قانون جرائم تقنية المعلومات أمام البرلمان العراقي... ومخاوف من تقييد الحريات

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يعيد البرلمان العراقي مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات إلى مساره التشريعي، بعدما أدرجه على جدول أعماله للقراءة الأولى، غداً الإثنين، في خطوة تعيد إلى الواجهة واحداً من أكثر مشاريع القوانين إثارة للجدل منذ طرحه للمرة الأولى عام 2018. وفي الوقت الذي تؤكد الجهات الداعمة للمشروع أنه بات ضرورة لمواجهة الجرائم الإلكترونية المتزايدة، يحذّر حقوقيون وناشطون من أن صيغته الحالية تتضمن نصوصاً قد تفرض قيوداً واسعة على حرية الرأي والتعبير والعمل الصحافي.

ويأتي إحياء المشروع في ظل توسع غير مسبوق في استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في العراق، ما يمنح النقاش الدائر حوله بعداً سياسياً وحقوقياً يتجاوز الجوانب التقنية والقانونية.

 

مخاوف من نصوص فضفاضة وعقوبات مشدّدة

 

طُرح مشروع القانون للمرة الأولى عام 2018، لكنه واجه حينها موجة واسعة من الاعتراضات الشعبية والسياسية والحقوقية انتهت إلى تجميد مساره التشريعي، بعد تحذيرات من أن نصوصه تتضمن قيوداً واسعة على حرية الرأي والتعبير، وعقوبات وُصفت بأنها غير متناسبة مع طبيعة الجرائم الإلكترونية.

ومع إعادة طرحه، يتجدّد الانقسام بين مؤيدين يرون فيه أداة ضرورية لمواجهة الابتزاز الإلكتروني والاحتيال الرقمي والاختراقات والجرائم السيبرانية، وآخرين معارضين يعتبرون أن المشروع بصيغته الحالية يتجاوز تنظيم الفضاء الإلكتروني، ويمنح السلطات أدوات قانونية قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير وملاحقة المنتقدين.

تتركز أبرز الاعتراضات على وجود نصوص وُصفت بأنها "فضفاضة" وقابلة لتفسيرات متعددة، إذ تتضمن مصطلحات عامة مثل "المساس بالنظام العام" و"الإضرار بالمصلحة الوطنية" و"الإخلال بالقيم الاجتماعية"، من دون تعريفات قانونية دقيقة، ما يفتح الباب أمام توسيع نطاق التجريم وفق تقديرات الجهات المنفّذة.

كذلك، يثير المشروع جدلاً بسبب العقوبات المشدّدة التي ينصّ عليها، والتي تصل في بعض الحالات إلى السجن المؤبد، إلى جانب غرامات مالية بملايين الدنانير، وهو ما يعتبره قانونيون مخالفاً لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالنشر الإلكتروني أو التعبير عن الرأي.

ويرى خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية أن مشروع القانون بصيغته الحالية لا يحقق التوازن المطلوب بين حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية وصون الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور العراقي، محذرين من أن بعض موادّه قد تتحول إلى أدوات قانونية لتقييد العمل الصحافي والحد من نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

إلى ذلك، يشير مختصون إلى أن عدداً من الأفعال التي يتناولها المشروع تعالجها بالفعل قوانين نافذة، ما يثير تساؤلات بشأن الحاجة إلى تشريع جديد بصلاحيات واسعة قد يؤدي إلى تداخل قانوني، ويمنح الجهات التنفيذية مساحة أكبر في تفسير النصوص وتطبيقها.

 

مركبات تسير في شارع الجمهورية وسط بغداد في 28 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)

 

حقوقيون يطالبون بمراجعة المشروع

 

يقول الناشط الحقوقي علي العطواني، لـ"النهار"، إن "الحذر واجب قبل المضي في إقرار مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بصيغته الحالية، لأنّ عدداً من موادّه يتضمن عبارات فضفاضة وقابلة لتفسيرات واسعة قد تُستخدم لتجريم ممارسات تدخل في إطار حرية الرأي والتعبير التي يكفلها الدستور العراقي".

ويبيّن العطواني أن "مكافحة الجرائم الإلكترونية تمثل ضرورة لحماية المجتمع من الابتزاز والاحتيال والاختراقات والجرائم السيبرانية، إلا أن تحقيق هذا الهدف يجب ألا يكون على حساب الحقوق والحريات الأساسية. ويجب أن يضع التشريع تعريفات قانونية دقيقة للأفعال المجرّمة، وأن يلتزم بمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، بعيداً عن النصوص العامة التي تمنح جهات التطبيق مساحة واسعة للتأويل".

ويضيف أن "العقوبات الواردة في بعض مواد المشروع، والتي تصل إلى السجن المؤبد وغرامات مالية كبيرة، تُعدّ من أشدّ العقوبات في هذا النوع من التشريعات، وقد تخلق حالة من الخوف والرقابة الذاتية لدى الصحافيين والباحثين والناشطين ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، بما ينعكس سلباً على حرية تداول المعلومات والنقاش العام".

ويؤكد أن "العراق بحاجة إلى قانون عصري لمكافحة الجرائم الإلكترونية يتوافق مع المعايير الدستورية والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، ويستهدف مرتكبي الجرائم الرقمية الفعلية، من دون أن يتحول إلى أداة يمكن توظيفها لتقييد النقد أو إسكات الأصوات المعارضة".

يشدد العطواني على أن "البرلمان العراقي مطالب بإجراء مراجعة شاملة لمواد المشروع، والاستماع إلى آراء الخبراء القانونيين ومنظمات المجتمع المدني والجهات المختصة قبل المضي في تشريعه، بما يضمن تحقيق التوازن بين الأمن الرقمي وصون الحقوق والحريات".

 

البرلمان يدافع عن القانون

 

في المقابل، يقول النائب في البرلمان العراقي عن الإطار التنسيقي مهدي تقي، لـ"النهار"، إن "مشروع القانون لا يستهدف تقييد الحريات أو مصادرة حرية الرأي والتعبير، وإنما يهدف إلى تنظيم الفضاء الإلكتروني وتجريم الأفعال التي تشكل اعتداء على أمن المجتمع وحقوق الأفراد، والعديد من الدول أقرّت تشريعات مماثلة لمواجهة الجرائم السيبرانية وحماية البنية التحتية الرقمية".

ويبين أن "مجلس النواب منفتح على مناقشة جميع الملاحظات التي يطرحها المختصون ومنظمات المجتمع المدني، وأيّ موادّ تثير مخاوف بشأن الحريات أو تتضمن صياغات تحتاج إلى مزيد من الدقة يمكن مراجعتها وتعديلها خلال مراحل التشريع، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الدستورية وتعزيز الأمن الرقمي".

ويؤكد أن "تأخير إقرار القانون يترك فراغاً تشريعياً تستغله شبكات الجريمة الإلكترونية، والهدف الأساسي من المشروع هو حماية المواطنين والمؤسسات من الجرائم الرقمية، وليس تقييد العمل الصحافي أو الحد من حرية التعبير، وأن البرلمان حريص على إخراج قانون ينسجم مع الدستور ويحقق المصلحة العامة".


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية