في رحيل نبيل لحلو

نبيل لحلو .. حين يصير المسرح قدراً

يعلن رحيل المخرج المغربي نبيل لحلو عن نهاية مسار جسدي، ولكنه يفتح أفقاً عريضاً لتحليل نقدي مفيد لتجربة فنية وفكرية ممتدة داخل المسرح والسينما المغربية المعاصرة، بتميز مثير.

يضع رحيل نبيل لحلو، بإلحاح، سؤال الفن في قلب الوجود، بل يدفع إلى مساءلة علاقة الإبداع بالحرية والالتزام. اختار لحلو، منذ بداياته، ممارسة الإخراج بوصفه موقفاً واعياً، عنيداً، ومثقالاً بالثقة الذاتية، عوض الاكتفاء بإعادة إنتاج القوالب الجاهزة، كما أسس مساره عبر تكوين أكاديمي وتجربة بين المغرب وفرنسا (تكوين مسرحي بفرنسا ضمن سياق المسرح الحديث).

أسس فقيد المسرح والسينما المغربية التجريب كمنهج، رافضاً، في نفس الوقت، الاستقرار داخل شكل فني واحد. هكذا أعاد نبيل لحلو تفكيك البنية التقليدية للعرض، حيث جعل المسرح مجالاً للفكر الحي.

ينسجم هذا التوجه مع ما طرحه أنطونان أرتو، حين أكد أن “المسرح يجب أن يكون صدمة توقظ الفكر” (Artaud, Le Théâtre et son double, 1938). اشتغل لحلو على الجسد والصوت والفضاء، بدل اختزال العرض في النص أساساً فقط.

انتقل لحلو، وهو في قمة عطائه المسرحي، إلى السينما، دون القطع مع المسرح، بل عمل لحلو على نقل لغته إليها. هكذا أنجز نبيل لحلو أفلاماً تنتمي إلى صنف سينما المؤلف، وجعل من الصورة أداة تفكير.

يلتقي توجه نبيل لحلو مع طرح جيل دولوز، الذي يرى أن “الصورة السينمائية تفكر بطريقتها الخاصة” (Deleuze, Cinéma 1, 1983). وقد فتح لحلو، بذلك، أفقاً تأويلياً يجعل المتلقي شريكاً في المعنى.

واجه لحلو الرقابة بشكل متعدد ولمدة طويلة في ميدان السينما، ولكنه لم ينكفئ، بل حول ضغط الرقابة – الذي آلمه كثيراً – إلى مادة إبداعية. رفض لحلو، بعناد، الامتثال، وأصر على استقلالية الرؤية الفنية التي كلفته الكثير. ينسجم موقف نبيل لحلو هذا مع تحليل ميشيل فوكو، الذي يؤكد أن “حيثما توجد سلطة هناك توجد مقاومة” (Foucault, Histoire de la sexualité, 1976)، وهو ما جعل لحلو يحول المسرح إلى فضاء نقدي، بل دفعه إلى جعل الفن أداة مساءلة.

استحضر لحلو الفلسفة داخل أعماله، ولكنه لم يقدمها بشكل مباشر، بل حولها إلى تجربة حسية. يتجلى ذلك في مسرحية “محاكمة سقراط” (عمل مسرحي متأخر يستلهم الفلسفة اليونانية)، حيث يعيد طرح سؤال الحقيقة مستنداً إلى قول سقراط: “الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تعاش” (Plato, Apology)، ولكنه يعيد صياغته داخل سياق معاصر.

يربط لحلو بين الفن والحياة، بل ويجعل الإبداع امتداداً للتجربة الإنسانية. يعالج في جل أعماله موضوعات الإنسان والمجتمع، ويمنحها بعداً وجودياً في انسجام مع ما ذهب إليه إريك فروم، حين أكد أن “الحب فعل يمنح الوجود معنى” (Fromm, The Art of Loving, 1956).

ساهم المرحوم نبيل لحلو في تشكيل ملامح المسرح المغربي الحديث، بل ورسخ حضوره داخل الفضاء الثقافي العربي والدولي (مشاركة أعماله في مهرجانات وعروض خارج المغرب)، ولعله أثر في أجيال من الفنانين، ولم يبق مجرد حالة فردية. في هذا السياق يندرج قول والتر بنيامين: “يحمل العمل الفني أثر زمنه” (Benjamin, 1936).

لترتاح روحك، نبيل لحلو، في سلم وسلام العالم الآخر. فقد ألهمنا رحيلك ومسارك أسئلةٍ طرحت المفتوح منها هكذا: هل يستطيع الفن تغيير الواقع؟ ويجيب مسارك بالفعل وليس بالقول، وأثبت أن الفن، حين يقترن بالحرية، يصبح قوة تغيير رمزية. يرسخ بذلك أثراً يجعل من الإبداع ضرورة وجودية وليس ترفاً ثقافياً.

The post في رحيل نبيل لحلو appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress