في رحيل الدكتور أديب صعب وإرث السّؤال الفلسفيّ عن المقدّس

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الأب الدّكتور سميح رعد

 

يشكّل رحيل شيخ فلسفة الدين الدّكتور أديب صعب، في ٢٤ نيسان ٢٠٢٦، لحظة غيابٍ عميقةٍ تتجاوز المشهد الأكاديميّ العربيّ إلى أفق التفكير المفهوميّ المعاصر بمعناه الأوسع. فقد أسكتت وفاته صوتًا فلسفيًّا بالغ الفرادة والتميّز. غير أنّ ما خلّفه من طروحاتٍ فلسفيّة ودواوين شعريّة يتجاوز بكثيرٍ حدود الإنتاج الأكاديميّ؛ إذ ترك حضورًا نادرًا وبصمةً معرفيّة رفيعة تتّسم بالصرامة والاتّزان والعمق الهادئ. لذلك ستظلّ أعماله شاهدةً على إرثٍ غنيٍّ يفتح باب الإمكانات الواسعة ويعكس خبراتٍ فريدةً تستدعي الإصغاء والتأمّل.


في ظلّ التخبّطات التي يكابدها الفكر الفلسفيّ العربيّ المعاصر، ولا سيّما في مجال فلسفة الدّين، تبرز شخصيّة أديب صعب بوصفها علامةً فارقةً ذات كثافةٍ فكريّةٍ تأسيسيّةٍ. إذ يرتكز مشروعه على رؤيةٍ وحدويّةٍ للفكر يمكن وصفها بأنّها ذات روحٍ روميّةٍ–أنطاكيّةٍ، حيث لا تقابل الوحدة الكثرة بل تتحقّق فيها، وحيث لا تؤدّي التّعدّديّة إلى التّفكّك بل إلى انكشاف الأفق الدلاليّ في أعمق مستوياته. وإزاء كلّ منطقٍ ثنائيٍّ اختزاليٍّ يفصل ويصنّف بصورةٍ جامدةٍ، يرفض فكره الحدود القاطعة بين الواحد والمتعدّد، وبين الإيمان والعقل، وبين الالتزام والمسافة النّقديّة. ومن ثمّ، يقترح أفقًا معرفيًّا وسيطًا بالغ الصّرامة المفهوميّة، تتداخل فيه الدّقّة الفلسفيّة مع الانفتاح الوجوديّ والتّأويليّ، بما يتيح إعادة التّفكير في الظّاهرة الدّينيّة لا بوصفها نسقًا مغلقًا من التّقابلات، بل فضاءً حيًّا للدلالات في توتّرها الخلّاق.


تتجذّر منهجيّته في بناءٍ دقيقٍ يزاوج، بمهارةٍ مفهوميّةٍ نادرةٍ، بين الوصف الظّاهراتيّ للخبرة الدّينيّة وصياغتها النّقديّة داخل الحقل الفلسفيّ. فقد سعى إلى استجلاء المجال القدسيّ في حقيقته المعاشة، عبر تعليق الأحكام المسبقة التي تحجب عمقه، مع الحفاظ في الوقت عينه على صرامةٍ عقليّةٍ في الفحص والتّحليل. ومن هذا التّوتّر الخلّاق بين الكشف الوصفيّ والتّقويم النّقديّ تتبلور فرادة مشروعه الفلسفيّ.


بهذا المعنى، لا تفهم فلسفة الدّين عند أديب صعب بوصفها مشروعًا لاهوتيًّا دفاعيًّا، ولا بوصفها مسعًى تفكيكيًّا نقديًّا، بل كعقيدة ومرانٍ على فهمٍ للمعنى وتأويله الذي ينصت إلى المقدّس في لحظة تجلّيه داخل الخبرة الإنسانيّة. فالدّين لا يُخْتَزل إلى وهمٍ معرفيٍّ، ولا يُجمّد في معطياتٍ مغلقة، بل يقارب في تعقيداته الحيّة، وفي قدرته العميقة على التّعبير عن الأسئلة الوجوديّة القصوى التي تؤسّس الكينونة الأنثربولوجيّة.


من أبرز إسهاماته إعادة قراءة مفهوم "الدّين الطّبيعيّ"، هذا المفهوم الذي لا يمكن أن يعدّ بناءً تجريديًّا فقط، بل كأفقٍ ملازمٍ للإنسان. فالدّين، في هذا التّصوّر، ينبثق حيثما يواجه المرء أسئلة المعنى والحدود والمصير. ومن ثمّ، فإنّ التّقاليد الدّينيّة المختلفة تستحيل تجلّياتٍ تاريخيّةٍ متنوعةٍ وخصبةٍ ورمزيّةٍ لبحثٍ إنسانيٍّ واحدٍ عن المطلق.


يتيح هذا المنظور إعادة التّفكير في التّعدّديّة الدّينيّة خارج منطق الصّراعات أو الإقصاءات، إذ تفهم تجارب الاختلافات بين الأديان بوصفها تنوّعاتٍ ثقافيّة البنية الانثربولوجيّة المشتركة. ومن هنا تنفتح إمكانيّة حوارٍ حقيقيٍّ قائمٍ على الاعتراف المتبادل لا على خبرةٍ واحدةٍ ولا على التّماثل القسريّ أو الهيمنة الرّمزيّة.


تتجلّى الصّرامة المنهجيّة عند العلّامة صعب بوصفها ضرورةً أخلاقيّةً قبل أن تكون مهنيّة أكاديميّة. فتعليق الأحكام المسبقة، ومساءلة البداهات، ومواجهة التّعقيدات، ليست عنده مجرّد عمليّاتٍ ذهنيّة، بل هي تعبيرات عن التزامٍ عميقٍ بالحقيقة. والنّقد في مشروعه لا يتّجه إلى الهدم، بل إلى الإيضاح والتّعمّق، في مسارٍ يجعل من الفهم غايةً تتقدّم على أيّ حكمٍ تقويميّ.


في هذا الإطار، تعاد صياغة العلاقة بين الإيمان والعقل بحيث تتجاوز منطق التّعارض لتدخل في أفق التّكامل الخلّاق. ففلسفة الدين لا تسعى إلى إلغاء الإيمان، بل إلى إدراك بنيته الدّاخليّة وآليّات تشكّله. وهكذا يغدو الإيمان فعلًا أنطولوجيًّا مركّبًا يتجسّد داخل توتّرٍ جدليٍّ بين المحدود واللّامحدود، وبين الإنسان وما يتجاوزه ويتعالى عليه.


من خلال منهجه، يتجلّى أيضًا بعدٌ رمزيٌّ أعمق، إذ يمثّل، في روحه ومقاربته، امتدادًا لما يمكن تسميته بالأفق الرّوميّ-الأنطاكيّ، تلك الرّؤية التي لا تعترف بالحدود المغلقة، بل تجعل من الانفتاح أفقًا جامعيًّا وجوديًّا أصيلًا، جسرًا بين الوحدة والكثرة ورفضًا للثنوية الإقصائية أو تصلّب الوحدانية المغلقة. ووفق هذا التّصوّر، لا يعود اللّامحدود والكثرة نقيضين للحقيقة الواحدة، بل بتعددها تستحيل إلى فضائها الأوسع، حتّى يغدو كأنّ اللّامحدود هو بيت الفكر ومجاله الطّبيعيّ، ينساب كشعرٍ فلسفيٍّ أو كفلسفة شعرية تسع الكلّ في الواحد.


غير أنّ استحضار أديب صعبٍ لا يقتصر على أفكاره، بل يمتدّ إلى حضوره الشّخصيّ أيضًا. فقد أجمع من عرفوه على ما كان يتحلّى به من رهافةٍ شعريّةٍ وحكمةٍ ناضجةٍ وتواضعٍ أصيلٍ ونبل فروسيٍّ رفيعٍ في التّعامل الإنسانيّ. لقد كانت حياته فلسفةً تعبّر تعبيرًا طبيعيًّا  عن شخصيّته: هدوءٌ بلا ضعفٍ، وصرامةٌ بلا قسوةٍ، وانفتاحٌ بلا تفريطٍ، إنّه جامع الفلسفة والشعر.


في معهد القدّيس بولس في حريصا، كان لي شرف تقديم فكره لطلّابي بكلّ ما ينطوي عليه من غنًى، فرأيت فيه تجسيدًا حيًّا لتوليفةٍ تختصر الرّوميّة الأنطاكيّة القائمة على وحدةٍ نابضةٍ تعبر التّعدّد. وقد عاينت خصوبة حدسه الوجدانيّ وساعدت طلّابي على إدراكه، وكذلك السّبق اللاّفت في تفكيره الذي كان يدخل في حوارٍ نقديٍّ ضمنيٍّ مع جانبٍ واسعٍ من الإنتاج الأكاديميّ المعاصر.


حرصت على توجيه طلّابي إلى دراسة مشروعه، إدراكًا لقيمته التّأسيسيّة في مشهد الفكر النّقديّ العربيّ المعاصر في فلسفة الدين. وقد شجّعتهم على قراءة أعماله ودراستها، ويُجرى اليوم إعداد رسالة جامعيّةٍ حول فكره تمهيدًا لمناقشتها قريبًا. وفي محادثتي معه، مؤخّرًا، كنت أرجو بصدقٍ أن يبقى بيننا، ليشارك في مناقشة تلك الرّسالة الواعدة من الأب سبيريدون كبّاشٍ، غير أنّه قد رحل عن هذا العالم، وفي القلب غصّة.


هكذا لا يفضي رحيل أديب صعب إلى انغلاق مسارٍ فكريّ، بل إلى مزيدٍ من التّعميق والإثراء والمسؤوليّة. ففكره، بما يتّسم به من دقّةٍ وعمق، يظلّ نداءً متجدّدًا إلى الإصغاء والنّقد، وإلى إعادة التبصّر في السّؤال الفلسفيّ حول الدّين ضمن أفقٍ أرحب وأكثر إنسانيّة.


نتقدّم بأصدق التّعازي إلى زوجته، الصديقة إيلين، وإلى عائلته، وإلى "مركز أديب وإيلين صعب للآداب والثقافة الأنطاكيّة"، وإلى زملائنا في معهد القديس يوحنّا الدمشقيّ في البلمند، في هذا المصاب الأليم.

 


المسيح قام، حقًّا قام. وليكن ذكره مؤبّدًا!

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية