«فندق سيزار» بطنجة.. عندما تسكن أسراب الحمام أطلال النفوذ السياسي الغابر
لم يكن الفندق الشهير بكورنيش “مالاباطا” بطنجة مجرد وحدة إيواء سياحي عادية؛ بل كان في أوج توهجه بمثابة مركز ثقل غير رسمي تُصنع فيه التحالفات، وتُهندس فيه القرارات، ويلتقي فيه رجال المال والسياسة والإعلام. واليوم، إذ يتحول هذا الصرح الفندقي إلى بناية مهجورة تسكنها أسراب الحمام والرياح البحرية، فإن المشهد يتجاوز حدود “فشل استثماري” عادي، ليصبح تجسيداحيا وبصريا لظاهرة “أفول الفاعل السياسي” وانعكاسات غيابه الدراماتيكي على امتداداته في عالم المال والأعمال.
تاريخيا، ارتبطت الطفرة الاقتصادية والعقارية في الكثير من المحطات بمدى تموقع “مُهندسيها” في خريطة صناعة القرار. وعندما كان الفاعل السياسي المرتبط بهذا العقار في قمة مجده ونفوذه، كان الفندق يعيش أرقى فتراته؛ إذ لم يكن يستمد قوته من جودة خدماته الفندقية بالدرجة الأولى، بل من “الرمزية والسطوة” التي كان يمثلها الواقفون خلفه. كان الحضور في ردهات الفندق صكاً للاعتراف بالتموقع داخل النخبة، وبوابة غير رسمية للاستثمار في المنطقة الشمالية التي كانت تعيش طفرة تنموية كبرى. هذا التداخل العضوي جعل الفندق ينمو في بيئة محمية بالنفوذ، حيث تتداخل المصالح وتتدفق الحجوزات والأنشطة كتحصيل حاصل لهذا الثقل.
إن التحول المفاجئ للفندق عقب تواري صانعه عن الأنظار وأفول نجمه السياسي، يقدم درسا بليغا في سوسيولوجيا الاستثمار المرتبط بالسلطة والنفوذ. بمجرد أن رُفعت “المظلة السياسية” عن الفندق، واجهت المؤسسة حقيقتها الاستثمارية العارية بدون مساحيق. وسرعان ما ظهر أن الفندق لم يبنِ لنفسه نموذجا اقتصاديا مستداما يعتمد على قواعد السوق الحرة، والتنافسية السياحية، والتدبير المهني الاحترافي. وبدلاً من ذلك، دخل في نفق مظلم من التخبط التسييري، وتراكم الديون لصالح الموردين ومؤسسات الدولة، وعجز عن أداء أجور العاملين، مما أفضى في النهاية إلى ردهات المحاكم والإغلاق النهائي. إن هذا “السقوط الحر” يثبت أن المشاريع التي تولد في جلباب الفاعل السياسي، غالباً ما تموت بمجرد تمزق هذا الجلباب أو تغير التوازنات.
تكتسي الصورة الحالية للبناية المهجورة بكورنيش طنجة طابعاً سريالياً؛ واجهات زجاجية مكسورة، جدران متآكلة بفعل الرطوبة، وأسراب حمام تعشش في الأجنحة التي كانت بالأمس القريب تضم أصحاب القرار. هذا المشهد هو إدانة بصرية صارخة لـ”زواج المتعة” بين المال والسياسة. وعندما يغيب “الفاعل السياسي” ويسقط من حسابات المشهد، لا تقتصر الخسارة على حزبه أو نفوذه، بل تمتد لتترك ندوبا مشوهة على وجه المدينة. البناية المهجورة اليوم هي “أطلال سياسية” بامتياز، تشهد على مرحلة من تاريخ طنجة المعاصر كتبت بمداد النفوذ المؤقت، ومُحيت بمجرد تغير موازين القوى ورحيل أصحابها.
إن هذا المآل يبعث برسالة قوية ومباشرة لكل الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين: الاستثمار الحقيقي لا يبنى على النفوذ العابر، والنجاح التجاري المستدام لا يستمر بـ”الهواتف والوساطات”، بل بقواعد الحكامة والتدبير الرشيد. وفي وقت تستعد فيه مدينة طنجة لرهانات عالمية كبرى وعلى رأسها مونديال 2030، يظل بقاء هذا الهيكل المهجور في أرقى شوارع المدينة نقطة سوداء تتطلب تدخلا عاجلا من السلطات لفك عُقده القانونية وإعادة ضخه في الدورة الاقتصادية بعيدا عن حسابات السياسة وصناعها الراحلين، لأن طنجة تستحق فضاءات سياحية تصنع جاذبية المدينة، لا أطلالا إسمنتية تذكر المارة بنهاية زمن النفوذ.