في زمن التحولات الكونية الكبرى... أي مستقبل للفكر الفلسفي العربي؟
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، الذي رحل هذا العام عن عمر مئة وأربع سنوات، أصدر عام 2012 كتاب "فلاسفتي" الذي تحدّث فيه عن كل الفلاسفة الذين أثّروا في تفكيره. في حوار مع صحيفة "لوبوان" الفرنسية، تعليقًا على هذا الكتاب، قال موران: "كيف يمكننا أن نتخطى اليوم سبينوزا وباسكال وهيغل، الذين أجدهم راهنين جدًا؟... للفلسفة مستقبل جيد إن لم تبقَ منطوية على نفسها بوصفها نظامًا، بل أن تفتح تأملاتها على العالم. خلال القرون الأخيرة، كان العلم والفلسفة يجهل أحدهما الآخر، في حين أننا اليوم نجد أن كل الطروحات العلمية تقود إلى تساؤلات فلسفية... إننا نعيش وسط الألغاز، ونحن بحاجة أكثر من قبل إلى الفلاسفة".
بهذه الكلمات حدّد موران مستقبل الفكر الفلسفي والدور الذي يمكن أن يؤدّيه في عالمنا المعاصر، فمما لا ريب فيه أن الفلسفة تواجه مأزقًا حرجًا بعد الإنجازات الكبرى والجذرية في العلوم والتكنولوجيا منذ أواسط القرن الماضي، وبعد التحولات التاريخية التي عصفت بعالمنا على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالدور الذي اضطلعت به عبر تاريخها الطويل في البحث عن الحقيقة وبناء تصورات عقلانية للوجود والإنسان بات مهددًا إزاء الدين والأيديولوجيا من جهة، وإزاء طغيان العلم وتقدّمه واكتشافاته من جهة أخرى.
في الواقع، فإن الفلسفة حققت في أوائل القرن الماضي وأواسطه انتصارات عظيمة. فقد استطاعت الماركسية أن تتحول إلى دليل لحركات سياسية واجتماعية بدّلت العالم لحقبة من الزمن، ونجحت الفلسفات الوجودية والعقلانية في أن تشق طريقها إلى عقل جيل بكامله. لكن الفكر الفلسفي أخذ بعد ذلك بالانكفاء والانحسار تدريجيًا أمام الأصولية والأيديولوجيا والعلوم، التي راحت تطرح نفسها بدائل للفلسفة في التصدي لإشكالات الكون والمجتمع والمصير الإنساني. كان هذا وراء تجدد السؤال القديم: ما الفلسفة؟ وهل للفلسفة دور تلعبه في زمن التحولات الكبرى الجذرية في الأفكار والمبادئ والقيم؟ وهل تقتصر مهمتها على إنشاء وصياغة المفاهيم؟ هل هي حاملة للحقيقة المطلقة والمبادئ المتعالية على الزمان والغريبة عن الإنسان التاريخي وهمومه ومعاناته؟

هذه التساؤلات وغيرها تُطرح الآن، حيث لا يزال البعض يراهن على فلسفة منزوعة من وقائع الوجود المتجددة، لا يطاولها التغيّر والتحول، ولا يلحقها ما يلحق الحياة من تجدد وتبدّل. إلا أنه من الحق الاعتراف بأن مقولة تجرد الفلسفة وحيادها لم تكن قائمة في أي مرحلة من مراحل التاريخ، فقد كانت دائمًا عميقة الوشائج، وثيقة العرى مع الواقع التاريخي وما يثيره من أسئلة وإشكاليات. والمتأمل في الفكر الفلسفي يخلص إلى تاريخية هذا الفكر ومدى التزامه، من منظوره الخاص، بقضايا الإنسان، ودأبه المتواصل للإجابة على الإشكاليات التاريخية التي كانت تواجه الإنسانية في كل حقبة من حقبات تطورها. فقد جهد الفكر الفلسفي اليوناني، مع سقراط وأفلاطون وأرسطو وسواهم، في ضوء التطور المعرفي المتاح، لوضع التصورات الأولية للحقيقة، وتمييز الجوهري الماهوي الثابت من الهيولى المتبدلة الزائلة. فكتابات أفلاطون وأرسطو السياسية تحيل إلى أحداث من تاريخ المدن اليونانية ونظمها السياسية وطبقات تداولت الحكم فيها، وأفلاطون، برغم مثالية جمهوريته، يتحدث بمفردات سياسية مثل العدالة والحرية والصراع بين الفقراء والأغنياء، إضافة إلى الأحداث التاريخية المعاصرة للفيلسوف. وقد عمل الفكر الفلسفي الحديث، مع ديكارت، على تحديد ماهية الفكر الإنساني إزاء العقل اللاهوتي الدوغمائي، ومع روسو ومونتيسكيو على طرح "العقد الاجتماعي" بديلًا للحكم الأوتوقراطي الاستبدادي، ومع ماركس وإنجلز على تأكيد العدل الطبقي والمساواة الاجتماعية في مواجهة توحش الرأسمالية. وانبرى فوكوياما وهنتنغتون منذ تسعينيات القرن الماضي إلى الدفاع عن الليبرالية باعتبارها "نهاية التاريخ" والهدف النهائي والأخير لتطور الوجود الاجتماعي.
الفكر الفلسفي والنهضة العربية
ولم يكن الفكر الفلسفي غريبًا عن مفكرينا النهضويين، فقد خاض هؤلاء في أسئلة الوطنية والقومية والحرية والمجتمع والدولة، وقدموا عنها إجابات فلسفية أو ذات منحى فلسفي. من ذلك إسهامات فرنسيس المرّاش وبطرس البستاني وفرح أنطون وشبلي الشميل في الفكر السياسي والاجتماعي، وإسهامات أديب إسحق ونجيب العازوري وأمين الريحاني في الفكر القومي.
إن الفلسفة، إذا لم يكن شأنها الإنسان المطلق والعقل المطلق والمجتمع المطلق في أي مرحلة من مراحل تاريخها، فإنها كانت، وهي تتطلع إلى ذلك، تنطلق دائمًا من إشكالات محددة، ومن بشر معينين لهم معاناتهم الخاصة ومشاكلهم الذاتية وهواجسهم الفريدة.
إن دور الفلسفة لا يمكن أن يقتصر على إنتاج المفاهيم، فالتقدم العلمي يتكفّل بذلك، ولا يمكن للفلسفة أن تكون خادمة للشريعة فيسقط دورها النقدي وتقيَّد بأحكام خارجة عن العقل، وليست مهمتها أن تكون خادمة للأيديولوجيا، ما يفقدها طابعها الشمولي. الفلسفة يجب أن تضطلع بأدوار غير هذه كلها، ومن واجبها أن تتفاعل مع وقائع الحياة المتجددة، وأن تحاول الإجابة على الأسئلة التي يطرحها التطور الإنساني إجابات فلسفية، ما يحتم التزامها وزمانيتها ونضاليتها.
من هذه الزاوية بالذات نطرح على الفكر الفلسفي العربي مهمات أساسية كبرى غير التي تشغل الأكثرية الساحقة من المفكرين العرب. إذ من واجب الفكر الفلسفي أن يواجه تحدي النكوص الراهن حتى إلى ما قبل إسهامات الفكر النهضوي العقلانية، فضلًا عن الإسقاط المربك للعقل بوصفه مرجعية أولى في الوجود السياسي والاجتماعي، في موازاة تقدم اللاعقلانية والخرافة والاحتكام إلى الماضوية في كل الشؤون السياسية والاجتماعية. فلماذا لم تتقدم الاتجاهات العقلانية في فكرنا الحديث والمعاصر على النحو الذي عرفته حداثة الغرب؟ ولماذا لم تتجذّر في تفكيرنا وسلوكنا اليومي؟ ولماذا اختفت إبداعاتنا العقلية بعد ثمانية قرون على العقلانية الرشدية؟ وما معنى احتدام المواجهة بين العقلين الديني والحداثي في هذه المرحلة من تاريخنا بالذات؟ أوليست "داعش" وأخواتها النتيجة المأسوية لإخفاق العقلانية العربية؟
والفكر الفلسفي معني بالإجابة عن إشكال الهوية الذي يهدد بإعادة الأمة العربية إلى ما قبل المجتمعات الوطنية والقومية، وبتقدم الانتماءات العشائرية والطائفية والإثنية على حساب الانتماءات العابرة للهويات والعصبويات الصغرى، ما قبل الحداثية وما قبل المدنية.
والفكر الفلسفي معني بالتصدي لكل العقد والمحرّمات التاريخية، للبحث في كل تلك الأسباب التي أزهقت النهضة العربية، ووقفت وراء انحسار ومحدودية إبداعات الإنسان العربي وتخلف العرب المتمادي.
ومن واجب الفكر الفلسفي مواجهة العلل التي حالت دون سقوط إرث الاستبداد في تاريخنا، وإخفاق الفصل بين الديني والسياسي بعد أكثر من قرن ونصف قرن على علمانية بطرس البستاني وفرنسيس المرّاش وفرح أنطون، فلماذا بقيت العلمانية، حتى الآن، فكرًا نخبوياً؟
والفكر الفلسفي معني بالإجابة عن إخفاق العدل الطبقي وتفاقم الفجوة الطبقية بعد قرابة قرن على الأفكار الاشتراكية في العالم العربي.
إذا قُدّر للفكر الفلسفي العربي الإجابة على هذه الأسئلة أو مقاربتها، نكون قد بدأنا مسارنا الحقيقي إلى الانخراط في عالمنا المعاصر والمشاركة في ثورته العتيدة.