قراءة في الخلفيات غير المعلنة لأزمة 30 يوليوز بسبتة ومستقبل الشراكة المغربية الإسبانية

ليست العلاقات المغربية الإسبانية مجرد علاقات ثنائية بين دولتين متجاورتين، بل هي علاقة استثنائية تحكمها اعتبارات التاريخ والجغرافيا وتشابك المصالح الاستراتيجية. فعلى الرغم من تعدد الأزمات التي عرفها هذا المسار بشكل حلقي عبر التاريخ، فقد أثبت البلدان في كل محطة أن منطق التعاون كان دائماً أقوى من منطق القطيعة، وأن إدارة الخلافات بالحوار تظل الخيار الأكثر واقعية في ظل وحدة المصير على ضفتي مضيق جبل طارق.

وقد بلغت هذه العلاقات إحدى أفضل مراحلها عقب الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، الذي فتح صفحة جديدة بين الرباط ومدريد، قائمة على الثقة المتبادلة، والاحترام المتبادل للمصالح العليا، والشراكة الاستراتيجية. وانعكس هذا التحول إيجاباً على التعاون الأمني، وتدبير الهجرة، والاستثمارات، والطاقة، والتنسيق السياسي، حتى باتت العلاقات المغربية الإسبانية توصف بأنها نموذج للتعاون بين ضفتي المتوسط.

غير أن الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة يوم 30 يوليوز أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول مستقبل هذه الدينامية الإيجابية، خصوصاً وأنها جاءت في سياق إقليمي ودبلوماسي معقد، يجعل من الصعب النظر إليها باعتبارها مجرد حادث معزول. فالتوقيت، وتراكم عدد من الملفات الخلافية خلال الأسابيع الأخيرة، يدفعان إلى التساؤل عما إذا كانت الأزمة تعكس رسائل سياسية غير معلنة بين البلدين.

وبطبيعة الحال، لا يمكن الجزم بالأسباب الحقيقية في غياب توضيحات رسمية، غير أن القراءة الأولية لتسلسل الأحداث، وفهم طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، تسمح بطرح فرضية مفادها أن ما وقع قد يكون تعبيراً عن تشنج خفي في العلاقات الثنائية بين سلطات الدولتين وامتعاض أحد الأطراف من تحركات الآخر فيما يخص بعض الملفات الحساسة.

ويأتي في مقدمة هذه الملفات نجد موضوع مقترح القانون الذي صادقت عليه لجنة العدل بالكونغرس الإسباني، والقاضي بمنح الجنسية الإسبانية، عبر مسطرة التجنس، لفئات من المولودين في الصحراء المغربية خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية قبل 29 شتنبر 1977، وهو ما يمكن اعتباره استفزاز صريحا للمغرب. فبالرغم من أن المشروع لا يزال في مساره التشريعي، فإن عدداً من المحللين اعتبروا أن رمزيته السياسية قد تُقرأ باعتبارها خطوة لا تنسجم مع مناخ الثقة الذي يفترض أن يحكم العلاقات الثنائية.

كما تشكل خطة إعادة فتح الجمارك التجارية مع سبتة ومليلية تدريجيا إحدى الملفات الشائكة داخل العلاقات المغربية الإسبانية الحالية. فمنذ إطلاق خارطة الطريق الجديدة، ظل هذا الملف يواجه تعثراً واضحاً بسبب اختلاف مقاربة الطرفين. فإسبانيا تصر على اعتماد “حدود جمركية” كاملة وإخضاع حركة العبور لمقتضيات فضاء شنغن، مع فرض التأشيرة على جميع المواطنين المغاربة. بينما وجهة النظر المغربية، ترى أن القبول بهذه الصيغة يطرح إشكالين أساسيين. أولهما أن ذلك قد يُفهم باعتباره إقراراً ضمنياً بإسبانية سبتة ومليلية، وثانيهما حرمان سكان تطوان والناظور والمناطق المجاورة من حق تاريخي ظل قائماً لعقود، يتمثل في الولوج إلى المدينتين دون تأشيرة، بالنظر للروابط الاجتماعية والعائلية والاقتصادية العميقة التي تجمع سكان المنطقتين.

وفي هذا الإطار، قرر المغرب، بشكل أحادي ومؤقت، تعليق الجمارك التجارية مع سبتة ومليلية خلال الفترة الممتدة من 15 يونيو إلى 15 شتنبر 2026، تزامناً مع عملية “مرحبا 2026”. فيما يمكن اعتباره إجراءً تنظيمياً موسمياً يهدف إلى ضمان انسيابية حركة العبور خلال فترة الصيف، وليس قراراً سياسياً. غير أن هذا التعليق أثار انزعاجاً داخل الأوساط الحكومية والاقتصادية الإسبانية، بالنظر إلى الأهمية الحيوية التي تمثلها المبادلات التجارية مع المغرب بالنسبة لاقتصاد المدينتين المحتلتين.

ومن بين التطورات التي قد تكون أسهمت كذلك في تعكير الأجواء، التقارب السياسي المفاجئ بين مدريد والجزائر، الذي تجسد في زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليوز 2026، ولقائه بالرئيس عبد المجيد تبون، والإعلان عن عقد الاجتماع رفيع المستوى الثامن بين البلدين خلال شهر أكتوبر المقبل. ورغم أن تنويع الشراكات الإقليمية يدخل في صميم السياسة الخارجية لأي دولة، فإن توقيت هذه الزيارة، بعد أسابيع من تعثر ملف الجمارك التجارية، يسمح بظهور تأويلات تعتبر هذا التحرك محاولة من مدريد لإعادة التوازن في علاقاتها المغاربية، أو رسالة سياسية غير مباشرة إلى الرباط.

ولا ينبغي إغفال عامل آخر أقل حضوراً في الخطاب الرسمي، لكنه حاضر بقوة في النقاش الإعلامي، ويتمثل في التنافس غير المعلن بين المغرب وإسبانيا حول احتضان المباراة النهائية لكأس العالم 2030، الذي سينظم بشكل مشترك مع البرتغال. ففي الوقت الذي تتمسك فيه الأوساط الرياضية الإسبانية بأحقية ملعب سانتياغو برنابيو في استضافة النهائي، يراهن المغرب على مشروع ملعب الحسن الثاني، الذي ينتظر أن يكون الأكبر عالمياً. وقد ساهمت بعض التصريحات السابقة الصادرة عن مسؤولين في كرة القدم الإسبانية في تأجيج هذا الجدل وإثارة مشاعر الاستياء لدى الرأي العام المغربي.

وبعيدا عن سياق التشنج الصامت في علاقات الدولتين، انصاف إلى ذلك قرار المحكمة العليا الإسبانية، في ثامن يوليوز 2026، الذي اعتبر أن إجراءات الإرجاع الفوري للمهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر لا تستند إلى الأساس القانوني نفسه المعتمد بالنسبة لمحاولات العبور عبر الحواجز الحدودية البرية. وقد أثار هذا القرار نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا، حيث يرى بعض المتابعين أنه قد يحد من هامش تحرك السلطات الإسبانية في مواجهة الهجرة غير النظامية عبر البحر، بل إن هناك من يعتبر أنه قد يُفهم، ولو بصورة غير مباشرة، على أنه يشجع شبكات الهجرة غير النظامية على تكثيف محاولات العبور. ومن الطبيعي أيضا أن يشكل ذلك في عصر تدفق المعلومات بسرعة نوع من “النداء” من أجل العبور سباحة نحو مدينة سبتة.

إذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن أزمة 30 يوليوز قد لا تكون سوى مؤشر على دخول العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة أكثر حساسية، تستمر فيها الشراكة الاستراتيجية، لكن مع عودة الرسائل السياسية المتبادلة واستعمال بعض الملفات كورقة ضغط دبلوماسية.

وأول التداعيات المحتملة يتمثل في احتمال تباطؤ تنفيذ عدد من المشاريع والأوراش المشتركة التي أطلقت بعد إعلان أبريل 2022، سواء في المجال الاقتصادي أو اللوجستي أو المؤسساتي. كما قد تتأثر المبادلات التجارية والاستثمارات، ولو بصورة مؤقتة، خاصة وأن إسبانيا تعد الشريك التجاري الأول للمغرب، بينما يمثل المغرب أحد أهم الأسواق الخارجية للشركات الإسبانية.

وقد يمتد تأثير الأزمة أيضاً إلى مجالات التعاون الطاقي، والربط الكهربائي، والاستثمارات المشتركة في الطاقات المتجددة، وهي مشاريع أصبحت تشكل ركيزة أساسية للشراكة بين البلدين، بما يجعل من مصلحة الطرفين تحييدها عن أي توتر سياسي عابر.

أما أكثر المجالات حساسية، فهو التعاون في تدبير الهجرة غير النظامية، الذي ظل خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نماذج الشراكة الناجحة بين الرباط ومدريد. فالتنسيق الأمني وتبادل المعلومات والعمليات المشتركة لا يخدمان مصالح البلدين فحسب، بل يسهمان أيضاً في حماية الأمن والاستقرار في الفضاء الأورو-متوسطي. ومن ثم، فإن أي تراجع في مستوى الثقة السياسية قد ينعكس سلباً على فعالية هذا التعاون، وهو ما قد تستفيد منه شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

غير أن مقاربة هذه الظاهرة من زاوية أمنية خالصة تبقى غير كافية. فالهجرة غير النظامية هي، في جوهرها، انعكاس لاختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة تعيشها قطاعات واسعة من شباب الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث يتزايد الشعور بانسداد الأفق وضعف فرص الاندماج وتحقيق العيش الكريم. وفي مثل هذا السياق، قد تتحول أي إشارة، مهما بدت محدودة، أو أي خطاب يُفهم على أنه تخفيف للقيود، أو أي ثغرة قانونية أو ميدانية، إلى دعوة غير مباشرة للمغامرة بالحياة في عرض البحر. فبالنسبة إلى آلاف الشباب، لم تعد الضفة الشمالية مجرد وجهة جغرافية، بل أصبحت تمثل “الفردوس المأمول”، أو ما يمكن تسميته بـ”الفردوس الوهمي”، الذي تُعلَّق عليه آمال الهروب من واقع يفتقد فيه كثيرون إلى الأمل في بناء مستقبل كريم داخل أوطانهم.

ومن هنا، فإن الحفاظ على الشراكة المغربية الإسبانية في مجال الهجرة لا ينبغي أن يقتصر على تعزيز التنسيق الأمني، بل يجب أن يقترن أيضاً بسياسات تنموية وإنسانية تمنح الشباب بدائل حقيقية عن الهجرة المحفوفة بالمخاطر. فاستقرار ضفتي المتوسط لن يتحقق فقط بحماية الحدود، وإنما كذلك ببناء الأمل، لأن الإنسان الذي يجد كرامته ومستقبله في وطنه لن يجعل من البحر طريقاً للهروب، ولن يرى في الضفة الأخرى خلاصه الوحيد.

وفي تقديري، فإن الأزمة الحالية، رغم ما تحمله من مؤشرات تستحق الانتباه، لا ترقى إلى مستوى القطيعة أو الانقلاب على المسار الذي دشنه البلدان منذ سنة 2022. فالمصالح الاستراتيجية المشتركة، والتحديات الأمنية والاقتصادية، والرهانات الإقليمية الكبرى، تجعل من استمرار الحوار خياراً لا غنى عنه. وستظل قدرة الرباط ومدريد على تحصين شراكتهما من التقلبات الظرفية هي المعيار الحقيقي لنجاح هذا النموذج المتوسطي. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن محوه، أما المستقبل، فلا يمكن بناؤه إلا على أساس الثقة المتبادلة، والاحترام الصادق للمصالح الحيوية لكل طرف، والإيمان بأن حسن الجوار ليس مجرد شعار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق المكان والمصير المشترك.

اقرأ المقال كاملاً على لكم