قبل زيارة الزيدي لواشنطن... حملة الفساد تدخل مرحلة جديدة
دخلت حملة مكافحة الفساد في العراق مرحلة جديدة مع اتساع التحقيقات وبدء الحديث عن قوائم إضافية قد تطاول شخصيات سياسية وحكومية من الصفين الأول والثاني، في تطور يسبق الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي لـواشنطن منتصف الشهر المقبل.
وبعد موجة الاعتقالات الواسعة التي نُفذت في بغداد وعدد من المحافظات، تبدو الحكومة ماضية في تحويل الحملة من إجراء أمني وقضائي محدود إلى مسار أوسع يستهدف شبكات فساد تراكم نفوذها داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
وبحسب مصادر عراقية مطلعة تحدثت إلى "النهار"، أسفرت الساعات الأولى من الحملة عن اعتقال أكثر من 70 متهماً، بينهم نواب حاليون وسابقون، ووزراء سابقون، ومسؤولون حكوميون، إضافة إلى شخصيات سياسية بارزة تواجه اتهامات تتعلق بهدر المال العام واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع.
ما بعد الاعتقالات الأولى
تؤكد المصادر أن الحملة لا ترتبط بتصفية حسابات سياسية أو بصراع بين القوى المتنافسة، وجاءت في إطار توجه حكومي لإحداث تحوّل فعلي في ملف مكافحة الفساد، الذي ظل لعقود أحد أبرز أسباب تعثر التنمية واستنزاف المال العام وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.
وترى أن توقيت الحملة يرتبط برغبة الزيدي في إظهار جدية الحكومة قبل زيارته المرتقبة لواشنطن، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وسط ضغوط دولية، ولا سيما أميركية، لدفع بغداد نحو إجراءات أكثر حزماً في ملاحقة الفاسدين وتعزيز الشفافية والمساءلة.
وتشير المعلومات إلى أن التحقيقات الجارية مع الموقوفين "قد تقود إلى الكشف عن شبكات فساد مترابطة تضم مسؤولين حاليين وسابقين، وشخصيات سياسية نافذة، ورجال أعمال متهمين بإدارة صفقات وعقود مشبوهة بالتعاون مع جهات متنفذة وجماعات مسلحة".
وقد تفضي الاعترافات والوثائق التي يجري تدقيقها من الجهات القضائية والرقابية إلى إصدار أوامر قبض جديدة خلال الأيام المقبلة "بحق شخصيات من الصفين الأول والثاني".
اختبار القضاء والسلطة
يرى متابعون أن نجاح هذه الحملة لن يُقاس بعدد المعتقلين، بل بقدرة الدولة على استكمال التحقيقات حتى نهايتها، واسترداد الأموال العامة، وتقديم المتورطين إلى القضاء بعيداً من الضغوط السياسية والحزبية.
كما أن شمول الإجراءات شخصيات ذات نفوذ واسع سيشكّل اختباراً لاستقلالية المؤسسات القضائية والأمنية، ولقدرة الحكومة على كسر واحدة من أكثر منظومات الفساد تعقيداً في العراق، بعدما ارتبطت خلال السنوات الماضية بعقود حكومية ضخمة ومشاريع متلكئة وشبكات نفوذ سياسي واقتصادي داخل مفاصل الدولة.
وفي السياق نفسه، يؤكد عضو مجلس النواب العراقي علاوي نعمة، في حديث إلى "النهار"، أن ما جرى "يمثل بداية مرحلة جديدة في ملاحقة المتورطين بملفات الهدر المالي والإداري"، وأن الاعتقالات الحالية "ليست سوى الدفعة الأولى".
ويوضح نعمة أن الحملة استندت إلى ملفات تحقيق مكتملة وأدلة ووثائق جمعتها الجهات المختصة على مدى أشهر، وجاءت بعد استكمال الإجراءات القانونية والقضائية الخاصة بكل ملف، بعيداً من الخلافات السياسية أو الانتخابية.

شبكات أوسع وملفات أكبر
وفق نعمة، بدأت التحقيقات تكشف معلومات عن شبكات فساد مترابطة تضم مسؤولين حاليين وسابقين، إلى جانب رجال أعمال وشركات متعاقدة مع الدولة، مع اعترافات أولية قد تفتح ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بعقود ومشاريع بمليارات الدنانير أُبرمت خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن "الحملة لن تتوقف عند الشخصيات التي أُلقي القبض عليها، إذ هناك قوائم أخرى قيد التنفيذ، تشمل مسؤولين من الصفين الأول والثاني، وشخصيات سياسية نافذة يشتبه بتورطها في تسهيل عمليات فساد أو توفير الحماية لشبكات مالية وإدارية داخل عدد من مؤسسات الدولة".
ويعتبر نعمة أن الحكومة "تمتلك هذه المرة غطاءً سياسياً وقضائياً واسعاً للمضي في الإجراءات حتى نهايتها"، وأن الرسالة الأساسية هي "تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء"، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو المناصب التي يشغلها المتهمون.
ويرى أن تفكيك منظومات الفساد لا يقتصر على اعتقال الأشخاص، بل يشمل تتبع حركة الأموال، وتجميد الأصول، وإعادة فتح ملفات العقود والمشاريع المشبوهة، وصولاً إلى استرداد الأموال العامة ومحاسبة كل من يثبت تورطه.
وإذا استمرت الحملة بالوتيرة نفسها، فقد تمثل نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد في العراق، خصوصاً مع ما تحظى به من دعم سياسي داخلي وتأييد شعبي متصاعد، إلى جانب دعم دولي يربط بين الإصلاح الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الاستقرار المالي، وبين تفكيك منظومات الفساد ومحاسبة المسؤولين عنها.