قراءة في دروز بلغراد
ليليان خوري
مسيرة ربيع جابر المليئة بالنجاحات وإنتاجاته الكثيفة التي أثمرت حصاداً ادبياً ليس بالعمل السهل.
أن يحوز شابٌ عشريني على جائزة الناقد للرواية، عن روايته "سيد العتمة" في العام 1992، يدّل على حضور روائي استثنائي لفت العالم ليس بغزارة إنتاجاته فحسب انما بمحتواها ومضامينها.
البحث الطويل الذي استهلكه جابر في الأرشيف العثماني ليختبر مسار الأحداث وقتها، لم تذهب سدىً.
فلغته الروائية المشوّقة، خوّلته الفوز بجائزة بوكر العربية عن دروز بلغراد عام 2012.
شكّل التكامل في علاقة الكاتب والمركز الثقافي العربي في ولادة رزمة من الروايات الناجحة سوياً.
"دروز بلغراد" لجابر، رواية تاريخية تحمل بعداً إنسانياً عالياً.
بدأت القراءة، فأحسست بلفحةٍ من البرودة، قد تكون المسافة الزمنية للرواية سبباً لهذا الجفاء، أو لربما الميل لدى القراء إلى الزمن القريب المعاصر.
مع توالي الصفحات، بدأت القصّة "تتكشّح" من الغموض، وسردت الأحداث نفسها بتلقائية وعفوية.
استحضر جابر التاريخ القديم، من الحرب اللبنانية سيّما أحداث عام 1860 أثناء الاحتلال العثماني، الذي يحتّل الأرض، ويسلب منك حقوقك كإنسان.
جعلَ جابر من تلك الحقيقة روايةً، بيّنَت فداحة الصراع بين الدول العظمى الشرقية والغربية على أرض لبنان وكيف استخدمت دماء اللبنانيين وقوداً لها.
أراد العثمانيون إضعاف الغرب من خلال نحر المسيحيين على يد الدروز، فنثروا الفتن الطائفية بينهم، ثم قدَّموا للغرب الدروز أنفسهم قرباناً للتكفير عما اقترفوه. فحُكِمَ على أكثر من خمسمائة شخص، بالنفي إلى الخارج، فأظهرت الأحداث كيف تتحكّم الدول في مصائر الشعوب.
من خلال هذه الرواية أفرج جابر إلى الملأ عن شخصية بقيت مجهولة في التاريخ.
سوءُ حظِ بائعِ بيضٍ مسيحي، على رصيف ميناء العام 1860، قلبت حياته رأساً على عقب. وبيّنَت قدرة حنا على تحمّل المّشّقات طارحاً فكرة العدالة في العالم، مسلّطاً الضوء على الظلم حين يُسلب حقّ المرء في الحرية والكرامة.
أسهب جابر في سرد التفاصيل غير الممّلة، وإن استفاض أحياناً، ومع كل تفصيلٍ للحال، كان يحيكها بحبكةٍ من البؤس القاسي والجميل معاً.
خيّطَ المأساة ببساطة مدروزة بصدقٍ كبير، "فَقَبَعَكَ" من مكانك وأبحَرَ فيك برحلةٍ طويلة من بلغراد إلى صربيا إلى بريشتينا إلى الشام الخ. سفَرٌ طويلٌ، إمتَدَ على مدى 12 عاماً، جعلنا نلعق مرارات التعذيب مع حنا ونختبر وحشية الإحتلال.
تعابير مؤثّرة استوقفتني من بين جُمَلٍ كثيرة .
"تراخى جلده القديم على عظام مدببة"
"تلّقى السياط في أنين حيواني مستسلم"
"تحوّل إلى بهيمة وهو يحاول أن يتكلّم"
وعندما كان يلوح بصيص أملٍ في الطريق الوعرة، كان يمتّعنا بالوصف في خطوةٍ تهدئ من روعنا، وتبلسم جراح حنا وتخفّف بالتالي من هول ما نقرأه.
نَصَهُ الأدبي البسيط يبقيك مشدوداً إلى الرواية. وقاموسه مزروعٌ بمفرداتٍ من بذورنا الجبلية.
يتكلّم عن "القضامة المحمصة والزبيب" المردكوش والحبق" وجمل عامية نستعملها في يومياتنا هل "حدلت" هيلانة البيت، "بتشتوا"ببيروت؟ ولو أن الغلبة في النص للغة الفصحى، نراه "يطعّم" نصه بنكهة عامية بسيطة أي اللغة المحكية "الدارجة".
جُمَلَهُ القصيرة، تخدم الوصف وتبسّط المعنى، فلا تدخله في تعقيدات الفذلكة النصيّة الصعبة.
مثلاً: "ابتلّت عيناه بالعرق". "أيقظته السناجب والطيور". اصطكت اسنانه". جمل قصيرة تحمل المعنى المراد، دون اعتماد الإطالة غير المبررّة.
على متن رواية "دروز بلغراد"، لم تحمل سفينة ربيع جابر مؤونة طائفية بل ألقت حمولة المذهبية وأثقال الحروب في قعر البحر.
المهانة التي تلقّوها، تماهى فيها المسيحي والدرزي، والمذلّة الموحّدة، أفضت إلى أن الإنسانية أسمى من الدين، والتضامن بين المنفيين عرّى منطوق الحروب وأفرغ أسبابها، وبيّنَ أن الحرب عبثية لا يستفيد منها أحد.
رفع جابر راية التعايش، وأظهر جلياً أن الأخلاق هي التي تحكم العلاقات بين البشر، وهم سواسية في الحقوق والواجبات مهما اختلفت دياناتهم . فأبطال هذه القصة شكّلوا وحدة حال جسدّوها أمثولة في الأخوة.
أرّخَ الكاتب الحرب الأهلية، لكنه في المقابل نشّط ذاكرة جميلة في محطات تعايش بين الدروز والمسيحيين لم تهجر روح الدروز والمسيحيين معاً بالرغم من الحروب التي خاضوها سابقاً، "ففاشت" وفاضت الشهامة الدرزية في مقابل وفاءٍ مسيحيٍ سطّرَ فيها الأبطال ملاحم البطولة والتآخي.
الرسالة التي وجّهها كانت مزدوجة، فهو أودعنا رسالةً من التاريخ الماضي حول الوحشية، وأودع التاريخ المعاصر رسالة أكثر بلاغةً في فكرة التعاضد والإنسانية التي ننشدها في كل الأزمنة.
اعتمد الكاتب في سرده على تقسيم المراحل. فمرةً يهيم بالقارئ خارج الحدود وأخرى يعيده إلى الوطن حيث تمكث هيلانة وبربارة، فيعيدنا إلى البداية التي ينطلق منها المعنى الحقيقي للقصة. هذا التزاوج بين الخارج الصاخب في المعاناة والداخل الذي يمثّل الانتظار والعودة. أراح القارئ ليستوعب الفكرة أكثر، وهدأَ روعه في أحداث الداخل الهادئة بعدما استنزفته التفاصيل خارجاً حيث القهر والعذاب.
مهّدَ الكاتب للمراحل بعناوين لفصول توصف الأحداث بالتدرّج لمساعدة القارئ على الفهم دون لبس.
لم يختلف كثيراً ربيع جابر في "دروز بلغراد" عن روايته "اميركا". في السرد التاريخي، وكأن ترسبّات الحرب اللبنانية لم تخرج من عقله وقلبه، "كالدملة"على الجلد لا زالت تترك آثارها في نفسه، فيوظفّها أنبل توظيف في التذكّر ليحذّرنا منها، وينهينا عنها من جديد، وكشف عبثيتها وكلفتها العالية.
لم يتخلى جابر عن "لبوس"عنصر التشويق لروايته. وجعل من القارئ مُشاهد "ومتنبي" نهايات لكل المراحل يفترض في كل مرة نهاية حتمية إلى حنا بعد كل وصفٍ للمعاناة التي اختبرها.
ظلَّ ربيع جابر يتبنّى الإثارة في السرد، حتى آخر شطر. حين اوهم القارئ أن حنا سيموت على عتبة، فحبس أنفاسنا حين كتب: " توّقفَ في البيت الصغير على حائط كنيسة مار الياس، لكن هذا مستحيل، هذا كلّه منام؟ كابوس؟ ما زلت في الحبس، ستموت هنا يا حنا يعقوب؟ فأسهم في رفع مستوى الأدرينالين في جِسمِنا، إلى حين افرَجَ عن جملته التي بعثت الروح في القارئ. "هذه هيلانة أنا في البيت". شعَرَ بالأصابع على جسمه تتأكّد أنه ليس شبحاً، فحضن زوجته وابنته وبكى.
وبكينا بدورنا نحن القراء مع بكاء حنا، ليس فقط عليه فحسب بل على أنفسنا حيث نعيش في الزمن الحديث مظاهر سلبٍ واستيلاب لحقوقنا وكراماتنا لم تنته فصولاً مع الوقت.