فرنسا: المدارس بين نزيف التلاميذ وتَغيُّب الأساتذة

تشهد المؤسسات التعليمية في فرنسا أزمةً متفاقمة في تعويض الأساتذة المتغيبين، الأمر الذي يهدّد استمرارية الدراسة بانتظام ويؤثر سلباً في مستوى تحصيل التلاميذ. فوفقا لاستبيان سنوي قُدّم في 26 ماي 2026، تعاني 41% من المؤسسات التعليمية من نقص بمعدل أستاذ على الأقل دون استخلاف، فيما تواجه قرابة 60% من المؤسسات غياب ما بين اثنين إلى خمسة أساتذة. كما أفاد الاستبيان أن 2% من المدارس تشتكي من غياب ما بين خمسة وتسعة أساتذة دون استخلاف.
آلاف المدارس ستُغلق
وهكذا يبدو المشهد التعليمي في فرنسا محكوما بتناقض صارخ يصعب تفسيره. فمن جهة، تتحدث التوقعات الرسمية عن تراجع عدد التلاميذ بنحو 1.7 مليون خلال السنوات العشر القادمة، وما يرافق ذلك من إغلاق مئات، بل آلاف المدارس، خاصة في المناطق الريفية. ومن جهة أخرى، تواجه المؤسسات التعليمية أزمة حادة تتمثل في تغيّب الأساتذة وصعوبة استخلافهم، مع ارتفاع مستمر في حالات عدم الاستخلاف بنسبة فاقت 93% في التعليم الثانوي منذ 2018. كيف يمكن لنظام تعليمي أن يعاني من نقص حاد في الأساتذة، في الوقت الذي يشهد فيه تراجعا غير مسبوق في أعداد التلاميذ وإغلاق كمّ هائل من المدارس؟
لقد أخطأت السلطات عندما تصرفت كما لو كان التراجع الديموغرافي وانتشار الأقسام الفارغة يحدثان في نفس الأماكن وبالسرعة نفسها التي تتفاقم بها أزمة تغيّب الأساتذة. والواقع أن إغلاق المدارس يحدث بشكل رئيسي في المناطق الريفية وبعض الضواحي في المدن الكبيرة، وهو نتيجة تراكمية انخفاض عدد المواليد منذ عام 2010. هذه الظاهرة بطيئة وتدريجية. وبالمقابل، أزمة تغيّب الأساتذة وعدم استخلافهم هي أزمة حادة تبدو مؤقتة تطال جميع المناطق دون استثناء، بما في ذلك المدن الكبرى: في هذه المدن وضواحيها الجاذبة للسكان، تشهد أعداد التلاميذ زيادة أو استقرارا مؤقتا رغم التراجع على المستوى الوطني، وذلك بسبب الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة والهجرة الدولية التي تغذي المدارس بأعداد متزايدة من التلاميذ. هذا الازدياد المحلي يجعل المفارقة أكثر حدة: مدارس في المناطق نفسها تعاني في آن واحد من اكتظاظ نسبي ونقص حاد في الأساتذة.
فقد تُغلق مدرسة في قرية نائية بسبب نقص التلاميذ، وفي نفس الوقت تعاني مدرسة في مدينة كبيرة من نقص حاد في الأساتذة لتغطية حصصها اليومية. إنهما أزمتان متوازيتان تعملان في مسارين مختلفين، ولا يخدم أحدهما الآخر.
نقص عدد الأساتذة
عند الحديث عن “نقص عدد الأساتذة”، فهذا لا يعني بالضرورة أن عدد الفرنسيين الراغبين في أن يصبحوا أساتذة يساوي صفرا. المشكلة أعمق من ذلك بكثير إذ تتعلق بجاذبية المهنة وظروف العمل وانخفاض الأجور مقارنة ببقية القطاعات. كما ترتبط بالعنف المدرسي المتزايد، وتراكم المهام الإدارية للأستاذ على حساب المهمة التربوية الأساسية. تلك هي عوامل تجعل المهنة غير جاذبة للأجيال الصاعدة. لذلك، فحتى مع تراجع أعداد التلاميذ، لا يتقدم مرشحون كافون لملء الوظائف الشاغرة، خاصة في تخصصات معينة مثل الرياضيات والعلوم واللغات. ويضاف إلى ذلك أن حوالي 300 ألف أستاذ سيحالون على التقاعد بحلول عام 2030، مما يعني أن النظام سيخسر أساتذة أكثر بكثير مما سيفقد من تلاميذ. بمعنى أن عدد الأساتذة المغادرين أكبر من عدد التلاميذ الذين لن نراهم في المدارس، مما يحدث فجوة تتسع يوما بعد يوم لا تستطيع التوقعات الديموغرافية التحكم فيها.
وهكذا، فإنّ ارتفاع حالات تغيّب الأساتذة والعجز عن تعويضها لا يرتبط بعدد التلاميذ بقدر ما يرتبط بتدهور الأوضاع النفسية والجسدية للأساتذة. فوفقا لتقرير مجلس الشيوخ الفرنسي الصادر في جوان 2025، زادت الغيابات لأسباب صحية بنسبة كبيرة منذ 2018، مع تزايد معتبر في حالات الإجهاد المهني والاكتئاب. إن الأستاذ الذي يتعرض لوعكات صحية بسبب الإرهاق أو الضغط النفسي لا يمكن استخلافه بسهولة لأن المستخلفين الاحتياطيين مُنهكون أيضا أو سبق أن تم توزيعهم على مهام أخرى مثل حصص الدعم الدراسي للتلاميذ المتعثرين.
ولذا حتى لو انخفض عدد التلاميذ في القسم إلى 15 تلميذا فقط بفعل التراجع الديموغرافي، فإن مرض أستاذهم وعدم استبداله يعني خسارة هؤلاء التلاميذ لحصصهم الدراسية كاملة دون توفر إمكانيات استدراكها. وهكذا تتجلى المفارقة: القلة في العدد لا تعني قلة في الضرر عندما يغيب من يُعلّم.
ثم إن إغلاق مدرسة ريفية لا يعني اختفاء التلاميذ، بل ينتقل هؤلاء التلاميذ حتما إلى مدارس أخرى في المناطق المجاورة. هذا النقل القسري يؤدي إلى مفارقة جديدة: زيادة أعداد التلاميذ في الأقسام التي لم تُغلق، مما يضغط على الأساتذة الموجودين ويزيد من أعبائهم وإرهاقهم. كما تترتب على ذلك حاجة ملحة لدى المدارس الكبرى لمزيد من الأساتذة لمواجهة هذا “التدفق” الناتج عن الإغلاقات. وبالتالي، فإن سياسة إغلاق المدارس الريفية، التي تبررها الحكومة بالتراجع الديموغرافي، قد تؤدي إلى تفاقم نقص الأساتذة في المدن الصغيرة والكبرى عوض حله.
ميثاق الأستاذ يُلزِم…
تحاول الحكومة معالجة أزمة التغيّب من خلال “ميثاق الأستاذ” الذي يلزم الأساتذة بأداء ساعات إضافية لاستخلاف زملائهم الغائبين مقابل أجر إضافي محدود. لكن الأساتذة يرفضون هذه الآلية على نطاق واسع لأنها تزيد من أعبائهم وتُضاعف ثقل مهنةٍ بالغة المشقة.
فبدلاً من توظيف أساتذة جدد لسدّ العجز، تحاول الحكومة “ملء الفراغ” بالأساتذة الدائمين، مما يزيد من حدة أزمة الغيابات بسبب الإرهاق المتراكم. وهكذا تتحول محاولة الحل إلى جزء من المشكلة.
قد نعتقد أن انتقال التلاميذ من مدرسة إلى أخرى يمكن حله بنقل أساتذتهم معهم؟ لا! والسبب هو أنه عند إغلاق مدرسة ريفية، نادرا ما ينتقل جميع التلاميذ إلى مدرسة واحدة، بل يتوزعون على عدة مدارس حسب الطاقة الاستيعابية والمراحل الدراسية، مما يجعل من الصعب على الأستاذ أن يتبع تلاميذه إلى أماكن متفرقة. أما السبب غير المعلن فهو أن الحكومة تستغل الإغلاق كفرصة لخفض عدد الوظائف التعليمية وتوفير ميزانيتها.
ومن ثمّ، فهذا التناقض سببه في الحقيقة خلل هيكلي مركّب: على المدى المتوسط والبعيد، هناك تراجع ديموغرافي يقضي بغلق المدارس الريفية وفي ضواحي بعض المدن. وعلى المدى القصير، ظهرت أزمة اجتماعية ومهنية تحول دون جلب الأساتذة والاحتفاظ بهم. والنتيجة واحدة في جميع الحالات: تلاميذ بلا أساتذة سواء كان ذلك لظروف صحية يمر بها أستاذهم ولم يستخلف (أزمة التغيب)، أو كانت مدرستهم قد أُغلقت ونُقلوا إلى مدرسة مكتظة تنقصها الموارد البشرية (سياسة الإغلاق)، أو كانت الوظيفة الشاغرة لم تُملأ من الأساس (نقص التوظيف).
وعليه، فإنّ المشكلة الحقيقية في فرنسا لا تكمن في وجود تناقضٍ في حدّ ذاته، بل في أنّ سياسة الحكومة، من خلال تجميع المدارس، وتقليص أربعة آلاف منصب تعليمي، واعتماد “ميثاق الأستاذ”، لم تُسهم في احتواء هذه الأزمات، وإنما جعلت كلاً منها يُغذّي الآخر ويزيد من تعقيد المشهد التعليمي.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post فرنسا: المدارس بين نزيف التلاميذ وتَغيُّب الأساتذة appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk