا أزمة سياسية واجتماعية وطنية. وفي هذا السياق، يكون من نافلة القول التنبيهُ على أن هذا المأخذ على هذا الإسناد ليس اعتراضاً بروتوكولياً.
فصحيح أن وزارة الداخلية هي الجهة الأكثر اتصالاً بتدبير الحدود والأمن الترابي، ولذلك لا غرابة في أن تقدم المعطيات الميدانية، لكن الحدث تجاوز اختصاصَها المباشر، لأنه يمس سياسات التشغيل والتعليم والشباب والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية والهجرة والدبلوماسية والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، كما يَطرح سؤالَ المسؤولية الحكومية، لا المسؤولية الأمنية وحدها.
لذلك لم يكن الخلل الحاسم في رتبة المتحدث، بل في غياب استجابة سياسية مركبة: رئيس حكومة أو ناطق حكومي يقدم الموقف العام، ووزير داخلية يشرح التدبير الأمني، ووزراء معنيون يعرضون الإجراءات الاجتماعية، ومؤسسة قضائية توضح التحقيقات، وندوة صحفية تسمح بأسئلة الصحفيين.
أما التصريح الأحادي، المسجل أو المقروء من دون تفاعل، فيُبقي المجتمعَ في موقع المتلقي المرتبك، ولا يحوّل التواصلَ إلى مساءلة عمومية. ومن هنا اكتسب سؤال بعض المعلقين دلالته: ما وظيفة الحكومة والبرلمان والمؤسسات المنتخبة إذا كانت الدولة، في الأزمات الكبرى، لا تَظهر إلا من خلال جهاز إداري أمني؟
هذا السؤال يكشف اختلالاً في تمثيل المسؤولية بشكل أوسع من مجرد اختصاص للداخلية. فحين تتعدد أسباب الأزمة، ينبغي أن تتعدد المؤسسات التي تتحمل عبءَ تفسيرها ومعالجتها.
من الأزمة الاجتماعية إلى الأزمة السياسية:
وسّعت بعضُ التعليقات دائرةَ المسؤولية لتشمل طبيعة التنمية، وانسدادَ المشاركة السياسية، وإضعاف الأحزاب، والتحكم في المجال الانتخابي. وهذا الانتقال من الاجتماعي إلى السياسي ينطوي على فكرة عميقة، وإن احتاجت بعضُ صيغه إلى مزيد من الإثبات.
فالهجرة الجماعية قد تَنتُج عن الفارق بين التطلعات والإمكانات أكثر مما تَصدُر عن الفقر المطلق، كما قد تَنتج عن شعور بأن المجتمع لا يتيح مساراً عادلاً للترقي، وأن المؤسسات لا تسمع المطالب ولا تمكن الشباب من التأثير في القرارات التي تمس مستقبلهم.
وحين تضعف قنوات التعبير والمشاركة، قد يتحول “الهروب” و”المغاردة” إلى بديل عن “الصوت” و”المشاركة”، في بحثٍ عن تغيير المجال الجغرافي كلِّه، لا فقط عن تغيير شروط الحياة داخل المجال السياسي والاجتماعي. ومن هذه الزاوية تكون الهجرةُ تصويتاً صامتاً على انكسار الثقة في إمكان الإصلاح من الداخل، وإن تجلت في صورة البحث عن انتقال نحو دخل أعلى.
غير أن الربط المباشر بين ممارسات انتخابية بعينها وبين موجة العبور يحتاج إلى دراسة وأدلة، ولا يكفي فيه التّزامنُ أو الموقف السياسي من وزارة الداخلية. الأصح أن يقال إن التعليقات أعادت طرح سؤال العلاقة البنيوية بين الديمقراطية والتنمية والأمل الاجتماعي: هل يستطيع نموذج تنموي أن يثبِّت الشبابَ في وطنهم إذا كانوا يشعرون بأنهم خارج القرار، وأن السلطة الحقيقية بيد المعيَّن الذي يتحكم فعلياً في المنتخَب، وأن قواعد المنافسة والترقي غير عادلة؟
بهذا المعنى تُستحضر الديمقراطية في النقاش باعتبارها إحدى آليات إنتاج الثقة وإمكان المستقبل.
سبتة بين قاموس السيادة وقاموس الشراكة الحدودية:
لاحظت عدةُ تعليقات غاضبة أن التصريح لم يصف سبتة ومليلية بالمحتلتين، بل تحدث عن العبور نحو “الفضاء الأوروبي” وعن أمن الحدود والالتزامات الدولية. وقد فُهم ذلك باعتباره تراجعاً دلالياً عن الخطاب المغربي التقليدي بشأن المدينتين.
ينبغي هنا التمييز بين الدلالة الخطابية والاستنتاج السياسي. فعدم استعمال لفظ “المحتلة” في تصريح أمني لا يكفي وحده لإثبات تحول رسمي في الموقف السيادي للمغرب. قد يكون اختيار المصطلحات نابعاً من طبيعة الخطاب الموجه جزئياً إلى الشركاء الإسبان والأوروبيين، ومن الرغبة في تأكيد التعاون الحدودي.
ومع ذلك فإن اللغة ليست محايدة تماماً، إذ عندما تُقدم سبتة ومليلية باعتبارهما بوابتين إلى الفضاء الأوروبي، يصبح الحدُّ الفاصل بينهما وبين المغرب، وظيفياً، حدوداً يتعهد المغرب بحمايتها، حتى وإن ظلت السيادة عليهما موضع نزاع في الخطاب الوطني.
وهنا تكشف التعليقات مفارقة سياسية، فالمواطنون الذين عبَروا نظروا إلى المدينتين باعتبارهما منفذاً إلى أوروبا، والدولة تحدثت عنهما في إطار حماية الحدود الأوروبية والتزامات الشراكة، بينما استدعى منتقدو البلاغ قاموس الاحتلال والسيادة. وهكذا تنازعت الواقعةَ ثلاثةُ تصورات للمكان نفسه: أرضاً مغربية محتلة، وحدّاً خارجياً للاتحاد الأوروبي، وباباً فردياً للخلاص الاجتماعي.
سقوط سردية “التدبير العبقري”:
زيادةً على ما أثبته، تشمل أهميةُ التصريح ما نفاه بصورة غير مباشرة؛ فقد سبقت صدورَه رواياتٌ حاولت تصوير الانفلات الحدودي باعتباره عملية مغربية مدبرة بعناية للضغط على إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي، بل باعتباره دليلاً على ذكاء استراتيجي أوقع مدريد في مأزق.
لكن تأكيد الداخلية أن العبور نتج عن تضليل وشبكات واتجاهات غير نظامية، مع التشديد على إعادة الأشخاص والتعاون مع إسبانيا وحماية الحدود، يقوض فكرة أن ما وقع كان إنجازاً سياسياً مقصوداً. كما أن عودة السلطات إلى تشديد المراقبة وقبول الإعادة السريعة يتفق أكثر مع منطق الاحتواء وتقليل الخسائر الدبلوماسية منه مع منطق العملية المخطط لها.
وهذه واحدة من أهم إضافات التعليقات، أعني رفض تحويل مأساة مواطنين يفرون جماعياً من بلدهم إلى مادة للفخر الوطني أو الاستعراض الاستراتيجي. فحتى لو كانت للأزمة آثار دبلوماسية، لا يجوز قلب معناها الأخلاقي والاجتماعي، ولا تحويل أجساد الشباب وموتهم إلى أدوات في سردية الانتصار.
وفي المقابل، لا ينبغي استبدال هذه السردية بسردية مؤامرة أجنبية مكتملة الأركان من دون دليل. فالروايتان، على تعارضهما، تشتركان في شيء واحد هو نقل مركز التفسير من المجتمع المغربي إلى عقل خفي خارق، وطني أو أجنبي. أما التفسير الأكثر صرامة فيبدأ من الواقع المرئي الذي يقول ميدانياً إن مواطنين مغاربة تحركوا بكثافة استجابة لوعد بالعبور، في سياق اجتماعي جعل ذلك الوعد قابلاً للتصديق.
الدولة ووسائل التواصل: نهاية احتكار الرواية
يتكرر في التعليقات وصف وزارة الداخلية بأنها تتحدث من خارج الزمن الذي يعيشه الشباب. وليس المقصود الزمن التاريخي المجرد، بل التحول الذي أحدثته وسائل التواصل في علاقة السلطة بالحقيقة العامة.
في النموذج التقليدي، كانت الدولة تستطيع أن تتأخر في إصدار البلاغ، ثم تقدم روايتها بوصفها المصدر المركزي الأوحد للمعرفة. أما اليوم، فإن الحدث يصل إلى الجمهور لحظة وقوعه من عشرات الزوايا: صور الحشود في المحطات، ومقاطع الشاحنات والحافلات، والعبور سباحة، وتدخلات الأمن، وشهادات العائدين، وصور الضحايا.
ومع أن هذا التدفق في المنشور الإعلامي المتاح “ديمقراطياً” قد يكون مصدراً للتضليل، لكنه ينهي احتكار الرؤية. ولذلك لم يعد البلاغ المتأخر قادراً على أن يمحو ما شاهده الناس، بل صار مطالَباً بأن يفسره ويتفاعل معه.
ومن هنا نشأ التصادم بين “الحقيقة الإدارية” و”الحقيقة المرئية”؛ فالأولى تستند إلى آليات الدولة ومحاضرها وإحصاءاتها، والثانية تتشكل من تراكم الصور والشهادات والبث المباشر. ولا يمكن معالجة التعارض بينهما بمجرد مطالبة المجتمع بالثقة، بل بفتح البيانات، والرد على المشاهد المثيرة للجدل، وتوضيح سياقاتها، والتحقيق المستقل في مزاعم استعمال القوة بالطريقة التي تضمنّها فيديو “سيزيف” المنتشر في الإعلام كالنار في الهشيم.
لقد أكد التصريح احترام القانون والتناسب، لكنه لم يعلن، في صيغته المنشورة، عن تحقيق مستقل مخصص لمقاطع الضرب والتعنيف المتداولة. وفي ظل وجود صور تناقض، ظاهرياً على الأقل، لغة التناسب، يصبح التحقق العلني أكثر إقناعاً من التبرئة العامة.
ما الذي أصابت فيه تلك التعليقات، وأين بالغت؟
يمكن تجلية قوة التعليقات في أربع خلاصات كبرى:
أولاً: أصابت حين رفضت اختزال الحدث في التضليل والشبكات، وطالبت بالتمييز بين أسباب التعبئة الرقمية والأسباب الاجتماعية العميقة للاستجابة.
ثانياً: أصابت حين كشفت التوتر بين ادعاء الاستباق وبين حجم العبور، وطالبت بتحويل المفاهيم الأمنية العامة إلى معطيات قابلة للفحص.
ثالثاً: أصابت حين نبهت على قصور اللغة الإنسانية والتمثيل السياسي، وعلى أن الفاجعة لا تعالج بتصريح تقني صادر عن قطاع واحد.
رابعاً: أصابت حين رفضت روايات التمجيد التي تحول فرار المواطنين وموتهم إلى عبقرية استراتيجية أو انتصار دبلوماسي.
لكن بعض التعليقات تجاوز النقد المنضبط حين ساوت مباشرة بين أرقام لا تقيس الشيء نفسه، أو تعاملت مع كل الجثامين الموجودة في سبتة باعتبارها حصيلة الموجة نفسها، أو جزمت بوقوف جهاز أجنبي خلف التحريض من دون تقديم دليل، أو أقامت علاقة سببية مباشرة بين أحداث العبور ومواقف سياسية وانتخابية محددة من غير وسائط إثبات كافية.
غير أن هذه المبالغات لا تضعف جوهر الاعتراض العام، لكنها تبين أن نقد الرواية الرسمية ينبغي ألا يعيد إنتاج عيوبها المتجسدة في ثلاثية: الانتقائية، واليقين السابق على التحقيق، والانتقال من الاحتمال إلى الجزم.
بلاغ نجح في الإخبار وفشل في التفسير:
ليس من الإنصاف القول إن تصريح الداخلية لم يقل شيئاً مطلقاً، فقد قدم أول تقدير رسمي للأعداد، وحدد عوامل مباشرة للتعبئة، وأشار إلى قرار قضائي إسباني وتأويلاته، وأعلن فتح أبحاث قضائية، وأوضح بعض إجراءات العودة والتعاون مع إسبانيا. وهذه عناصر إخبارية لا ينبغي إنكارها لمجرد الاختلاف مع بنائه السياسي.
لكنه أخفق في أن يتحول من بيان قطاعي عن ضبط الحدود إلى خطاب دولة عن أزمة مجتمع.
لقد أجاب، جزئياً، عن سؤال: كيف انتشرت دعوة العبور؟ لكنه لم يجب عن سؤال: لماذا كان عشرات الآلاف مستعدين لتلبيتها؟
وتحدث عن حماية الأرواح، لكنه لم يفسر كيف وقعت الخسائر بهذا الحجم، ولا كيف ستتم مواكبة أسر الضحايا والمفقودين.
وأعلن أرقاماً مرجعية، لكنه لم يبين منهجية قادرة على تفسير الفارق الكبير بينها وبين الأرقام الإسبانية.
ودافع عن احترام القانون، لكنه لم يفتح المجال بعدُ أمام تحقق مستقل وعلني من مشاهد التدخل الأمني.
وشدد على الشراكة الدولية، لكنه لم يقدم التزاماً سياسياً داخلياً بمراجعة السياسات التي جعلت الهجرة الجماعية ممكنة نفسياً واجتماعياً.
إن أخطر ما كشفته الفاجعة ليس أن شبكات رقمية تستطيع نشر إشاعة، بل أن الإشاعة وجدت قطاعات وفئات مجتمعية واسعة مستعدة لتحويلها في ساعات إلى حركة نزوح. وليس أخطر ما كشفه التصريح أنه تأخر أو أن أرقامه نوقشت، بل أنه ظل يتحدث عن مجتمع متحرك بلغة جهاز إداري ثابت.
كانت الدولة مطالبة بأن تقول للمغاربة، لا للأوروبيين وحدهم، إنها فهمت الرسالة الكامنة وراء المشهد، فهمت أن آلاف المواطنين لم يروا في البحر حاجزاً، بل رأوا فيه احتمالاً، ولو قاتلاً، للخروج من حياة فقدوا الثقة في إمكان تغييرها.
وما لم تتحول الفاجعة من ملف للهجرة غير النظامية إلى سؤال في العدالة الاجتماعية، والكرامة، والثقة، والتمثيل السياسي، فإن تشديد المراقبة قد يغلق المعبر، لكنه لن يغلق المسافة المتسعة بين الشباب ووطنهم.
باحث في فلسفة التواصل وتحليل الخطاب