في عيد الأضحى.. مليلية المحتلة تستعيد الامتدادات الروحية نحو المغرب
مع انبلاج صباح عيد الأضحى، الأربعاء، بدأت أفواج المسلمين تتقاطر على المصلى الرئيس بمدينة مليلية المحتلة، في مشهد أعاد إلى الواجهة صورة المدينة بملامح التعايش التي ظلت تميزها منذ قرون عديدة، رغم كل التعقيدات الحدودية والسياسية التي تحيط بها.
رجال بجلابيب تقليدية، وشبان بملابس عصرية، وأطفال يركضون بين الصفوف، وعائلات جاءت مبكراً لتأمين مكان قريب من منصة الخطبة؛ هكذا بدا فضاء مصلى مليلية متحولا إلى نقطة التقاء مسلمين من مشارب متعددة، تجمعهم مناسبة دينية تتجاوز بعدها التعبدي إلى إعلان مدني جماعي عن استمرار الروابط الاجتماعية والثقافية داخل مدينة تعيش على إيقاع خاص شمال المغرب.

في تلك الأثناء كان خطيب العيد يدعو، بصوت إسباني هادئ، إلى التعايش وحسن تدبير الاختلاف، مذكرا بقيم التسامح واحترام التنوع التي أمر بها الله عباده في القرآن الكريم، بينما كانت الوجوه المنصتة تعكس تركيبة مليلية نفسها؛ حاضرة تتجاور فيها الانتماءات الدينية والثقافية، ويتقاسم سكانها حياة يومية كثيرا ما تتحول إلى نقاشات سياسية صاخبة.
وسط الحاضرين برز وجه يحيى يحيى، رئيس بلدية بني أنصار والمستشار البرلماني المغربي السابق، الذي بدا حضوره محط انتباه عدد من المتابعين، خاصة بعدما عاد اسمه خلال الأسابيع الماضية إلى واجهة الجدل المرتبط بإعادة فتح معبر فرخانة الحدودي المغلق منذ مارس 2020.
وعلى مقربة كان المصلون يتلقون تهاني العيد من خوصي إمبرودا، رئيس المدينة المتمتعة بالحكم الذاتي من طرف الدولة الإسبانية، في صورة اختزلت، بشكل غير مباشر، تعقيدات الجغرافيا السياسية التي تحيط بمليلية.

ولم يكن ظهور يحيى يحيى في أجواء عيد الأضحى بمليلية، هذه السنة، منفصلا عن النقاش الذي أثارته تصريحاته الأخيرة، حين دعا سكان مليلية إلى توجيه “رسالة جماعية” إلى الملك محمد السادس للتعبير عن الرغبة في إعادة فتح معبر فرخانة الحدودي، مشددا على أن “الوحيد القادر على اتخاذ هذا القرار هو جلالة الملك”.
وكان يحيى استبق هذه الدعوة بملتمس مماثل وجهه إلى ملك المغرب، معيدا ملف المعابر الحدودية في مليلية إلى دائرة النقاش المحلي، ليس فقط باعتبار الأمر يهم “نقطة عبور مغلقة”، بل بوصفه رمزا لعلاقات اجتماعية واقتصادية وإنسانية ظلت لعقود تربط مليلية بمحيطها المغربي، قبل أن تتغير معالمها بعد إغلاق الحدود خلال فترة جائجة “كوفيد-19” وإعادة تنظيم الحركة الحدودية لاحقا.

ويبدو أن أجواء العيد نفسها أعادت إحياء جزء من تلك الأسئلة القديمة؛ فالكثير من العائلات التي كانت تتنقل بسهولة بين إقليم الناظور ومليلية المحتلة، أو تربطها صلات قرابة وتجارة عبر الحدود، باتت تنظر إلى المعابر باعتبارها أكثر من مجرد نقاط أمنية وإدارية. وحضرت بشكل غير مباشر مضامين النقاش بخصوص “إمارة المؤمنين العابرة للحدود”، وهي الفكرة التي تعكس استمرار الارتباط الروحي والديني لفئة واسعة من سكان مليلية بالمغرب، سواء من خلال المناسبات الدينية أو عبر التفاعل مع قضايا الحج والعبادات والشؤون الدينية.
ولم يكن ذلك غائباً عن تفاصيل المشهد داخل المصلى، حيث بدت المناسبة وكأنها لحظة تتقاطع فيها الرمزية الدينية مع الامتداد الاجتماعي والثقافي الذي يتجاوز الأسلاك والمعابر المغلقة. ومع انتهاء الصلاة وتبادل التهاني بين المصلين بدا المشهد وكأنه يلخص جانبا من قصة مليلية نفسها؛ مدينة تختلط فيها السياسة بالدين، والحدود بالذاكرة، والتعايش اليومي بنقاشات الهوية والانتماء. وبين تكبيرات العيد والحديث المتجدد عن المعابر المغلقة استمرت المدينة في البحث عن توازنها الخاص بين واقع الجغرافيا وثقل التاريخ.
The post في عيد الأضحى.. مليلية المحتلة تستعيد الامتدادات الروحية نحو المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.