فيديو للحظات الأولى بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920؟ النهار تتحقق FactCheck

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

المتداول: "مشاهد تُعرَض للمرة الأولى"، وفقاً للمزاعم، توثق "اللحظات الاولى بعد اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920". 

 

الا أنّ هذا الادعاء غير صحيح.

 

الحقيقة: هذه المشاهد خيالية، لكونها مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وقد استًخدمت في عملية التوليد صورة ثابتة التُقطت في 1 ايلول 1920 لإعلان دولة لبنان الكبير خلال احتفال في قصر الصنوبر في بيروت. FactCheck#

 

 

"النّهار" دقّقت من أجلكم

 

 

6 ثوان فقط يظهر فيها أشخاص، بينهما رجال دين، وهم يتشاجرون عند درجات تقود الى باب كبير. وقد انتشر الفيديو خلال الساعات الماضية في حسابات كتبت معه (من دون تدخل): "مشاهد تعرض للمرة الأولى... اللحظات الأولى بعد اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920". 


 

لقطة من الفيديو المتناقل بالمزاعم الخاطئة (فايسبوك)

 

 

حقيقة الفيديو 

لكن هذه المزاعم لا اساس لها، والاعتقاد ان هذه المشاهد "الاستثنائية" حقيقية، اعتقاد خاطئ. 

 

فالبحث عن المقطع، بتجزئته الى صور ثابتة (Invid)، يوصلنا فوراً الى صورة ثابتة موثّقة في موقع ويكيبيديا ومواقع أخرى، بينها لبنانية رسمية، او لتخزين الصور، بعنوان: إعلان دولة لبنان الكبير، في 1 أيلول 1920.

 

المكان قصر الصنوبر في بيروت. ويظهر في وسطها الجنرال هنري غورو، الى جانبيه البطريرك الماروني الياس حويك، ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا (عثرنا على صور أخرى مماثلة توثّق تلك اللحظة التاريخية، منشورة في مواقع لتخزين الصور او لوكالات للصور الفوتوغرافية). 

 

الصورة موثوقة في موقع ويكيبيديا

 


وقد استُخدمت هذه الصورة الاصلية لتوليد منها مشاهد متحركة بواسطة أحد برامج الذكاء الاصطناعي. ويمكن ملاحظة فيه مؤشرات الى التوليد: 

 

كيباه حمراء بشرشوبة تظهر فجأة على رأس شخص (الى اليسار). وفي الثانية الرابعة، يختفي رجلان، أحدهما بلباس عكسري (الى اليمين). كذلك يتحوّل رجل عسكري (الجنرال غورو) الى رجل آخر بطربوش أحمر على الرأس. ويندمج آخرون ببعضهم البعض خلال الشجار. 

 

مؤشرات الى الذكاء الاصطناعي في الفيديو اشرنا اليها بالاحمر

 

 

ماذا في التاريخ؟ 

انعقد مؤتمر الصلح في باريس في كانون الثاني 1919، لإعادة درس خريطة العالم بعد انهيار الإمبراطوريات الكبرى (الألمانية، النمسوية، الهنغارية والعثمانية). أرسل اللبنانيون ثلاثة وفود إلى هذا المؤتمر للدفاع عن استقلال لبنان عن البلدان المجاورة والمطالبة بتوسيع حدوده. وكان من أهم تلك الوفود، الوفد الثاني الذي ترأسه البطريرك الياس الحويك (مجلة الجيش اللبناني).

 

 25 تشرين الأوّل 1919: البطريرك الحويك يقدّم "مذكّرة الوفد اللبناني إلى مؤتمر السلام" التي تضمّنت طلب إعادة لبنان إلى حدوده الجغرافية والتاريخية المطابقة لخريطة لبنان التي رسمتها البعثة الفرنسية سنة 1860، ولم يؤخذ بها يومذاك بسبب معارضة العثمانيين الذين اقتطعوا السهول ومدن المرافئ التجارية عن متصرفية جبل لبنان، على ما جاء في مقالة للزميل مجد بو مجاهد في موقع "النهار" (31 آب 2020). 

 

عقد المجلس الأعلى للحلفاء مؤتمرًا في سان ريمو في إيطاليا في نيسان 1920، وُزّعت فيه الانتدابات على الأراضي العثمانية المحتلة، فأوكل إلى فرنسا انتداب سوريا، ومن ضمنها لبنان، بينما أوكل إلى بريطانيا انتداب فلسطين والعراق. وبعد سان ريمو، توتّرت العلاقات بين الداخل السوري (الذي كان يحكمه فيصل ابن الملك حسين شريف مكّة)، والفرنسيين المسيطرين على المنطقة الساحلية، فوقعت معركة ميسلون في تموز 1920. وبنتيجتها دخل الفرنسيون دمشق.  

 

وفي 31 آب 1920، صدر قرار إعلان دولة لبنان الكبير. وعُيّنت حدوده بقرار رقمه 318 بناء على مرسوم رئيس الجمهورية الفرنسي الصادر في 8 تشرين الأول 1919. وكان صدر في التاريخ نفسه قرار رقمه 321 ألغيت بموجبه المتصرفية التاريخية ذات البروتوكول الدولي. 

 

وفي اليوم التالي، 1 أيلول 1920، كان الاحتفال بحضور الجنرال هنري غورو وبرعايته في قصر الصنوبر في بيروت، بمشاركة كبار الضباط الفرنسيين، والبطريرك الماروني الياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا. وخلال الاحتفال أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير.

 

وفي الترجمة الحرفية لخطابه على مدخل قصر الصنوبر، جاء: "يا أهل لبنان الكبير، قبل أسابيع قلت لكم في ساعة حاسمة: اليوم الذي كم انتظره عبثاً آباؤكم، والذي ستسعدون برؤية فجره، بات قريباً فجره. وها فجره أشرق اليوم. أمام هذه الحشود المتقاطرة من جميع المناطق التي يضمّها جبل لبنان، كانت حتى أمس متتاخمة وأصبحت اليوم متّحدة في وطنٍ قويّ بماضيه، عظيمٍ بمستقبله. وأمام أركان الحكومة اللبنانية، وأبناء أشهر الأسر، والرؤساء الروحيين من جميع المذاهب والطوائف، وفي صدارتهم أحيّي بإجلال بطريرك لبنان العظيم الذي نزل من جبله لحضور احتفال هذا اليوم المجيد المكلّل جهود حياته، ويؤسفني ألّا أرى بين الحضور مندوبيكم إلى باريس ودورهم كان أساسيّاً بمقترحاتهم إلى الحكومة الفرنسيّة.

 

وبحضور ممثّلي الدول التي بذل أكثرها ذلك الجهاد الطويل معنا انتصاراً للحقّ والحريّة، وبحضور ممثلي فرنسا الذين يسعدني أن أحيي بينهم الأميرال دوبون قائد بحريّة الشرق، وقبالة هذه الجبال المهيبة التي تجسّد قوّة بلادكم حصناً عنيداً لثباتها وحريّتها، وعلى شاطئ البحر الأسطوريّ الذي عرف مجاذيف المراكب الفينيقية واليونانية والرومانية، وحمل إلى أصقاع العالم أسلافكم الثاقبي الفكر، الحاذقي الحسّ التجاري، البارعي الفصاحة، ويعود اليوم إليكم حاملاً تكريس صداقة كبيرة وعريقة ومنافع الصلح الفرنسيّ. وأمام هؤلاء الشهود على آمالكم ونضالاتكم وانتصاراتكم، ومشاركة فرحكم وافتخاركم، أعلن "لبنان الكبير" وباسم الجمهورية الفرنسية أحيّيه في عظمته وكنوزه من النهر الكبير، إلى أبواب فلسطين، إلى قمم لبنان الشرقي. هذا هو لبنان: بجبله، وفيه يخفق قلب هذه البلاد المضطرم، بسهل البقاع الخصيب، تكرّس اتّحاده في يوم زحلة الذي سيحفظ ذكره في الصدور، بمدينة بيروت، ذات المرفأ العظيم لهذه الدولة الجديدة، ومقرّ حكومتها، بمدينتي صيدا وصور وماضيها العظيم يجدّدانه في اتحادهما بالوطن الكبير. هذا هو الوطن الذي هتفتم له وناديتموه".

 

ويقول الباحث التاريخي والقاضي في المحكمة المارونية الخوري اسطفان الخوري، صاحب كتاب "وثائق البطريرك الحويك السياسية"، إنّ "إعلان دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920 ليس نتاج لحظته، بل إنّه تتويج لمسار تاريخي ينمّ عن تطوّر عميق في تاريخ الشعب الذي عاش في هذه المنطقة، ولعلاقاته التاريخية بفرنسا والكرسي الرسولي، واستعادة لما عاشه اللبنانيون في عهد الإمارة؛ فيما يريد البعض تبنّي أقاويل غير صحيحة إطلاقاً، كالقول بأنّ الأول من أيلول 1920 هو نتاج تقاطع مصالح الدول الحليفة المنتصرة فحسب". 

 

1 أيلول 1920: الحدث الأكبر والأكثر تأثيراً في تاريخ لبنان

 

 

تقييمنا النهائي: اذاً، ليس صحيحاً ان ما يُشاهد في الفيديو هو "اللحظات الاولى بعد اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920". في الواقع، هذه المشاهد خيالية، لكونها مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وقد استًخدمت في عملية التوليد صورة ثابتة التُقطت في 1 ايلول 1920 لإعلان دولة لبنان الكبير خلال احتفال في قصر الصنوبر في بيروت. 


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية