في محراب "الساحرة" .. أقدام الشاعر سرحان تداعب "الدكتورة كرة القدم"

في سلسلة مقالات خص بها جريدة هسبريس، يخلع الشاعر المغربي سعد سرحان معطف المشجع التقليدي لكرة القدم ليرتدي نظارة المفكر واللغوي، ممتطياً صهوة لغته الأنيقة ليأخذنا في رحلة تفكيكية لعناصر “الدكتورة كرة القدم”؛ ينطلق فيها من مفارقة “الكرة” وجوفها الهوائي الذي يلاحقه بخطأ لغوي شنيع، وصولاً إلى “القدم”؛ ذلك العضو المظلوم تاريخياً الذي حقق بفضل هذه اللعبة أعظم “ريمونتادا” في التاريخ لينافس بريقه الأعمال الكاملة لليد.

وبرؤية بديعة ورشيقة تقفز بين عمق التاريخ وعشوائية البدايات، يعبر بنا سرحان إلى “الفريق” وجذوره الموزعة بين مهاجع الجنود وصروح الجامعات التي صاغت معجم الملاعب، ثم يتوقف في شوط المدربين؛ أولئك الذين نقلوا اللعبة من عفوية “الشعر” إلى صرامة “الفلسفة”، وصولاً إلى طفرة “المدرب الوطني” الذي يكتب اليوم تاريخاً جديداً من المجد والاعتراف.

إنها قراءة أدبية استثنائية تجعل من المستديرة مرآة للحياة، ومن خطوط الملعب فضاءً رحباً لسطور الفكر والجمال.

نص مقالات سعد سرحان:

(الكرة)

الكرة مصطلحٌ هندسيّ يجري على ألسنة العامّة بمعناه الحقيقي. فنقول كرة الثلج، والكرة الحديدية، والكرة الأرضية، وكلّ واحدة من هذه مملوءة بنفسها، فهي إذن مُصْمَتة لا جوف لها. أمّا إذا كان مبناها كرويًّا ومعناها هواء، فتسمّى فِلكة. فالفِلكة للكرة كالدائرة للقُرص. ومع ذلك، فلا أحد ممّن يدور في فلك اللّعبة يدعوها فِلكةَ القدم.

أمّا من أين جاء هذا الخطأ الشائع، فالأرجح أنّه انحدر إلى الكرة الحالية من أسلافها الغابرين. فالإنسان قديمًا لعب بالثمار الجافّة، وصُرَر القشّ، وقِرَب الجلد مملوءةً بما أتيح، وجذور الدّوم ملفوفةً في الخِرق، وسوى ذلك ممّا يحقّق نشوة الرّكل. أجل، نشوة الرّكل، تلكَ التي وصلت ذروتها مع التّوقيع بالأقدام على صكوك الانتصار، إذ كان الجنود المظفّرون يركلون جماجم أعدائهم وهم في الطريق إلى قوس النصر.

وبالقفز إلى عصرنا الحالي، فإنّ الكرة استفادت من ظهور الجلد الصناعي، واكتشاف تقوية المطّاط، فصارت الشركات المصنّعة لها تُصدر منها طبعاتٍ منقّحة، بعد الأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتِ اللّاعبين والمدرّبين، فإذا عدد القطع المشكّلة لها يتناقص حتى صارت إلى ما صارت إليه الآن. … كلّما شاهدت مباراة لكرة القدم، أفرح لإعلان ضربة خطأ، سيّان أخطأ اللّاعب أم لم يخطئ. فتلك الرّكلة القويّة عندي بعضٌ ممّا تستحقّ أن تناله الكرة جزاء سعيها الدؤوب بذلك الخطأ اللّغوي الشّنيع.

(القدم)

القدم هي أكثر أجزاء الجسد مظلوميةً بسبب موقعها الأدنى منه، فلا يعرف المرء قيمتها الحقيقية إلّا إذا صارت ملفوفةً في الجبس أو أضحى ملقًى على كرسيّ متحرّك. ساعتها فقط ينتبه إلى أنّ التقدّم نفسه اشتقّ من القدم تحديدًا، لا من سواها من أعضائه المرموقة، وأنّ حتى خير من يسعى إنّما تسعى به قدم، لا يدٌ أو كبدٌ.

في الزمن الغابر، كان الجسد مدينًا للقدمين لا بالانتصاب فقط، بل بالعَدْو والتّسلّق والقفز… إذ لم تكن هذه ترفًا يرافقه التصفيق والهتاف، ويعقبه مجد التّتويج، وإنّما كانت من مقتضيات الوجود تمامًا كالماء والهواء… وما من مبالغة في ذلك، فالعدو خلف الطرائد كان بغرض تأمين القوت، والعدو أمام الضواري كان للنجاة من الموت، وهذه وذاك من ميداليات ذلك العصر، تلك التي من معدن الحياة نفسه.

وحتى بعد أن صارت بخِفاف فبجواربَ وأحذيةٍ، وأصبح سَعْيُها شتّى، فإنّ القدم لا تزال متشبّثة بفضيلة نكران الذات. ومع أنّها لباقي الجسد كالفعل المساعد لسواه من الأفعال، إذا صُرّف فلوحده وإذا فُعلت فلا غنى لها عنه، فإنّها تضع فضلها هذا خلف فضيلتها تلك.

في المصانع والورشات والمشاغل، كما في الحقول والبساتين… تستأثر اليد بالتقدير كلّه، وكأنّ القدم لا ترتاد هذه الأماكن. فدائمًا يجري الحديث عن اليد العاملة في تجاهل تامّ لما تسديه لها أختها السّفلى. ولنا فقط أن نطلّ على قدم السائق أو قدم الخيّاط أو قدم الخزّاف، لنرى الجحود رأي العين.

أمّا في الصّروح والمآثر التاريخية والمتاحف، حيث تتجلّى عبقرية الإنسان بأثر رجعيّ، ففي كلّ نقش أو زُخرف أو تعشيق، في كلّ لوحة أو أيقونة أو تمثال، في كلّ قطعة من ذلك الجمال سبّابة لا مرئية تشير إلى عيون الخلَف بالإبداع الذي كان للسّلَف، فيما تقف الأقدام أمام كلّ هذا بلا فخر يُذكر ولا مجد يُنظر: فلا سبّابة للقدم.

لا سبّابة للقدم ولا وسطى. لذلك فالإقدام، وهو أيضًا مشتقّ من القدم، غالبًا ما يتوّج بشارة نصر من أختها العليا: اليد.

بعيدًا عن معاقل الجدِّ والعمل، قريبًا من الملاعب وقد صارت الرياضة —بما لها من فروع وتظاهرات ومنافسات وجوائز— في القلب من الحياة المعاصرة، أصبح للقدم وضع اعتباري غير مسبوق. فالعَدْو والقفز والتسلّق وسوى ذلك من عزم الأقدام، لم تعد ذرائع وأسبابًا، كما في زمن الوحش والوحيش، وإنّما أصبحت رياضاتٍ بقوانين وحكّام وجمهور وقنوات ومنصّات ورعاة… فإذا القدم الآن اقتصاد قائم بذاته، كيف لا وهي حجر الزاوية لكبريات الشركات، شركات الأحذية الرياضية أقصد.

أمّا في الرياضات الأخرى، فرديةً كانت ككرة المضرب، أو جماعيةً ككرة السلّة، أو الكرة الطائرة، أو كرة اليد، فإنّ قدمَ المساعدة أوضح من أن يشار إليها، ذلك أّنّها تضع —في هذه الرياضات كما في غيرها— كلّ كفاءاتها رهن إشارة اليد.

رغم موضعها الأدنى من الجسد، فإنّ لعبتها الخاصّة هي الأعلى من بين كلّ زميلاتها؛ الأعلى متابعةً وشغفًا ومكافآت… ومعها صارت القدم تأتي أفعالًا لم يسمع بها الأوائل. فهي تراوغ وتُموّه وتمرّر وتقذف وتسجّل… وتحصل على الحذاء الذهبي. وبهذا وكثير غيره، حقّقت القدم أغرب ريمونتادا في التاريخ: فبكرة القدم وحدها تستطيع القدم الآن أن تباهي الأعمال الكاملة لليد.

(الفريق)

لقد مورِست كرة القدم عند نشأتها حيثما أتيح وبما تيسّر وبمن حضرْ، عصبةٌ تواجه عصبةً، ملأٌ يقابل ملأً، أو نفرٌ ضدّ نفرْ، ما ضرّ إن قلّ أو كثُرْ. فعدد اللّاعبين كان جزءًا من عشوائية اللّعبة، تلك التي ظلّت كذلك حتى القرن التاسع عشرْ.

أمّا كيف استقرّت على العدد الذي تلعب به الآن، فللأصل أكثر من حكاية؛ اثنتان منهما أقرب، بدرجة أو أخرى، إلى ما يستسيغه العقل.

تقول الأولى إنّ خبراء اللّعبة، بعد أن درسوا مباريات عديدة بأعداد مختلفة، انتهوْا إلى أنّ العدد عشرين هو ما يحقّق الانتشار المثالي في الملعب، فلا اكتظاظ يعيق سلاسة اللّعب، ولا فراغات كبيرة تكلّف اللّاعبين ما يفوق أنفاسهم. ومن صواب قرارهم أنّ تَنَاسُب العدد مع المساحة هو ما يجري به اللّعب حتى في كرة القدم داخل القاعة على سبيل التّأكيد (بواقع عشرة لاعبين في الملعب).

الحكاية الثانية تقول إنّ كرة القدم، في مهدها الحديث، إنجلترا، كانت من الأنشطة الموازية داخل الثكنات والجامعات، بما هي معاقل للشباب حيث الطاقة تفيض عن الحاجة. فكانت، هنا وهناك، تقام مباريات بين المهاجع. ولمّا كان بكلّ مهجع أحد عشر سريرًا، كان على الملعب أن يمتثل للعدد، وهو ما يفعله حتى الآن.

الحكاية الثانية تملك ما يدعّمها أكثر، ليس فقط لجهة أصل العدد، وإنّما لناحية المعجم الهجين الذي نشأ من تلك المباريات وتطوّر بمرور الوقت واستشراء اللّعبة. فالحارس والدّفاع والهجوم والتربّص والمعترك والخطّة والمعسكر والنيران الصديقة والقذيفة والهجمة المضادّة… إنّما انحدرت إلى الملعب من مهاجع الجنود، فيما انحدرت من مهاجع الطّلبة مفردات من قبيل المدرّج والرئيس والجامعة واللجنة ومراكز التكوين والقيدوم… أمّا العميد، فهو على هؤلاء وعلى أولئك. وقد كان بإمكان الجنود الاستفراد به لو كانوا قد سمّوه عقيدًا، إذ لا عقيد في الجامعة.

على أنّ دور الطلبة في تقنين اللّعبة أعلى من أن يتمّ القفز عليه. فإليهم، إلى طلبة كامبردج تحديدًا، يعود الفضل في وضع قانون مكتوب لكرة القدم، كان الأساس لمعظم قواعدها المعمول بها حتى الآن.

(المدرّب)

حتى ستينيات القرن التاسع عشر، لم تكن وظيفة المدرّب في كرة القدم قد ظهرت بعد. فاللّاعبون كانوا هم سادة اللعبة، سداةً ولُحمة، وتداريبهم إنّما كانت تقتصر على الرفع من اللّياقة البدنية وتحسين السرعة، وإذا كان هنالك من توجيهات فهي من شأن قائد الفريق.

جورج رامسي كان أول مدرّب بالمفهوم الجنيني للكلمة، فقد تولّى الأمر في أستون فيلا سنة 1874، وجعل يلقّن اللّاعبين بعض الصّيغ التكتيكية التي تجمع بين بلاغة المراوغة وسلاسة التمرير، في مزج لِمَا كان سائدًا آنذاك في إنجلترا واسكتلندا.

سنوات قليلة بعد ذلك، سينضمّ الدولي الإنجليزي جاك هانتر إلى نادي بلاكبيرن كلاعب وكمدير فني بالمعنى المعروف الآن. ولقد كان من مقتضيات دوره الثاني هذا، مواكبة ما استجد في عالم اللّعبة من قواعد وما يحتاجه ذلك من خطط للموازنة بين الهجوم والدفاع وحسن التّمركز والتعامل مع مصيدة التسلّل، وكذا قراءة مجريات المباراة وإجراء التبديلات المناسبة.

بمرور الوقت، أصبح التدريب تخصّصًا قائمًا بذاته، يجمع التكوين الأكاديمي إلى التطبيقات الميدانية، ويتوّج بدبلومات متفاوتة الدرجة… فصار المدرّب فريقًا لوحده، لديه مساعد ومُعدّ بدني وطبيب وخبير تغذية ومدرب حراس ومحلّل فيديو، وأمسى اللّاعبون تحت إمرته أقلّ حرّية، لا داخل الملعب فقط لتقيّدهم بتعليماته، وإنّما أيضًا في حياتهم الخاصة؛ من وجبات الأكل وساعات النوم حتى مراقبة الوزن.

في كلّ مباراة يلعب المدرّب شوطًا على الأقل، الشوط الثاني، بعد أن يكون قد وقف على نقاط القوّة والضعف لدى فريقه كما لدى الخصم، فيجري تبديلات في التشكيلة أو تعديلات على الخطّة، تحسب له أو عليه، فينسب إليه الفوز أو تُعلّق عليه الهزيمة.

معظم المدرّبين كانوا نجومًا بالأصالة في الملاعب، وما وقوفهم خلف خطّ التّماس سوى نوعٍ من مواصلة البريق بالنيابة. أفكّر في زاغالو وأنشيلوتي وزيدان وإنريكي وغوارديولا وسيميوني… أمّا كرويف فيمثل أكبر قطيعة كروية في التاريخ، إذ مَن غيره انتقل باللّعبة من الشِّعر لاعبًا إلى الفلسفة مدرّبًا؟

غير أنّ الأمر ليس على هذا النحو دائمًا. فمارادونا لم ينجح كمدرب في أن يقبس من بريقه الفريد كلاعب، فيما نجح مورينيو —وهو خامل الذكر كلاعب كرة قدم— في أن يُعشي الأبصار ببريقه كمدرّب، فانتقل بذلك من الخمول إلى الخلود.

فضل المدربين في تطوير اللّعبة أوضح من أن يشار إليه، بل إنّ بعض الأندية لا تُذكر إلّا تحت عنوان بارز هو مدربها؛ فلا يُذكر السير فيرغسون إلّا مع انحناءة إجلال من مانشستر يونايتد، ولا يُذكر فينغر إلّا مع وقوف أرسنال احترامًا للأستاذ، ولا يُذكر كرويف أو غوارديولا إلّا وتُمعن في الخضرة أحلام برشلونة.

لا تقتصر ثقافة المدربين على الإلمام بشؤون اللّعبة، فلكلّ واحد منهم أسلحته السرّية التي لا نعرف عنها إلّا بعد الفتك. وإذا كان لواحدة أن تُذكر في هذا الباب، فهي تلك التي استعملها يواكيم لوف في المباراة النهائية لكأس العالم 2014. فقد كانت ألمانيا متعادلة مع الأرجنتين قبل دقيقتين من صافرة النهاية واللجوء إلى الشوطين الإضافيين، حين أدخل الشاب ماريو غوتزه بعد أن همس في أذنه: “أظهر للعالم أنّك أفضل من ميسي وتستطيع حسم كأس العالم”. ربع ساعة كان كافيًا ليسري هذا الإكسير من مسامع الفتى إلى عروقه فإلى عضلاته، ومنها إلى شباك الأرجنتين فإلى التتويج بكأس العالم والميدالية الذهبية وجائزة رجل المباراة.

بارتقاء كرة القدم في سبورة البورصة —بورصة الحضارة المعاصرة— ارتقى مدرّبوها إلى مصافّ العظماء، فأصبح بعضهم يتقاضى، مقابل تدريبه لنيّف وعشرين لاعبًا، أكثر ممّا تتقاضاه حكومة كاملة لقاء تدبيرها لشؤون ملايين من الناس، بل إنّ منهم من يتقاضى شهريًّا ضعف ما يناله حتى الحائز على جائزة نوبل.

والمدرّب الوطني؟.. ماذا عن المدرّب الوطني؟

يعيش المغرب طفرة كرويّة غير مسبوقة، وفي العصب الحيّ منها يوجد المدرّب الوطني الذي بفضله لعب المغاربة تسع نهائيات فازوا في سبعٍ منها في فترة لا تتجاوز السنة، وهو إنجاز غير مسبوق لا في التاريخ ولا في الجغرافيا. وبتحقيقه للاكتفاء الذاتي من المدربين، أصبح المغرب يستثمر فائض القيمة في أرض الله الواسعة. وبات المغاربة يتابعون أيضًا المدربين من بني جلدتهم على رأس أندية ومنتخبات أجنبية، بعد أن كانوا يتابعون فقط نجومهم في دوريات الآخرين.

وإذا كان لي أن أحيّيهم جميعًا من خلال واحد منهم، فلن أجد أحسن من المدرب الحسين عمّوتة. فمن جهة، هو عندي النظير المغربي لأول مدير فني في تاريخ اللّعبة، جاك هانتر، فمثله كان دوليًّا وكان لاعبًا ومدربًا في الوقت نفسه. ومن جهة ثانية، وفضلًا عن نجاحاته الأكيدة مع الأندية والمنتخبات، فقد كان الرجل يشفي غليلي بتتوجه كأحسن مدرّب في قطر متفوّقًا على المدعو غيريتس الذي كان راتبه في المغرب من أسرار الدولة، حتى حسبت أنّه صاحب كتاب غينيس للرواتب القياسية. ومن جهة ثالثة، حَسْبُه أن درّب في السّد القطري كلًّا من راؤول غونزاليس وتشافي هيرنانديز، أسطورتيْ ريال مدريد وبرشلونة، وهو مجد، لعمري، قد لا يتكرّر مع سواه من المدربين المغاربة.

The post في محراب "الساحرة" .. أقدام الشاعر سرحان تداعب "الدكتورة كرة القدم" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress