في مديح العيطة.. من صرامة عبد الله العروي إلى مجاذيب ناس الغيوان

لم تكن ذائقتي الموسيقية مجرد تفضيلات عابرة، بل كانت مرآة لتحولات العمر، ومسارا تشكّلت عبره هويتي الوجدانية والفكرية. بدأتُ من عفوية الأغاني الشعبية، قبل أن تسحرني كلاسيكيات الأغنية المغربية العصرية بأصوات عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني ونعيمة سميح… حيث كان اللحن يبني في دواخلنا وقارا خاصا…

لكن الإعصار الحقيقي حدث مع ظهور مجموعة ناس الغيوان… لقد أخذتني هذه الظاهرة مع جيل بأكمله، وتحوّلت معها إلى ما يشبه المجذوب الغيواني، خاصة وأنها كانت بوابتي السحرية لاكتشاف العوالم الروحية لموسيقى كناوة.. خاصة بعد التحاق المعلم الصويري عبد الرحمان قيروش (باكو) بالفرقة ، حيث أعطى لآلة الهجهوح مكانها ودورها في أغاني المجموعة…

لم تكن تلك المرة الأولى التي أتعرف فيها على طقوس الجدبة، فقد عشتُها طفلا في البيوت التي كانت تحتضن تلك الليالي الروحية بين الحين والآخر. أتذكر تماما حفل الاستقبال الذي أقامته جارتنا عندما تحوّلت إلى شوافة /عرافة، وكم شعرتُ بالغضب والضيق وقتها لأن أهلي أعاروها صالون منزلنا الفسيح لتقيم فيه طقوس “الملوك” والجن. كنتُ طفلا لم يبلغ المراهقة بعد، لكنني كنت أحمل عقلانية مبكرة ترفض الغيبيات ولا تقبلها.

أما موسيقى العيطة فقد كانت جزءا من جدارنا الصوتي اليومي في مدينة الدار البيضاء، تصدح من الراديو وتنسكب من الحوانيت والمقاهي وبيوت الجيران عبر الأسطوانات القديمة… كان الفضاء غارقا في العيطة البيضاوية بزعامة ساحر الكمان الماريشال قيبو والمغني الشهير بوشعيب البيضاوي.

مع نضجي المعرفي وتكويني الثقافي، خُيل إليّ أنني تجاوزت هذه الأشكال التعبيرية التي بدت لي حينها متخلفة. بل إنني ذهبتُ أبعد من ذلك وتبنّيتُ الموقف الحاد والمحافظ للمفكر عبد الله العروي في نظرته للتراث الغنائي البدائي والفلكلوري، معتبرا إياه عائقا حداثيا… لكن المفارقة تجلّت في أن ناس الغيوان الذين أبعدوني عن السائد، هم أنفسهم من صالحوني مع فنون العيطة والملحون وغناوة، بعد أن أعادوا صياغتها بروح ثائرة.

اليوم أجدني أعود إلى النبع الأول… أفتح يوتيوب لأستمع بشغف لبوشعيب البيضاوي ولمسات الماريشال قيبو في عزفه الأسطوري المعروف بـ “الجرَّة“… أكتشفُ بكثير من الدهشة والتسليم، أن هذه الموسيقى لم تندثر، بل كانت مترسبة في أعمق طبقات وعيي… إنها جزء مني رغما عني، شئتُ ذلك أم أبيت، فالأمر لم يعد بيدي.

أنا الذي كنتُ أعجب في صباي من التفاعل الروحي والجسدي للجمهور مع أغاني العيطة، وأنا الذي عاينتُ مباشرة الماريشال قيبو وبوشعيب البيضاوي في حفلات عيد العرش خلال الستينيات دون أن أدرك عمق ما يقدمانه، أجد نفسي الآن أهتز  لتلك الأنغام. إنها ليست مجرد نوستالجيا، بل هو تفاعل تأويلي جديد، ينحاز  للتراث الشعبي ويعيد قراءته. لقد أدركتُ أخيرا أن التراث في عمقه ليس مجرد أشكال فلكلورية جامدة، بل هو الإنسان في امتداده الروحي والتاريخي…

الموسيقى تراث، ونحن لسنا سوى صدى هذا التراث وجوهره الحي.

***   

ماذا يعني هذا الارتداد المفاجئ نحو الذكريات البعيدة؟

ربما بل من دون شك.. هو إحدى العلامات الوفية للتقدم في العمر. إنه ذلك الفصل من الحياة الذي تبدأ فيه الذاكرة بفتح مخازنها السرية، لتستعيد وجوها وأحداثا ووقائع غابرة، كانت منسية ومُهملة في أعمق قاع مترسب من الوجدان… وفجأة في لحظة غير مرتبة ولا خاضعة لمنطق التخطيط، تطفو  تلك الذكريات على السطح بكامل حيرتها ودهشتها، وتنبثق من بينها أنغام وموسيقى وكلمات أغان قديمة، تثير  فيّ العجب من قدرة الذاكرة العجيبة على الاحتفاظ بها صلبة ونابضة طوال عقود.

لكن المثير والعميق في هذه العودة، هو أن إعادة استماعي اليوم لـلعيطة وبصوت بوشعيب البيضاوي، لا صلة لها بتلك البدايات الأولى، ولا بالطريقة العفوية والساذجة التي تلقيت بها هذا الفن أول مرة… أنا لا أستمع اليوم بأذن الطفل ولا بوعي المراهق، بل إن الحمولة الثقافية والمعرفية التي أملكها اليوم، وتجارب الحياة التي صقلتني، هي التي تصاحب هذا التلقي الجديد وتمنحه عمقه.

لقد تغيرت زاوية الرؤية وتعمق الفهم.. فحين أستمع اليوم لبوشعيب البيضاوي يغني عن غدر الحبيب ولوعة الفراق، لا أسمعها في حدودها العاطفية الضيقة، بل أسمعها كمرثية وجودية تئن من غدر الأيام وتقلبات الزمن… اللحن القديم لم يعد مجرد تسلية أو فلكلور، بل تحول إلى مرآة أقرأ فيها انقضاء العمر  وتحولات الذات، وأرى من خلالها كيف يتواطأ النغم والزمن على تشكيل هويتنا الروحية.

***

ولعل ما يضاعف من قيمة هذا الالتفات الوجداني والمعرفي للتراث، هو تلك الغصة التي نشعر  بها حين ندرك أن الكتابة عن تراثنا الغنائي الشعبي القديم ظلت نادرة وقليلة جداً، بل ومهمشة في المشهد النقدي… إن الأسماء الشجاعة والوازنة التي اهتمت بدراسة هذا الموضوع وتفكيك بنياته الفنية والأنثروبولوجية محسوبة على أطراف الأصابع في تاريخنا الثقافي.

هنا يستحضرني بامتنان كبير الجهد الاستثنائي للمرحوم محمد بوحميد، الرائد الذي نفض الغبار عن كنز  العيطة، ومبارك حنون في بحثه السيميائي والأكاديمي الرائد حول ظاهرة ناس الغيوان، والباحث الرصين حسن البحراوي في نبشه العميق في المتون الشعبية، دون أن ننسى البحث الأكاديمي المرجعي والمؤسس الذي أنجزه الشاعر والباحث حسن نجمي، والذي منح العيطة مشروعيتها الثقافية داخل أسوار الجامعة المغربية.

أستغل مناسبة هذا البوح الشفيف.. الذي ما كنتُ أجرؤ أو أقدر من قبل على الإفصاح به علنا تحت وطأة الأفكار الجاهزة والنخبوية المتعالية، لأرفع لهؤلاء الرواد أسمى عبارات الشكر الوفير والامتنان العميق على ما قدموه للهوية المغربية، سائلا غيث الرحمات لروح الفقيد الباحث محمد بوحميد. لقد كانوا برؤيتهم الاستشرافية يبنون لنا ذلك الجسر الروحي الذي عبرنا عليه اليوم لنلتقي بجذورنا، ونتصالح مع ذواتنا دون خجل أو تردد.

***

وليسمح لنا هنا مفكرنا الكبير السي عبد الله العروي، ذلك الحداثي الصارم والمناوئ الشرس لفن العيطة وظاهرة بوشعيب البيضاوي والماريشال قيبو وأصحابهما، ولكل ما أنتجوه من فن شعبي اعتبره تاريخانيا معيقا للتقدم… وتكتسب هذه القراءة اليوم طعما خاصا، لا سيما حين نستحضر مفارقة تبرؤ  العروي الشهير من جيل السبعينيات الماركسي في المغرب، ذلك الجيل المتمرد الذي التهم أطروحته التأسيسية في كتابه العمدة “الإيديولوجيا العربية المعاصرة“.

إذ لم يجد السي العروي لاحقا أي غضاضة في نعت أولئك الشباب بـ “المُؤولين“، متهما إياهم بإنزال أفكاره من برجها النظري الصارم وإخضاعها لتأويلات سياسية حركية لم يفكر فيها هو يوما ولم يتبنَّها…

والمفارقة التاريخية الكبرى الكامنة هنا، هي أن كتاب “الإيديولوجيا العربية المعاصرة“  كان وقتها من الكتب الممنوعة والمطاردة في عهد الملك الحسن الثاني، وكان اقتناؤه مغامرة تقود إلى غياهب الاستنطاق، تماما كما كانت الحلقات الفكرية والسياسية لذلك الجيل تُعقد في غفلة من عيون السلطة.

لكن ويا للمفارقة! فإن ذلك الجيل الماركسي السبعيني نفسه، الذي شحن أطروحة العروي الثورية ضد السائد، هو الذي احتضن ظاهرة ناس الغيوان وجعل منها نشيده السري، والغيوان بدورهم لم يكونوا سوى القناة الروحية التي أعادت ضخ دماء أغاني العيطة وغناوة مع الملحون في عروق الحداثة المغربية…

هكذا يلتقي الممنوع السياسي بالمهمش الثقافي، ليعاد ترتيب المشهد رغما عن صرامة المفكر ونخبوية الأطروحة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم