فرنسا الاستعراضات: سيرةُ قوّةٍ تسعل في مكبّر صوتها

أرادت فرنسا السياسية أن تجعل من قضية بوعلام صنصال استعراضاً للقوة.
فحوّلتها إلى استعراضٍ للعجز الصاخب.
كان المطلوب إنقاذ كاتب؟
ففضّلت باريس إنقاذ رواية سياسية.
كان المطلوب دبلوماسية؟
فأخرجت الميكروفونات.
كان المطلوب قنوات هادئة؟
فاستدعت المنابر والشاشات.
كان المطلوب نتائج؟
فأنتجت ضجيجاً وغضباً واستعراضاً.
ثم مرّت ألمانيا.
بهدوء.
بفعالية.
من دون طبول.
من دون افتتاحيات هستيرية.
من دون جوقات وطنية تصرخ في الاستوديوهات.
وفجأة وجدت فرنسا، التي نصّبت نفسها حارساً للصرامة والحزم، نفسها تكتفي بالتعليق على إفراجٍ لم تستطع تحقيقه.
فالوقائع عنيدة.
أُوقف بوعلام صنصال في الجزائر في نوفمبر 2024، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات في مارس 2025، ثم ثُبّت الحكم استئنافياً. وعندما جاء الإفراج، لم يأتِ من صخب باريس ولا من خطب سياسييها، بل عبر مسار دبلوماسي أكثر هدوءاً وفاعلية، شاركت فيه برلين من خلال قنوات لم تكن تبحث عن الكاميرات.
وهنا تكمن حقيقة القضية.
لقد لعبت فرنسا دور المسرح.
ولعبت ألمانيا دور الرافعة.
ذلك هو المأزق الفرنسي المعاصر.
بلدٌ ما يزال يعتقد أنه يخاطب العالم، بينما هو في الحقيقة يخاطب شاشاته.
بلدٌ يخلط بين السلطة وارتفاع الصوت.
ويتصور أن جملةً يطلقها برونو روتايو تساوي استراتيجية.
وأن افتتاحية في قناة إخبارية يمكن أن تحل محل وزارة الخارجية.
وأن عبوساً سياسياً كفيلٌ بإخضاع دولة ذات سيادة.
أراد اليمين الفرنسي أن يسمي ذلك «حزماً».
فلنسمّه باسمه الحقيقي:
مسرحاً انتخابياً لجمهورٍ متعب.
روتايو، وسيّوتي، وزمور، وبارديلا، ولوبان، وسائر جوقة الحنين الجريح، وجدوا في الجزائر دواءهم السياسي المفضل.
كلما تعثرت فرنسا، أيقظوا الجزائر.
الدَّين؟ الجزائر.
الأزمة السياسية؟ الجزائر.
تراجع النفوذ في أفريقيا؟ الجزائر.
انهيار الخدمات العامة؟ الجزائر.
الضواحي المهملة؟ الجزائر.
العجز عن تشكيل أغلبية مستقرة؟ الجزائر أيضاً.
لقد أصبحت الجزائر طبيبهم النفسي غير المأجور.
أما صنصال، فقد تحوّل إلى شمعةٍ في معبد الهوية.
يشعلونه كلما احتاجوا إلى رمز.
ويبكون عليه كلما احتاجوا إلى ضحية.
ويرفعونه كلما احتاجوا إلى ذريعة.
ثم ينتقلون إلى الفاصل الإعلاني.
لكن لا بد من قول الحقيقة كاملة.
إن صنصال ومن يدور في فلكه لم يعودوا معارضين بالمعنى التقليدي للكلمة.
لقد أصبحوا أصوات أسيادهم.
يتحدثون بلهجة الاستقلال، لكنهم يرددون النص القديم نفسه.
النص الذي تكتبه فرنسا الحنين.
وفرنسا الجرح الاستعماري غير المندمل.
وفرنسا التي ترفض الاعتراف بأن العالم تغير.
لم يعودوا مجرد كتّاب.
ولا مجرد مثقفين.
بل أصبحوا وظائف سياسية.
وضمانات ثقافية.
وأغطية أخلاقية.
ومكبرات صوت تمنح يميناً مأزوماً مظهراً فكرياً يفتقده.
فلنكن صرحاء.
هذا اليمين لا يدافع عن الحرية بقدر ما ينتقي شهداءه كما ينتقي ضيوفه في البرامج الحوارية.
يغضب حيث تخدمه القصة.
ويصمت حيث تزعجه الحقيقة.
إنه ليس كونيةً فرنسية.
بل خدمة ما بعد بيع المرارة.
وفي الأثناء، كانت فرنسا الحقيقية تسعل.
دينٌ عام يتضخم.
عجزٌ مزمن.
حكومات هشة.
تراجع اجتماعي.
نفوذ أفريقي يتآكل.
مدارس مأزومة.
مستشفيات مرهقة.
قطاع زراعي يئن.
ودبلوماسية تزداد عصبية.
هذه ليست شعارات.
بل أرقام.
فقد تجاوز الدين العام الفرنسي 115 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، فيما حذّر صندوق النقد الدولي من المخاطر المالية المتزايدة، وخفضت وكالات التصنيف الدولية نظرتها إلى الوضع المالي الفرنسي أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، ما زالت بعض الشاشات تتحدث وكأن المشكلة المركزية لفرنسا هي الجزائر.
علينا الاعتراف لهذا اليمين بموهبة نادرة.
إنه قادر على تحويل كل إخفاق فرنسي إلى خطأ جزائري.
إنها وصفة عملية.
ورخيصة.
وتعفي من التفكير.
أما المنظومة الإعلامية، فهي توفر المسرح.
وتوفر الإضاءة.
وتوفر الجمهور.
وأحياناً توفر الأحكام أيضاً.
حتى إن هيئة تنظيم الإعلام السمعي البصري الفرنسية نفسها اضطرت إلى تنبيه بعض المنابر بسبب اختلال التوازن وغياب التعددية.
بمعنى آخر:
لقد أصبح المسرح واضحاً إلى درجة أن عمّاله أنفسهم بدأوا يرونه.
لكن الحقيقة أبرد من ذلك كله.
الجزائر تزعج هذه الفئة من الفرنسيين ليس لأنها كاملة.
بل لأنها لم تعد تطلب الإذن.
تتحدث مع من تشاء.
وتفاوض من تشاء.
وترفض ما تشاء.
وتقرر ما تشاء.
وهذه، بالنسبة إلى حراس الإمبراطورية المتخيلة، خطيئة لا تُغتفر.
لذلك يصرخون.
لكن كلما ارتفع الصراخ، ازداد الفراغ وضوحاً.
كانت فرنسا الديغولية تتحدث قليلاً وتزن كثيراً.
أما فرنسا الإعلامية فتتحدث كثيراً وتزن أقل.
تهدد.
وتؤنب.
وتلوّح بالتاريخ.
وتستدعي الماضي كما يستدعي المحضرُ شاهداً متأخراً.
ثم تكتشف في النهاية أن العالم يواصل السير من دون أن يطلب إذناً من باريس.
وربما لهذا السبب تبدو متوترة إلى هذا الحد.
لقد كان يفترض بقضية صنصال أن تثبت قوة فرنسا.
فأثبتت شيئاً آخر.
أثبتت أن فرنسا الإعلامية تعرف كيف تصنع الضجيج.
لكن غيرها ما زال يعرف كيف يصنع الدبلوماسية.
وهذا هو الملخص القاسي.
أما ما بعد الانتخابات الفرنسية فسيكون أكثر كشفاً من الحملة نفسها.
إذا فاز هذا اليمين، فسوف يضطر إلى مغادرة استوديوهات التلفزيون والدخول إلى عالم الحسابات الحقيقية.
هناك ستتحول الخطب إلى أرقام.
والشعارات إلى ميزانيات.
والغضب إلى مسؤوليات.
وسيكتشف الذين وعدوا بإخضاع الجزائر أن الدول ذات السيادة لا تُدار بمنطق البرامج الحوارية.
أما إذا خسروا، فسيبحثون عن المتهم المعتاد.
النظام.
القضاة.
الإعلام.
بروكسل.
المهاجرون.
المسلمون.
والجزائر بالطبع.
وفي الحالتين سيتآكل السرد نفسه.
إذا انتصروا، فعليهم أن يثبتوا أنهم قادرون على حكم شيءٍ غير الخوف.
وإذا خسروا، فسيثبتون أنهم لا يستطيعون العيش من دون اتهام الآخرين.
وهكذا ستبقى هذه القضية مثالاً صغيراً على مفارقة كبيرة.
لقد لعبت باريس دور الادعاء.
ولعبت الشاشات دور المحكمة.
ولعب المعلقون دور الدبلوماسيين.
ولعب المثيرون للجدل دور الاستراتيجيين.
ثم صفق الجميع لأنفسهم.
بينما كانت الوقائع تمضي في طريقها بهدوء.
فالمأساة الحقيقية ليست أن تُنتقد فرنسا.
فكل قوة في التاريخ تعرضت للنقد.
المأساة الحقيقية أن جزءاً من طبقتها السياسية لم يعد قادراً على التمييز بين العظمة والضجيج.
إنه يخلط بين الحنين والقوة.
وبين الحركة والفعل.
وبين الاستعراض والسلطة.
وبين الميكروفون والرافعة.
وأحياناً، في مسرح القوى التي ترفض الاعتراف بأن العالم قد تغير، يصبح الميكروفون نفسه الدليل الأخير على العجز.
فبعض الأمم ما زالت تمتلك الروافع.
أما البعض الآخر، فلم يبقَ له سوى مكبرات الصوت.
وعندما تصبح مكبرات الصوت أهم من النتائج، فليس النفوذ هو الذي يتكلم.
إنه صداه فقط.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post فرنسا الاستعراضات: سيرةُ قوّةٍ تسعل في مكبّر صوتها appeared first on الشروق أونلاين.