قبل مشاهدة "الأوديسة"... 5 أشياء تساعدك على فهم فيلم كريستوفر نولان
بنى كريستوفر نولان مسيرته السينمائية على إعادة تخيّل أنواع سينمائية مألوفة، من أفلام الأبطال الخارقين والملاحم الحربية إلى السيرة الذاتية التاريخية. ومع فيلم "الأوديسة"، يتّجه المخرج والكاتب البريطاني الأميركي إلى واحدة من أقدم القصص وأكثرها تأثيراً في تاريخ الإنسانية: الملحمة اليونانية القديمة المنسوبة تقليدياً إلى هوميروس. وبينما سيحكم الجمهور في النهاية على معالجة نولان وفقاً لقيمتها الفنية الخاصة، فإن فهم الملحمة الأصلية يساعد على تفسير أسباب هذا الترقب الكبير الذي يحيط بالمشروع.
5 معلومات قبل مشاهدة "الأوديسة"
1- "الأوديسة" ركيزة مؤسِّسة للسرد الغربي
كُتبت "الأوديسة" نحو القرن الثامن قبل الميلاد، وتروي رحلة البطل اليوناني أوديسيوس (مات ديمون) في محاولته العودة إلى وطنه بعد حرب طروادة. استغرقت رحلته عشر سنوات، وهو الزمن نفسه الذي استغرقته الحرب، لتتحول عودته إلى غياب امتدّ عشرين عاماً عن مملكته إيثاكا.

ورغم أنّ الملحمة تحكي قصة رجل واحد، فإنّ تأثيرها امتدّ إلى الأدب والمسرح والرسم والأوبرا والسينما. ويصفها الباحثون باستمرار بأنها إحدى الأعمال المؤسسة للأدب الغربي، لأنها أرست أنماطاً سردية ما زالت تشكل فنّ الحكاية حتى اليوم، مثل الرحلة الطويلة، والبطل المتردد، واختبار الهوية، والبحث عن الوطن.
وترى الباحثة المتخصصة في الدراسات الكلاسيكية إيميلي ويلسون، التي صدرت ترجمتها الإنكليزية المشهود لها عام 2017، أنّ "الأوديسة" لا تزال تحتفظ بقوتها لأنها تطرح أسئلة خالدة حول السلطة، والأسرة، والوفاء، وما يعنيه الانتماء الحقيقي إلى مكان ما.
2- أوديسيوس يشتهر بذكائه لا بقوته
على خلاف أخيل، المحارب المحوري في "الإلياذة"، يحقّق أوديسيوس انتصاراته بفضل الحيلة والاستراتيجية، لا التفوق الجسدي.
ويُنسب إليه ابتكار فكرة حصان طروادة، لكن "الأوديسة" تهتم بالبقاء أكثر من اهتمامها بأمجاد ساحات القتال. وخلال رحلته يواجه العملاق السيكلوب بوليفيموس، والساحرة سيرسي، وحوريات السيرين اللواتي تستدرج أغانيهن البحارة إلى الهلاك، والوحش البحري سيلا.

ويمثل كلّ فصل من هذه الفصول اختباراً لصفة إنسانية مختلفة، مثل حسن التقدير، وضبط النفس، والفضول، أو القيادة. وهذا التركيز على الصراع النفسي، أكثر من الصراع الجسدي الخالص، يجعل الملحمة ملائمة بصورة خاصة لأسلوب نولان، الذي تستكشف أفلامه غالباً الذكاء، والإدراك، والغموض الأخلاقي.
3- الرحلة الحقيقية هي رحلة نفسية
على الرغم من الوحوش والتدخلات الإلهية، فإنّ "الأوديسة" تدور في جوهرها حول الهوية.
يتخفّى أوديسيوس مراراً، ويكبت مشاعره، ويتساءل عمّا أصبح عليه بعد سنوات الحرب والمنفى. وأكبر تحدياته لا يتمثل في هزيمة الكائنات الأسطورية، بل في استعادة مكانته زوجاً وأباً وملكاً بعد عقود من الغياب.

ويرى كثير من الباحثين في الأدب أنّ الملحمة تُعدّ واحدة من أقدم النصوص في التاريخ التي تناولت الصدمة النفسية، والاقتلاع من الوطن، والثمن العاطفي للنزاعات المسلحة. ولا تزال هذه الموضوعات شديدة الراهنية في عالم يتشكل بفعل الهجرة، والمنفى، والحروب الممتدة.
4- الآلهة ترسم المسار وخيارات البشر حاسمة
تشكّل الأساطير اليونانية محوراً أساسياً في الملحمة. فالإلهة أثينا ترشد أوديسيوس وتحميه مراراً، بينما يسعى بوسيدون إلى الانتقام بعدما أعمى أوديسيوس ابنه بوليفيموس، العملاق السيكلوب. أما زيوس، فيشرف على تحقيق التوازن بين العدالة الإلهية والمسؤولية البشرية.

ومع ذلك، لا يصوّر هوميروس البشر بوصفهم ضحايا عاجزين أمام القدر. فالملحمة تستكشف التوتر بين المصير والإرادة الإنسانية، والشخصيات تتخذ قراراتها، وتتحمل عواقبها، وتستحق خلاصها من خلال أفعالها، حتى داخل عالم تحكمه آلهة ذات قوى هائلة.
5- نولان يقتبس عملاً ثقافياً مفصلياً
تُعيد كلّ حقبة قراءة "الأوديسة" بطريقتها الخاصة، فقد حوّلها جيمس جويس إلى الرواية الحداثية "يوليسيس"، بينما استلهم مخرجون، من ماريو كاميريني إلى الأخوين كوين، بنيتها وموضوعاتها بطرائق مختلفة جذرياً.

واليوم ينضمّ كريستوفر نولان إلى هذا التقليد الطويل. وبعد النجاح العالمي الذي حقّقه فيلم "أوبنهايمر"، ارتفعت التوقعات بصورة استثنائية لأنه يتناول عملاً شكّل ما يقرب من ثلاثة آلاف عام من الخيال الفني. وبدلاً من الاكتفاء بإعادة تجسيد الأساطير اليونانية، تدخل معالجته في حوار ثقافي متواصل حول الكيفية التي تواصل بها القصص القديمة مخاطبة الجمهور المعاصر.
ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار حضور "الأوديسة" بعد آلاف السنين. فخلف الآلهة والوحوش والمغامرات الأسطورية، تروي الملحمة قصة إنسان يبحث عن طريق العودة إلى وطنه، ويواجه ماضيه، ويحاول أن يجد نفسه من جديد. وهي قصة لا تزال تلقى صدى لدى القرّاء والمشاهدين حتى اليوم.