فرنسا تعود إلى دمشق: بين إعادة الإعمار واستعادة النفوذ الأوروبي في سوريا الجديدة
علي حمود
شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة سياسية واقتصادية فارقة، باعتبارها أول زيارة يقوم بها رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع. ولا تقتصر أهمية الزيارة على بعدها الديبلوماسي، بل تعكس بداية مرحلة جديدة من الانخراط الأوروبي في الملف السوري، حيث تتداخل اعتبارات إعادة الإعمار مع حسابات النفوذ الجيوسياسي والأمن الإقليمي.
وجاءت المحادثات بين الجانبين لتؤكد أن الاقتصاد سيكون المدخل الأساسي لإعادة بناء العلاقات الثنائية. فقد ركزت النقاشات على إطلاق مشاريع واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرضت لدمار هائل خلال سنوات الحرب، بما يشمل الطرق والجسور والمطارات والموانئ، إضافة إلى إصلاح شبكات الكهرباء والطاقة. كما تناولت تحديث النظام المصرفي السوري وإعادة ربطه بالنظام المالي العالمي، إلى جانب التعاون في تطوير قطاعي الصحة والنقل الجوي. وتشير تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تراوح بين 250 و400 مليار دولار، بينما ترفع دراسات مستقلة الرقم إلى أكثر من 500 مليار دولار إذا أضيفت أكلاف إعادة بناء المدن الصناعية والخدمات العامة.
وضم الوفد الفرنسي ممثلين عن شركتي CMA CGM وTotalEnergies، مع بحث مشاريع في الموانئ والطاقة والنقل البحري، إضافة إلى اتفاقات تعاون في البنية التحتية والتمويل والطيران والصحة. اقتصادياً، تسعى باريس إلى تشجيع الاستثمارات الفرنسية وتقديم الخبرة الفنية لإعادة بناء المؤسسات وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي. وسياسياً، تدعم الحكومة الانتقالية وتعمل على إعادة العلاقات الديبلوماسية والدفع نحو رفعٍ تدريجي للعقوبات الأوروبية في مقابل الإصلاحات. أما استراتيجياً، فتسعى إلى استعادة نفوذها في شرق المتوسط وموازنة النفوذ التركي والروسي والإيراني، مع تأمين فرصٍ للشركات الفرنسية في سوق إعادة الإعمار. كما أعلنت فرنسا إعادة نحو 32 مليون يورو من الأموال المصادرة المرتبطة برفعت الأسد إلى الدولة السورية الجديدة لدعم مؤسسات العدالة وإعادة بناء أجهزة الدولة، في خطوة تعد سابقة قانونية تعكس توجيه الأموال المصادرة إلى الدولة المتضررة.
في المحصلة، تمثل الزيارة بداية مرحلة جديدة من الشراكة بين فرنسا وسوريا، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في رسم مستقبل إعادة الإعمار، ويبقى نجاح هذه المرحلة مرهوناً بقدرة الحكومة السورية على ترسيخ الاستقرار وتنفيذ إصلاحات شاملة وجذب الاستثمارات الدولية.