في "الدقيقة التسعين" بين أميركا وإيران... كيف نجحت باكستان في كسر جمود المفاوضات؟
بعد أربعين يوماً من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبعد أربعين يوماً من المفاوضات العقيمة، بدا أنّ المنطقة تقترب مجدداً من حافة الانفجار الكبير. لكنّ تحرّكاً باكستانياً مكثفاً في "الدقيقة التسعين" نجح بفتح ثغرة في جدار الجمود، ووضع أسس تفاهم أولي بين طهران وواشنطن، وسط مخاوف من أن يكون الاتفاق الهشّ مجرد هدنة موقتة قبل جولة مواجهة جديدة.
4 أهداف و4 عقد
فعلى مدى أربعين يوماً، خاضت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً ضد إيران، من دون التمكّن من تحقيق أهدافهما المشتركة الأربعة، التي شملت إسقاط النظام الإيراني، وتدمير المنشآت النووية، وإزالة تهديد القدرات الصاروخية، ووقف دعم طهران لحلفائها في لبنان والعراق واليمن.
ورغم تنفيذ نحو 23 ألف عملية عسكرية وإنفاق ما يُقدَّر بـ70 مليار دولار، بقيت هذه الأهداف بعيدة المنال، فيما أدّى إغلاق إيران مضيق هرمز إلى أزمة جديدة هزّت الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة الدولية.
في موازاة الحرب، جرت مفاوضات مكثفة طوال أربعين يوماً لفتح المضيق وإخراج 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% من إيران، لكنّها فشلت في تحقيق اختراق حاسم، ما جعل الأطراف الثلاثة تقترب أكثر من مرة من استئناف المواجهة العسكرية.
تمحورت المعضلة الأساسية حول أربع نقاط رئيسية. أولاً، رفض إيران وقف تخصيب اليورانيوم مهما بلغت الضغوط؛ ثانياً، تمسّكها بعدم فتح مضيق هرمز من دون مكاسب واضحة، تشمل رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة، إضافة إلى مطالبتها بصيغة جديدة لممارسة السيادة على المضيق بالشراكة مع سلطنة عمان؛ ثالثاً، رفضها تسليم 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب إلى الولايات المتحدة. أما النقطة الرابعة، فتمثّلت بإصرار طهران على اعتبار وقف إطلاق النار في جنوب لبنان شرطاً ضرورياً لأيّ اتفاق شامل.
هذه العقد الأربع جعلت الوساطات التي قادتها باكستان وقطر، إلى جانب محاولات السعودية وتركيا ومصر خلال الأسابيع الماضية، عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي. وفي الوقت نفسه، تصاعدت المخاوف الدولية من تداعيات حالة "اللاحرب واللاسلم" على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي، فيما أبدت دول الخليج قلقاً متزايداً من احتمال تجدّد الحرب.
ماذا فعلت باكستان في "الدقيقة التسعين"؟
وفي اللحظة التي كان الجميع يستعد فيها لعودة المواجهة العسكرية، توجّه وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران لمحاولة كسر الجمود بأيّ ثمن. فـ إسلام آباد تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولمصالحها، كما أنّها تتحرك أيضاً بتكليف غير مباشر من دول عربية، وفي مقدّمها السعودية، لوضع حدّ للحرب.
أجرى نقوي مفاوضات مكثفة مع المسؤولين الإيرانيين، بالتوازي مع اتصالات مباشرة مع الأميركيين، قبل التوصل إلى تفاهم بشأن حلّ من مرحلتين لإنهاء الحرب. ومع زيارة قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، نُقل هذا الحلّ مساء السبت إلى واشنطن.

المرحلة الأولى: 4 نقاط رئيسية
بحسب مصادر غير رسمية، تضمّنت المرحلة الأولى من التفاهم أربع نقاط رئيسية: أولها وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك جنوب لبنان، وضمانات أميركية بعدم شنّ إسرائيل أيّ اعتداء جديد على لبنان وإيران، على أن تُثبَّت هذه الضمانات بقرار من مجلس الأمن الدولي.
أما النقطة الثانية فتتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأميركي. وتشير المعلومات إلى أنّ إيران سمحت بالفعل خلال الأيام الماضية بمرور عدد أكبر من السفن التجارية في إطار إظهار حسن النية. كذلك، تحدّثت تسريبات عن موافقة أميركية على آلية تدقيق يومية بالسفن المرتبطة بإيران، بما يسمح لها بالعبور بعد التحقق من هويتها.
لكنّ ملف المضيق لا يزال مليئاً بالأسئلة المعقدة. فهل ستصبح الولايات المتحدة شريكة لإيران في إدارة هرمز؟ وهل ستُنشئ واشنطن قاعدة في سلطنة عُمان لإدارة حركة العبور؟ وما هو الدور الذي ستلعبه مسقط في أيّ ترتيبات جديدة؟ كذلك يبرز سؤال آخر يتعلق بالرسوم التي تفرضها إيران حالياً على السفن العابرة، وما إذا كانت ستبقى أو سيجري تعديلها ضمن أيّ تفاهم مستقبلي.
النقطة الثالثة هي الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة. ووفق التفاهم، ستتولى قطر دفع 12 مليار دولار بصورة عاجلة إذا احتاجت الآليات التقنية للإفراج عن الأموال وقتاً إضافياً، بينها 6 مليارات دولار من الأرصدة الإيرانية المجمّدة في كوريا الجنوبية والمحوّلة إلى مصارف قطرية، فيما يُفترض استكمال تحرير 24 مليار دولار إضافية خلال الأشهر المقبلة.
أما النقطة الرابعة فتتضمّن تقليص الوجود العسكري الأميركي في الخليج، في محاولة لإعطاء إشارة بأنّ واشنطن لا تخطط لشنّ حرب جديدة، على أن تُمنح مهلة تراوح ما بين 30 و60 يوماً للتفاوض على الملفات الخلافية الكبرى، ما يعني عملياً الفصل بين وقف الحرب وحلّ كل القضايا العالقة.
المرحلة الثانية: العقوبات والنووي والتعويضات
أما القضايا الأكثر تعقيداً، فقد جرى ترحيلها إلى المرحلة الثانية من المفاوضات، وفي مقدّمها رفع العقوبات الاقتصادية، وهو مطلب إيراني ثابت منذ بداية الأزمة. وتشير التقديرات إلى أنّ تعقيدات العقوبات التي فُرضت خلال السنوات الماضية تجعل رفعها عملية شديدة الحساسية والتعقيد بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
ويبقى الملف النووي أكثر تلك الملفات حساسية. فحتى الآن، لا يوجد اتفاق واضح بشأن نسب التخصيب التي قد تقبل بها إيران مستقبلاً، سواء العودة إلى سقف 3.67% أو الاكتفاء بنسبة 20%، كما لا يزال الغموض يحيط بمدة أيّ تعليق محتمل للتخصيب، وما إذا كان سيمتد لخمس سنوات أو عشرين سنة، أو أنّ طهران قد ترفض أساساً خيار التعليق.
إلى ذلك، يظلّ مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% نقطة خلافية مركزية، وسط تساؤلات بشأن إمكانية بقائه داخل إيران أو نقله إلى الصين أو روسيا. وتشير التسريبات إلى أنّ مواقف المرشد الثالث الشاب للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي لا تزال بعيدة عن المطالب الأميركية، خصوصاً في ما يتعلّق بالتعليق الطويل للتخصيب وإخراج مخزون اليورانيوم من البلاد.
ولا تقلّ قضية التعويضات حساسية عن الملف النووي. فداخل إيران، تطالب قوى معارضة لأيّ اتفاق مع واشنطن بالحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، التي تصل إلى 270 مليار دولار وفقاً لبعض التقديرات، فيما يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتحمّل أيّ جزء من هذه الكلفة، أو ما إذا كانت طهران ستتراجع عن هذا المطلب إن رفضته واشنطن.
وفي حين توحي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة بوجود قبول مبدئي بالمقترحات الإيرانية للمرحلة الأولى، تبدو إسرائيل غير راضية عن هذا التفاهم، فيما تواجه أيّ تسوية محتملة اعتراضات داخلية أيضاً داخل إيران. لذلك، ورغم الاتجاه الحالي نحو الاتفاق، يبقى عدد الملفات الخلافية كبيراً، كما أنّ خصوم أيّ تقارب أميركي - إيراني لا يزالون قادرين على تعطيل المسار، ما يجعل احتمال انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة جديدة خلال الأشهر المقبلة أمراً قائماً بقوة.